الأدب الكبير

 

المطران جورج خضر

 

لماذا يكتب الأديب؟ هذا سؤال حصري لا يتعلق بمن يضع أطروحة في الاقتصاد أو الجبر أو علم طبقات الأرض. هذه مجالات تنسكب فيها المادةُ المعرفية من العقل بعد أن يكون الباحثُ قد بحث، ويقول صاحب هذه الموضوعات ما يقول مستقلاً عن قلبه من حيث المبدأ؛ إلا أن قلبه كان مشغوفًا بها. ولكنها قد تنزل، من جوانب، قلبَ القارئ إذا أحسَّ أنها تمسُّ فيه وترًا داخليًّا؛ وقد تحرِّكه بقدر ما فيها من جديد. والجديد قراءةٌ للكون لم تكن، أو فيها نبرات لم تُسمَع؛ غير أنها قراءة هي أقرب إلى الموضوعية منها إلى الذات التي تتحرك من كلِّ صوب وإلى كلِّ صوب.

وقد يقال عن كاتب موضوعي إنه "مبدع" من حيث إن سواه لم يقل قوله. ولكنها أشياء موجودة في الدنيا؛ وعلى هذا تكلَّم الجاحظ، وبعده باسكال، الذي كان يرى أنك تبني بيتًا بحجارة قديمة. الهندسة جديدة. غير أن باسكال أتى بما لم يأتِ سواه ولم يرصف فقط رصفًا؛ ولكنْ ما شدَّنا إلى ما قال إلا لكوننا ذُقنا فيه ما لم نذقْ قبلاً، وذهبنا في طريق لم تكن مفتوحة. هناك الجديد؛ أي هناك غير الموروث.

مدلولُ الجديد هو ما لم يكن قبلاً، وفيه توثُّب وكأنه بدء. أن تأتي أنت من شكل وتبديه بطريقة أخرى، أي تزخرفه، فهذا صناعة غايتها اللذة. أجل، كلُّ كتابة صناعة، أو فيها صناعة، لأن فيها خدمة أو تواصلاً. وإذا نحوت نحو الرسالية فلا بدَّ لها من اختيار الألفاظ، لأنك تصل بلفظة ولا تصل بأخرى. غير أن الدعوة، في جوهرها، ليست فنًّا لأن التبليغ فيها يجيء من التكليف الإلهي، أو ما هو بمقام التكليف. وعلى هذا قامت الإيديولوجيا – والإيديولوجيا عمارة عديدة العناصر، ولا ينفك فيها حجر عن حجر؛ وأنت تبغي نقلها كما هي من عقل جمعي أَوْجَدَها إلى عقل فرد. لهذا لن يكون الخطاب الإيديولوجي جديدًا إلا إذا تفرَّقتْ عناصرُه بقوة، فغدا بناءً آخر.

غير أن خطاب الدعوة، ولو لم يتوخَّ الجمال ولا يسعى إلى مضمون جديد، إلا أنه عند بعضٍ قد يأخذ بمشاعرهم بقوة، بحيث إذا بلَّغوا يحسُّ القارئ أنه أمام رسالة لا عهد له بكلِّ مضامينها، مع كونه قرأ الرسالة قبلاً وظن أنه تمرَّس عليها. فقد تكون نفسُ الكاتب قد شفَّتْ أكثر من حروف الرسالة، وأخذك الكاتب إلى بساطة هي أعمق من النص الرسالي، فيبدو ما سطَّرتَه كأنه مرسل إلى الأطفال، ولكنه في حقيقته مرسل إلى من تريد أن يصيروا كالأطفال لتُدخِلَهم إلى الملكوت الذي أنت مؤمن به.

***

أوَتكون الرسالةُ قد تملَّكتْك إلى حدِّ أنك بتَّ غير قادر على أن تتركها على كلماتها، فتكسرها لتأتي بكلمات أخرى؛ إذ تكون قد تشبَّعتَ من الدعوة في ثنايا كيانك، وهزَّتْك وأنطقتْك كأنك لم تبقَ مُبلِّغًا، ولكنك صرت صاحب الرسالة.

لذلك لا تقنعني الحربُ التي تُشَنُّ أحيانًا في أوساط المفكرين الحائدين على الإيمان، أو المتفرجين عليه محلِّلين، عندما يتهمون أصحابه بالدوغمائية. ذلك أن كلَّ كاتب دوغمائيٌّ من منظار. كلٌّ منا يجيء من صوب. كلٌّ منا وريث. وما الفرق بين من أسلم لعقيدة دينية يراها ثابتة، ومن أسلم للسعي الفكري الذي يقول صاحبُه أنه متحرك؟ نحن أمام جدل لا ينتهي منذ هيراقليطس بين الثابت والمتحول. وإذا قيل إن الديني ثابت لكونه مرتبطًا بكلام مُنزَل فهذا يقودنا إلى بحث يمكن تسميته "مقام الكلام" أو وضعه أو قانونه. وفي جدل كنت أقوم به مع أحد أصدقائي من المغرب سميتُه le statut de la Parole، ما معنى أن كلامًا معربًا نزل، وكيف يتم التحامه بعقل السامع؟ ما التبلور الأنثروبولوجي للكلام الإلهي؟

إن الذي لا قناعة له دينية، ويتململ فكرُه أو يتصاعد غير مبنيٍّ على شيء، ويظن أنه يبقى في التفكيك، إنما هو في حقيقته يبني بما يبدو أكثر تواضعًا من الفكر العَقَدي، أو بما هو أقل تشبثًا. ولكنك لا تستطيع أن تمشي بلا حدٍّ أدنى من القناعات. وفي هذا أنت أيضًا وريث. اللاعقائديون يحسبون أنهم قادرون على الإبداع، إذ ليس قبلهم شيء. هذا مستحيل لأن أحدًا على صعيد الأدب لم يولد من العدم. المؤمن يفترق عن هؤلاء لأنه يعرف صلته بالخلق وعلى مستوى الكلمة بالتراث، ولكنه ليس، ضرورةً، مكبَّلاً لأن له أداءه. لست أريد بذلك الأسلوب. فليس من "أسلوب" لأن "الكلمة الذي كان من البدء" وأنتج كلمات مرصوفة هو إياه ينتج كلماتك اليوم كأنه يتجسَّد فيك من جديد، إذ يختارك اليوم بعد أن يكون جَرَحَك.

ذلك أن "الكلم" هو الجرح، و"الكليم" هو الجريح. وسواء جئت من الكثير الذي كان قبلك أو من القليل فأنت أديب إذا استطعت أن تصل إلى القلب، أي أن تجرحه. ويستحيل عليك ذلك إن لم تكن أنت مجروحًا. ألا يعني هذا أشعياء عندما قال أنْ طار إليه ملاكٌ "وبيده جمرة أخذها بملقط من المذبح ومسَّ بها فمي". يكون النبي يتكلَّم من فمٍ احترق بالنار. أو إذا قال الله لحزقيال: "يا ابن الإنسان، كلْ ما أنت واجد، كلْ هذا السِّفر واذهب فكلِّم"، لا يمكن أن يعني أن ردِّد الكلمات تردادًا، ولكنه يريد أنها ستصير منك، وكأنها نابعة من جوفك؛ أي بعد أن تصير إيَّاك تخرج باللباس الذي تختاره لنفسها.

ومن هنا فإن النقد الحديث لا يقبل التفريق بين المعنى والمبنى كما كنا نفعل في شبابنا – نحن الذين تتلمذنا في مطلع الأربعينات على النقد الأدبي القديم.

***

أنت تجيء من مكان أو تجيء من واحد. كان الشاعر الألماني ريلكه يقول: "لي قصائد ليست مني" – ويريد بذلك مصدر إلهامه. ولهذا لا يستطيع شاعر، أو من كان مثيله، أن يكتب قبل المخاض. فكما لا تلد المرأة إلا إذا جاءت ساعتُها، كما يقول إنجيل يوحنا، هكذا لا تنزل منك كلمة إلا إذا تَنَزَّلتْ عليك حتى تجدِّد الآخرين، أي حتى يَتَنَزَّل عليهم ما انسكب عليك، وقد يلامسهم على غير ما لامسك لأن لكلِّ قلب جرحه. يبلِّغهم ما يبلِّغهم، ولست عن ذلك بمسؤول. إنما كنت أنت "والدة"، ووضعتَ ما وضعتَ في أوان الرضاء.

وهذا خلافنا الدائم مع غير المؤمنين: إنهم يحسبون هذا اختلاجات قلب، ونحن نحسبه حركة إلهية إليك. وما يجمع بين الاثنين – إنْ كانا حقًّا على الإبداع – أنهما يشعران أن شيئًا يُملى عليهما. الصناعة، إذ ذاك، ثانوية، ولكنك تتوخى بها أن يفرح القارئ. وأنت تخاطب من له أذنان للسمع. وإذا كانت كلمتُك حية، فتسمع أذنٌ حساسة للموسيقى الإلهية التي فيك، ولا تستطيع أنت أن تتموسق بصورة أخرى.

هل من فرق بين الوحي الإلهي والإلهام الشعري إذا اقتنعنا – كما أنا مقتنع – أن الله هو وراء ما يكتب بعضٌ أو ما يأتي به المبدعون؟ المسألة صعبة في المسيحية لأن العهد الجديد لا يحتوي على كلمة "وحي" المستعمَلة بترجماتنا العربية تأثُّرًا بالإسلام. فإذا قال إن الكتاب "موحى" يريد في اللغة اليونانية أنه ذو نفحات إلهية. والمعنى طبعًا أن الله ينشئ من روحه كلمات في الكتاب المقدس، وأنت تحتكم إلى الله باحتكامك إلى النص.

ما اجترأتُ على قوله قديمًا إن في الشاعر إبداعًا هو أيضًا عمل الله. أجل، الشاعر أو الناثر الكبير ليس حَكَمًا أو مرجعية في البحث عن الحقيقة. فعلى الكتاب الإلهي يُقاس كل قول. غير أن الشعر يمكن أن يُحدِثَ فيك جرحًا إلهيًّا.

لست أوحي بهذا أن كلَّ إبداع فني عمل الله؛ فقد يكون وَسْوَسَة إبليسية ظاهرها نور. ذلك أن الأدب الكبير يلتقي دائمًا الحقيقةَ أو يراها. والحقيقة دائمًا أدبية لأنها سَهْمٌ في القلب الطيب. فقد تقرأ أدبًا روحيًّا كبيرًا لا بلاغة فيه ولا رونق، ولكنه يجعل قلبك يخفق له ويَجْمُل به. وإذا قال لنا باسكال: "إن البلاغة الكبرى تهزأ من البلاغة"، فقد يهزأ الأدبُ الكبير من لباس له، فينزل عليك ضوءًا لا مصباحًا، وتصير به – ولو إلى حين – إنسانًا إلهيًّا.

*** *** ***

عن النهار، السبت 30 تشرين الثاني 2002

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود