السلطة والموت

 

دارين أحمد

  

في التراث الإسلامي أسطورة عن السلطة في احدى تجلياتها الأساسية، تقول إن الله عندما أراد خلق آدم أرسل جبريل إلى الأرض ليحضر له قبضة من طينها فاستعاذت الأرض بالله مِنْ أنْ ينقصها جبريل شيئًا، فرجع فارغ اليدين. فبعث الله ميكائيل وتكرر الأمر نفسه. أخيرًا أرسل الله ملك الموت الذي ردَّ على الأرض حين استعاذت بالله باستعاذةٍ معارِضة من أن يعود دون أن ينفذ أمر الله. وهكذا حصل ملك الموت على مراده الذي هو مراد الله، ومن هذا المراد المؤسَّس على الإكراه وعلى رمزية الملاك الفاعل في هذا الإكراه؛ خُلِق آدم، ثم ألقي به في ديمومة مجهولة النهاية والبداية، هو الكائن الفاني ذو الوعي القادر على تمثل الأبدية وخلق روابط معها تهدئ من روع الفناء في نفسه. أسهل هذه الروابط وأكثرها مبعثًا للطمأنينة هو الدين اللاتأويلي "الصراط المستقيم" أو "العقيدة القويمة" كما يسميها جورج طرابيشي، وهي عقيدة نافية بالضرورة، نافية للشك، وللاختلاف، وللعقل. قوامها إيمان تلقيني قائم على مقولات نهائية ومبسطة لا يمكن مناقشتها أو مساءلتها لأن في ذلك نفي لهذا الإيمان ذاته وطردٌ من نعيم طمأنينته المسور. في الواقع، كان من الممكن في القرون الماضية وجود مجتمعات مغلقة يمكن أن يحقق فيها هذا الشكل الإيماني الطمأنينةَ الموعودة، فالانغلاق شرط لازم لذلك، وأي انفتاح لابد أن يكسر قليلاً من هذا الوعد، أما الآن فالأمر مستبعد كليًا في عصر قائم على "الفضائحية" كأساس له. لذلك من المؤكد أن الطمأنينة اختفت رغم بقاء الإيمان الذي وعد بها. وتشكل "داعش" دمجًا للعقيدة القويمة والفضائحية معًا، ويمكن رؤية سينما التعذيب والقتل التي ميزت هذا الكيان المبرمج، أي "داعش"، في هذا الإطار. وينسحب الأمر أيضًا على الأفعال المتماثلة إنما تحت عنوان إيماني آخر كما في مجزرة نيوزلندة مؤخرًا حيث يتماثل فعل القاتل في "إيمانه" بما يفعله وفي فضائحيته مع أفعال داعش وإن كان ينطلق من نفيٍّ لها حسب المقولات المؤسِّسة له.

لكن هذا ليس سوى شكلاً أوليًا للعلاقة بين السلطة والموت، سلطة الإله الجبار على عبده الفاني؛ فما إن تشكلت المجتمعات المستقرة وبدأت الحضارة المعروفة خطواتها الأولى حتى استثمر الإنسان في جبروت الإله وسلطته وشكّل علاقاته المعقدة مع السلطة وتثبيتها عبر الموت بعد تغيير طبيعته إلى القتل. فالسلطة هي القوة القادرة على قتل الآخر، ويعد القتل النهائي (الموت) أحد أساليب "رحمتها" فكما نعرف من قصص التعذيب أن في قتل المعذب خلاصه؛ السلطة هي القوة القادرة على تحويل الإنسان إلى "شيء" كما عبرت عن هذا سيمون فايل في مقالها "الإلياذة قصيدة القوة"، ولا وسيلة لفعل ذلك سوى الإذلال والخوف، الوسيلتان المتجذرتان في الجهل والفقر والعجز. في تأويل سيمون فايل لتشييء الإنسان يحتل الإذلال والعجز المقام الأول؛ فهي تتحدث وتؤول ملحمةً مؤسِّسة للحضارة التي نعرفها ونعيش فيها، إلا أنها تبقى ملحمةً تتحدث عن الأبطال، وفي الحديث عن البطولة يتراجع الخوف والجهل والفقر ليبقى الإذلال الممارس من قبل مالك القوة نحو فاقدها، وعجز فاقد القوة عن رد الذل بإذلال الخصم واخضاعه – على الأقل في الموقف المعني؛ فما يميز الملاحم، كما ذكرت فايل في مقالها أيضًا، تنقل القوة من خصم إلى آخر.

إذًا هناك جانب ارتباط القوة-السلطة بالإذلال والإخضاع، وبما يخص العالم اللاملحمي، سواء في الماضي أو في الوقت الحالي، فإن الإذلال وتعميم الخوف يحدثان بشكل أساسي على قاعدتي التجهيل والإفقار، وهو حالنا في كل البلاد على أطراف المراكز الصناعية والتقنية، بؤر استهلاك التكنولوجيا والثقافة وتصدير ما يلزم من مخاوف وفزاعات ثقافية تحتاجها الدول المركزية لإبقاء سلطتها "الناعمة" قائمة على هذه البلدان وعلى شعوبها أيضًا إنما بشكل آخر أخف وطأة بكثير من الشكل الذي تمارس فيه السلطة في الدول الواقعة تحت سلطة دول المركز ديمومتها التي تستنسخ ذاتها بشكل متكرر وإن تغير اسم الشخص الذي يمارس هذه السلطة، ونرى ذلك في الدول العربية التي تمكنت من إزاحة دكتاتورها دون أن تتمكن من زحزحة الثقافة التي تُؤسَّسُ عليها "ضرورة" وجود هذا الديكتاتور.

لكن السلطة لا ترتبط فقط بالإذلال والإخضاع؛ فهي قبل هذا الارتباط معرفة ومهارة اتخاذ قرار ومسؤولية عن نتائج القرارات المتخذة. يحدثنا شتراوس في كتاب مداريات حزينة عن شكل السلطة السياسية عند مجتمع النامبيكوارا، حيث لا وجود لفكرة وراثة السلطة، بل يختار الرئيس قبل وفاته رئيسًا جديدًا، وفي أحيان كثيرة يقابل هذا القرار بالرفض من قبل الرئيس الذي تم اختياره، فالسلطة هنا تعني أن يكون الرئيس على دراية كبيرة بجوانب مختلفة لقيادة مجتمعه واتخاذ قرارات سليمة، وتحمل مسؤولية نتائج القرارات الخاطئة، فمثلاً عندما ضلوا الطريق وليس معهم مؤونة كافية نام أفراد الجماعة تاركين مهمة ايجاد طعام كاف للرئيس، الذي اتخذ قرارات أدت إلى هذه المشكلة، ونسائه؛ إذ إن النساء هن الامتياز الوحيد الذي يُمنح للرئيس، أي تعدد الزوجات ضمن شكل أقرب إلى وجود عشيقات إلى جانب الزوجة. كما أن السلطة عند النامبيكوارا لا تعني القمع، وليس لدي الرئيس إمكانيات فرض آرائه إلا بدعم من المجموعة، وبقوة الثقة التي يخلقها في نفوس اعضائها. أي هو بشكل ما شكلٌ أوليٌّ لمفهوم الديمقراطية الذي نعرفه الآن.

إذًا ليست المشكلة في السلطة ذاتها بل في الامتيازات التي استلبها ممارس السلطة من الآخرين، وما نتج عن ذلك من وسائل لإبقاء هذه الامتيازات ما يقود مباشرة إلى وسائل إلغاء الآخر الذي يهدد هذه الامتيازات؛ وقد تعالقت السلطة مع الامتيازات ومع وسائل الإلغاء حتى صار من الصعب الفصل بينهما، إذ تُبتكر وسائل إلغاء أكثر ذكاء وتُغلَّف الامتيازات بالقوانين والتلاعب فيها... وتبقى السلطة في لغة النفاق السياسي موقعًا ذا رهبة وثقلاً يحمله المتسلط على ظهره خدمة للشعب.

وأخيرًا، نعود إلى الفكرة الأولى، إلى وهم الديمومة الذي يمنحه استلاب السلطة، ووهم التماثل مع جبروت الأزلي، وتعميم الجهل والفقر اللازمان لإبقاء هذه الديمومة واستنساخها في أشخاص مكررين وإن حملوا اسماء جديدة؛ وعلاقة كل هذا بالموت، بالقتل، قتل الفرد وإماتته قبل موته المادي النهائي، وهي إماتة على درجات تحدث في جميع سكان الكوكب، إذ لا ينجو منها الفرد في المجتمعات المتقدمة، وهو يختلف عن الفرد في المجتمعات الأخرى بالدرجة ليس إلا. لنصل إلى نتيجة تقول بإمكانية مقاومة هذه الإماتة عن طريق رعاية الحيِّ فينا، في كل فرد ما أمكنه ذلك، إذ قد يقود هذا يومًا ما إلى أشكال من ممارسة السلطة أكثر رأفة بالبشر وبالحجر.

*** *** ***

 

 

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني