الفلسفة في مسارها

تغريبة في مجاهل الفلسفة ومسرَّاتها

 

عيسى الأشأر

 

أصدر جورج زيناتي كتابًا جديدًا في الفلسفة بعنوان الفلسفة في مسارها.* ولعلها المرة الأولى التي نصادف فيها كتابًا يعرض للفلسفة منذ بداياتها – أو ما هو متَّفَق عليه على أنه بدايتها الأولى – حتى اليوم، من غير أن يكون كتابًا في تأريخ الفلسفة. فزيناتي يتبع المسار التاريخي في استعراض تطور الفلسفة ومتابعته، دون أن يلتزم المنهج التاريخي الخالص في معالجته وبحثه؛ فما يختص بالتاريخ في هذا الكتاب هو الاتجاه العام من الماضي إلى الحاضر في رحلة نقدية جدلية، عميقة وممتعة.

وقد لا نغالي في الحكم إذا قلنا إنها قد تشكِّل المقدمات الضرورية لصياغة موقف فلسفي متميز وأصيل، خصوصًا إذا عطفنا عليها كتابَه السابق رحلات داخل الفلسفة الغربية (1993). فزيناتي لا يتوقف كثيرًا عند الظاهر الخارجي والعرض السطحي في الفلسفة، بل يسعى إلى النفاذ نحو البُعد العميق للاهتمام الفلسفي الإنساني: "فالفلسفة ليست تاريخها؛ الفلسفة حوار دائم، حوار في الحاضر حول معنى حياتنا ووجودنا وهدف عملنا، بل كذلك حول معاناتنا وآلامنا." (ص 115) يتناول زيناتي الفلسفة لا كموضوع بذاته، مستقل عنه كلَّ الاستقلال، بل يتناولها بحميمية وتقارُب روحيين.

هاهما في طرقات أثينا وساحاتها مع سقراط، وهو يستفز العقول ويوقظها من سكونها وثباتها، مثيرًا القشعريرة في النفوس المطمئنة إلى معارفها العامية ومعتقداتها التقليدية، فيجعل من ذاته الرمز الأول والحَدَثَ والشهيد الأول للفلسفة – الشهيد الأول للعدالة والشجاعة والمعرفة – مرورًا بالأكاديمية عند أفلاطون؛ يستمتعان بالرفاهية والأناقة، والترف المثالي بين أعمدتها وأساطينها، وينعمان بالتأمل في الخير والكمال، والحبِّ والجمال؛ ثم يتمشيان مع التلميذ العقل في ردهاتها وفناءاتها، يستمعان إلى أحكام العقل المضبوط بالمنطق من "المعلِّم الأول" أرسطو؛ ويستريحان طالبين شيئًا من اللذة الروحية والصفاء الذهني في حديقة أبيقور بعد عناء العقل والجسد، ويبيتان طلبًا للهدوء النفسي في رواق زينون.

وزيناتي يحتفل نشوان مرحًا ومهللاً لكلِّ خطوة جديدة وكلِّ نقلة متقدمة تحقِّقها الفلسفة أو يحققها أبناؤها من العلوم. فالفلسفة، تاريخيًّا، هي العلوم كلُّها، وهي لا تنوجد من غير علم: فهي "مرتبطة ارتباطًا عضويًّا بالعلم وبتقدُّمه، وهي تصاحب هذا التقدم ولا تستطيع أن تتابع طريقها بمعزل عنه" (ص 17).

والفلسفة، في حياتها الداخلية وفي تطورها، تشبه العلم والعلماء: تمر في مرحلة النبوغ، ثم التجوال والارتحال، ثم الاستقرار والعطاء، وأخيرًا مرحلة العودة إلى الموطن الأول، حيث النفي في الانتظار، لتظهر في صيغة جديدة وحلَّة جديدة. فما كاد الإسكندر الكبير يوسع إمبراطوريته نحو الشرق حتى وجدتْ الفلسفة موطنًا جديدًا لها في مدرسة الإسكندرية ومكتبتها ومركز العلوم فيها. وها هي من جديد تقترب نحو مسقط الرأس الأول والمهد الأول، ضفاف النيل ودجلة والفرات وشواطئ المتوسط الشرقية.

يرافق زيناتي الفلسفة في رحلة العودة إلى الشرق، وقلبُه عليها خشية ما ينتظرها على أيدي الأباطرة والمأخوذين بروح الحرب والقوة ورغبة التسلط في الإمبراطورية الرومانية العاتية. ومع أنها وجدت مستقرًّا لها في روما بعد إحراق مقرِّها في الإسكندرية وإقفال أكاديميَّتها في أثينا، ولم تجد ترحيبًا بها في القسطنطينية، العاصمة الشرقية، إلا أنها فقدت روح الإبداع وحيوية الروح، وانتهت إلى أقبية الأديرة ودهاليز النسيان وصوامع السريان – بانتظار فجر جديد.

الحضارة والفلسفة

يسجِّل زيناتي للفلسفة في محطتها الجديدة، في دارها الجديدة – دار السَّلام، بغداد، في كنف الخلفاء المسلمين والأمراء وعشاق الفكر والأدب والفنون، وفي "دار الحكمة" – عزًّا ومجدًا غير مسبوقين، بحيث أصبحت تنطق ذهبًا كفة بكفة. وستصمد في منافحتها عن حرية الفكر والرأي والعقل، وفي احتضانها للعلم، على الرغم من كلِّ السِّهام الموجَّهة إليها، وستحمل ألمعُ العقول قضيتَها: من الكندي إلى الفارابي والرازي والخوارزمي وابن الهيثم. واللافت في هذا المضمار أن الفلسفة تزدهر وتينع وتتجدد حيث تكون الحضارة مزدهرة، وحيث يكون البُعد الحضاري والأفق الحضاري والإشكال الحضاري والعلمي والإنساني هو الهم المسيطر والجامع الشامل. أما عندما تبدأ الحضارة بالتفسخ والانحدار فإن الزيت في سراج الفلسفة يبدأ بالنضوب والانتهاء.

وهكذا فإن مصابيح الفكر والعقل والفلسفة بدأت بالخبو في المشرق شيئًا فشيئًا، مع تراجُع حضارة العرب والمسلمين عن طموحاتها الأولى، ومع تراجُع عناصر التفتح العقلي والتسامح الإنساني وفقدانها – وكأن هناك ترابطًا وثيقًا وعلاقة جدلية لا تنفصم عراها بين الحضارة والفلسفة.

وللفلسفة، على ما يبدو، خاصية خطيرة أيضًا، هي القدرة الفائقة على التكيف والتخلص والتسرب، كما هو العقل والفكر وكما هي الثقافة عمومًا؛ وهي خاصية وميزة الحرية وعدم الخضوع لشروط الزمان والمكان. يحلو للدكتور زيناتي تشبيه الفلسفة بطائر الفينيق الذي ما أن يُظَن أنه فَنِيَ وزال حتى ينبعث مجددًا من بين الرماد والحرائق بأقوى وأنشط مما كان. فما كادت مشاعل الفلسفة أن تخبو في المشرق العربي وتصبح مطارَدة غير مرغوب فيها وعرضة للملاحقة والزجر، حتى وجدت أرضًا خصبة في الجانب الغربي من الدولة العربية، وعلى تخوم الغرب اللاتيني، في مدن الأندلس وحواضرها، مع ابن تومرت وابن طفيل وابن باجة، ومع فيلسوف العقل وحرية الفكر أبي الوليد بن رشد. لكنها لم تؤتِ ثمارها المرجوة لأن غيوم العاصفة السوداء التي ضربت المشرق لم تتأخر في الوصول إلى هناك. ولم يكن من شأن النهضة العلمية والثقافية العظيمة التي شهدتْها الدولة العربية في جناحها الغربي أن تمنع حالة الانحدار الحضاري الذي ينخر جسم الإمبراطورية العربية، بعدما فُقِدَتْ الآليات والديناميات والحوافز والأبعاد الحضارية الأولى:

وجدت [الفلسفة] عند العرب ملاذًا وقصرًا فخمًا سكنتْه مكرَّمة مبجَّلة لأكثر من خمسة قرون طوال. ولكنها، مع حَرْقِ كتب ابن رشد، هربتْ هلعة فزعة، وتركتْنا لمصيرنا الشريد، وكأن الدخان المتصاعد من حَرْقِ مصنفات ابن رشد كان يؤذن بنهاية حضارة كانت أجمل حضارات عصرها، حين كانت تحتضن كلَّ العلوم التي كان الآخرون يخشونها، ويفزعون حتى من الاقتراب منها. إذ لم تمضِ سوى عقود قليلة حتى سقطت عاصمتا الحضارة العربية في أقصى الغرب وفي أقصى الشرق. (ص 335)

في مسير الفلسفة نحو الغرب سيشهد زيناتي لأغرب مغامرة وأعظم جولة وأفظع تيه للفلسفة، للإنسان، للعقل، للعلم، للتقنية؛ وهي مغامرة مازلنا نشهد تسارُع فصولها حتى اليوم. لم تدخل الفلسفة نحو الغرب بيسر وسهولة، بل كان لها أيضًا شهداؤها ومناضلوها وأحداثها التأسيسية. وقد دخلت من بوابة تحرير العقل وإعطائه كامل أبعاده وإمكانياته، ومن منطلق الإنسان وحقوقه وانعتاقه من كلِّ عبودية ممكنة، وفتح الآفاق الكاملة نحو الحرية والعدالة والمساواة الإنسانية الشاملة. وفي عبورها، المتعثر حينًا والمظفَّر أحيانًا، أطلقت العنان لأبنائها من العلوم في السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لمصلحة الإنسان وخيره وسعادته، ولم يخطر ببال الممسكين بزمام العلوم، المأخوذين بنشوة الانتصارات والاكتشافات الثورية المذهلة، ولا خَطَرَ ببال أعلامها الأوائل، المدهوشين بالفتوحات القارية للعلوم، أن يأتي يوم يتمرَّد فيه الأبناءُ على الأمِّ التي أمَّنت رعايتهم، أو أن تصير حالُها معهم كحال الساحر الذي أطلق الكثير من العفاريت من جبَّته حتى أضحى عاجزًا عن السيطرة عليها. فتصير الفلسفة، وقد تخلَّى عنها الأبناءُ وحاربوها بأدواتها: العقل والعلم التجريبي النافع، مهيضة الجناح تلهث على تخوم العلوم وعلى بوابات أسوارها الحصينة، متسلِّحة بشكوكها، تطرق بعلامات استفهامها، مخفية ميتافيزيقاها حتى لا تُتَّهم بالإفلاس. لكنها لا تيأس ولا تفقد الأمل، ولا تنفك تتحسَّس باطن الإنسان وروحه العميقة، وظاهر ما يطرأ عليه من تبدلات وتحولات، ومن استلاب واغتراب، ومن استغلال وعبوديات مستحدَثة، ومن مصادرات وانتهاكات لحريته وحقوقه، حتى باتت تمثل الديموقراطية بأفصح تعبيراتها ومعانيها.

ثلاثة إذلالات

في رحلته التغريبية مع الفلسفة يسجل زيناتي ثلاثة إذلالات أصابت كبرياء الإنسان وغروره بنفسه؛ وقد نبتت جميعًا من حقول العلوم، ونَمَتْ في مناخ البحث العلمي التجريبي الجديد، والعقلانية الموضوعية والوضعية: الثورة الكوبرنيكية، والتطورية الداروِنية، والتحليلية النفسية الفرويدية. وهو يتحفَّظ على الأصوات التي عَلَتْ منذ ما يقرب العقد من السنين مع ف. فوكوياما معلنة نهاية التاريخ والانتصار الأخير للِّيبرالية الاقتصادية، وعلى تلك التي تتنبأ بـ"صِدام" الحضارات والثقافات مع ص. هانتنغتون، ليعلن أن المسألة تكمن في فضيحة إنسانية مدوِّية، تذل العالم المعاصر وتحط من مصداقيته، بما يتمتع به من قدرات اقتصادية وتكنولوجية ومعلوماتية، ومن ثروات خيالية وتخمة مميتة لدى بعضه؛ ومع ذلك، يقبل هذا العالم التعايش "مع وجود مليار من البشر تهدِّدهم المجاعة مع إشراقة شمس كلِّ يوم، ومع وجود ملايين من المُبعَدين والمهمَّشين داخل مجتمعاتهم الغنية" (ص 339).

ومع أننا نأمل، مع الأستاذ زيناتي، في بزوغ نور لإنسانية جديدة، يسودها قدرٌ كبير من العدالة، وتنطفئ فيها الصراعاتُ الإثنية والعرقية والدينية والاقتصادية، إلا أننا نرتاب من أن يكون الإذلال الرابع القادم للإنسان قد صار وشيكًا. فما الذي لم تُعلَن نهاياته بعد: الإنسان؟ العقل؟ الحضارة؟ التاريخ؟ الطبيعة؟ الإله؟ القيم؟ الإيديولوجيا؟ أم مؤسَّسة الزواج والأسرة؟ لقد تمَّت تلك النهايات والإذلالات كلها باسم العلم وتحت رايته، ولم يبقَ للإنسانية من مرجع أخير سواه.

*** *** ***


* جورج زيناتي، الفلسفة في مسارها، دار الأحوال والأزمنة، 2002.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود