قطوف من شجرة الحياة

 

اسكندر لوقا

 

مهداة إلى ضيوف وزائري معابر

 

1

إن شعور المرء بالتفوُّق ليس حالة مرحلية أو عابرة تشيع الراحة والسرور في نفس صاحبها، إنما التفوُّق مسؤولية وطنية وقومية؛ وهي بالتالي نقيض الشعور بالتركُّز حول الذات – أو هكذا يجب أن تكون – لأن التركُّز حول الذات، مهما قَصُرَتْ مدة الاستمتاع به، يبقى مرضاً اجتماعياً يحيل المصابَ به إلى كائن ينبذه المحيطون به، حتى إذا هم أظهروا له غير ما يضمرون.

*

 إن الساعة لا تكتمل إلا بالدقائق، كما الدقائق لا تكتمل إلا بالثواني. انطلاقاً من هذه الرؤية فإن أي عمل لن تكون له نهاية قبل أن تكون له بداية – تماماً كما هي حال البناء، لا يكتمل إلا بحجارته جميعاً، مهما كانت أحجامها صغيرة. كذلك المعرفة، بدايتُها الحروف فالكلمات. ومن ثَمَّ بمقدار ما يختزن العقل المتفتِّح على المعرفة من المفردات يكون الإبداع أو لا يكون.

*

نردِّد في أدبياتنا – وكثيراً ما نردِّد – مقولة "النسبية" في الحياة. ونقول بالنسبية للدلالة على أن الأشياء في الحياة، بما في ذلك الكائنات البشرية، ليست متطابقة تمام التطابق؛ وإلا لما كان هذا التمايز في الشكل بين إنسان وآخر، ولما كانت مسألة النسبية مطروحة في البيئة الواحدة عند الحكم على هذا أو ذاك بمدى قربه أو بعده عما نرى أو نعتقد. النسبية، بهذا المعنى، في البيئة الواحدة، بعيدة كلَّ البعد عن مفهومها العلمي، وإن أصرَّ بعض من الناس على غير ذلك.

*

من أمراض العصر مرض "الذات المضخَّمة". يمكننا تشبيه تضخُّم الذات بالورم الذي يظهر على جسم الإنسان. مثل هذا المرض يستعصي على محاولات إخفائه عن الأعين إذا ما أصاب جانباً مرئياً من أنحاء الجسم. ولكن، ماذا إذا كانت الإصابة في جانب خفيٍّ منه؟ إنه، في هذه الحالة، ينقلب إلى داء يستعصي على تشخيص أدهى الأطباء ويستمر، بالتالي، في استشرائه، إلى أن تتآكل خلايا الجسم كلِّه ويكون الفناء.

***

2

للعطاء أكثر من معنى في الحياة؛ فقد يكون مادياً أو معنوياً. فالابتسامة، حين تصدر عن عاطفة، يكون لها وقعٌ أشد تأثيراً في نفس المتلقِّي مما لو تجسَّد هذا العطاء في قالب مِنَّة، مهما كان حجمه. إن لمسة حنان أو دفقة حنوٍّ، تماثل، أحياناً، من حيث قيمتها، أغلى ما يمكن للمرء أن يناله، على نحو الغريق الذي يحاول التمسُّك بحبل النجاة، حتى إذا كان الحبل مصنوعاً من أشعة الشمس.

*

حين يتتبَّع أحدنا أحداث عالمنا اليوم، فيرى إلى انهيار الإنسان مع انهيار كتل الإسمنت، يخيَّل إليه بأنه يحيا عصراً جديداً، ولا يملك إلا التساؤل عن ماهية سنوات القرن الحالي – القرن الحادي والعشرين: تراها السنوات المجنونة تلك الآتية إلينا؟ أم تراهم المجانين الذين يصنعون مستقبل البشرية؟

*

يتمنى المرء، وهو يعايش ظروف تردِّي البشرية على نحو ما يراه في أيامنا هذه – يتمنى ألا يأتي يوم في التاريخ يقال فيه: كان هناك في الزمن الغابر مخلوق على وجه الأرض يُدعى إنساناً!

*

تتنامى القناعة لدى المعنيين بأحداث التاريخ بأن التعامل مع حدث من أحداث التاريخ، قراءة وتحليلاً وتمثُّلاً، ينبغي أن يقارب أسلوب التعامل مع الكائن الحي، منذ لحظة الولادة إلى آخر أيامه. وهي قناعة صائبة؛ إذ على هذا النحو فقط يمكن تسخير الحدث (وبخاصة الحدث التاريخي) لصالح الزمن، سواء أكان الزمن الراهن في مستوى الرؤية المتاحة، أو على مستوى التوقعات والاحتمالات كافة.

*

مع أن الاغتراب هو، في نهاية المطاف، انسلاخ عن الأرض والأسرة والتاريخ وكل ما في إطار ذلك من مشاعر الحنين والدفء والثقافة والتقاليد فإنه يبقى شعاراً لنزوع الإنسان إلى تحقيق ذاته ببلوغ غايته من الاغتراب – وإن كان سيذوب شوقاً وحنيناً إلى تراب وطنه في آخر لحظات العمر.

***

3

إن "ظاهرة" مرضية تسمَّى "المربيات الأجنبيات"، تُراها تختلف في كثير أو قليل عن أي مرض مدمِّر يصاب به المرء؟ إننا لا نريد أن نتَّهم أحداً في هذا السياق سوى أنفسنا. أقول ذلك لأن الاغتراب، عندما يكون من داخل الذات، من الصعوبة بمكان أن يجد المرء سبيلاً إلى التوازن. إن مرضاً كهذا لا يقل شأناً – في اعتقادنا – عن فتح أبواب منازلنا للأعداء، مهما كان أحدنا يعتقد أن المربية الأجنبية أقدر من أمَّهاتنا على صنع رجال الغد.

*

كالمسافر الذي يبتعد عن شاطئ الوطن، رويداً رويداً، ولا ينفك ينظر إلى الوراء، يبقى المغترب عن وطنه تشدُّه ذكرياته إلى رصيف البحر. حنين المغترب إلى الوطن يبقى الأقوى بين المشاعر الأخرى، مهما ترافقت هذه المشاعر مع تحقيق الأمنيات والأهداف المتعلقة بالمسائل المادية أو بالمناصب.

*

إن الكتابة هي، بطريقة أو بأخرى، وظيفة وطنية، إن لم نقل إنها وظيفة مسؤولة. والكتابة، ضمن هذه الرؤية إليها، لا بدَّ أن تتفاعل مع قضية ما ذات مدلول خاص أو عام، سواء أكانت القضية سياسية، أم اجتماعية، أم ثقافية. وكلَّما ابتعدت الكتابة عن تلبية غاية شخصية كانت أقرب إلى رسالتها في الحياة؛ وإلا انقلبت إلى ما يشبه الزهرة الصناعية، مهما كانت أنيقة الشكل، لا تساوي قيمة أريج زهرة برية.

*

حين ينقلب المزارع النشط، في بلد ما من بلدان العالم، إلى موظف يستهويه الجلوس وراء الطاولة، وحين ينقلب الصناعي الناجح إلى صياد سمك، وحين ينقلب الفنان المبدع أو الطبيب البارع إلى متعهِّد بناء، أي عندما يفقد مجالٌ من المجالات أحد رموزه، بمعنى أحد أفراده القادر على العطاء المتميز، فإن ذلك يماثل تسرُّب مياه الشرب من أنبوب مثقوب، أو تسرُّب الغاز من زجاجته.

*

حين يسعى أعداء أمتنا العربية إلى تنمية أطفالهم ليكونوا البندقية والمدفع والدبابة والطائرة في المستقبل، في مواجهة "العدو العربي"، كما في أدبياتهم، منذ سنِّ التلمذة، سواء بالكلمة أو باللحن أو بالصورة، تتنامى تلقائياً في نفوسهم نوازع الحقد والكراهية ضدَّ كلِّ ما هو عربي. وعلى هذا النحو يشوِّهون في الإنسان طفولته بحيث ينمو خالياً من كلِّ عاطفة أو شعور يدنيه من إنسانيته. ولهذا نرى أطفالنا كيف يُقتَلون بأيدي الإسرائيليين – برابرة العصر الحديث.

***

4

في صفحة أول أيام السنة الجديدة نقرأ: اللهم ارزقني امرأة تسرُّني إذا نظرتُ، وتطيعني إذا أمرتُ، وتحفظني إذا غبتُ. وفي اليوم الثاني نقرأ الحكمة التي تقول: المرأة الصالحة تحفظ لزوجها سرَّه وسريره وسروره. إنها أقانيم تجسِّد الجمال والطاعة والوفاء. وأما الجمال فهو غير المتعارَف عليه عالمياً لاختيار ملكات الجمال. كذلك الطاعة ليست هي العبودية. كذلك الوفاء هو الإخلاص للذات أولاً، قبل أن يكون شرطاً من شروط الزواج الناجح. إن كثيراً من مفاهيم النسبية يلعب دوراً في قراءة مثل هذه الأقانيم.

*** *** ***

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود