الصفحة السابقة             الصفحة التالية

غاندي المتمرد 11: على طريق العودة

 

جان-ماري مولِّر

 

بتاريخ 5 كانون الأول/ديسمبر 1931، غادرَ غاندي لندنَ صباحًا ووصلَ إلى باريسَ الساعةَ الرابعة وعشرين دقيقة بعد الظهر عبْـرَ فولكستون Folkestone وبولوني-سور-مير Boulogne-sur-Mer. وقد نقلَتْ صحيفةُ لوسوار في عددها الصادر بتاريخ 7 كانون الأول/ديسمبر أنَّ

وصول غاندي إلى غار دو نور la gare du Nord [مركز انطلاق شمال باريس أو محطة باريس-الشمال] قد اتَّخذَ من حيث الابتهاجُ والإجلالُ طابعَ عيدٍ سياسي وديني في آن واحد لدى الهندوسِ في باريس. فتجمَّعَ على الرصيف في فرح صاخب ممثِّلو الجمعيات الهندية في باريس. وكان هناك عناصر هائلة من شرطة النظام يصدُّون هذه الحشودَ التي كانت بالمقابل تصطفُّ بوقار وذلك عندما نزلَ غاندي من عربة قطاره من الدرجة الثانية.

ثم أخذ سيارة أجرة للذهاب إلى [الدائرة] 166، بولـﭭـار [حي] مونـﭙـارناس Montparnasse حيث استضافتْها السيدة لويز غييس Louise Guieysse. وفي المساء، ألقى في قاعة سينما ماجيك-سيتي Magic-City محاضرةً حضرها زُهاءُ ألفي شخص. يروي دانييل غيران Daniel Guérin بهذا الشأن ما يلي: "اعتلى غاندي المنصَّةَ وسطَ طقطقات المغنيزيوم وومضاته وبدأ بالإنكليزية يُخَنْخِنُ قليلاً مردِّدًا إلقاءً رتيبًا وطويلاً وهو واقفٌ مُكِبٌّ على الميكروفون بدون أنْ يأتيَ بأية حركة وبدون مظاهرَ خطابيةٍ وبدون أنْ ترتعشَ له عضلةٌ في وجهه[1]." وبعد أنْ أتى غاندي على ذِكْر زيارته الأولى التي قام بها إلى باريس بمناسبة المعرض الدولي لعام 1889، صرَّح غاندي بصورة خاصة ما يلي:

منذ ذلك الوقت، وبمقدار ما تسمح ليَ الظروفُ، بقيتُ على اطِّلاع على مجريات الأمور في بلادكم. إنني قارئ لروسو وﭭـولتير. وحاولتُ أنْ أفهم جزئيًا ثورتَكم العظيمة.

لكنكم قادرون، إذا أردتم ذلك، على توجيه رسالة للعالَم أعظم بكثير من الرسالة التي قدَّمَها أجدادُكم. لأنه يبدو لي أنَّ العالَم قد تعبَ من الحروب الدموية. لقد تعبَ العالَمُ من الكذب والنفاق والخداع، وهي نتائج أكيدة للطرق الحربية. وبدأ العالَمُ يدرك النتائجَ الاقتصادية الكارثية للحروب. إنني مقتنع بأنَّ الأزمة الاقتصادية التي تُمزِّق جميعَ البلاد، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية الكبرى، هي النتيجة المباشرة للحرب العالمية التي أدَّى بنا ضياعُنا إلى تسميتها بالحرب الكبرى Grande Guerre.

وهكذا يبدو لي أنَّ كفاح الهند من أجل استقلالها هو حدثٌ ذو بُعدٍ دولي ينبغي عليكم من أجله، رجالاً ونساءً في باريس، أنْ تهتمُّوا به اهتمامًا مباشرًا.

إنَّ هذه الأُمَّـةَ التي يبلغ عددُها 350 مليونَ نسَمة، مشَكِّلةً بذلك خُمْسَ تعداد البشرية، تسعى للحصول على حريتها بطرق شريفة ومجرَّدة من العنف.

فالكذبُ والنفاقُ والخداعُ لا تمتُّ بِصِلةٍ إلى الطرق التي نحاول استخدامَها في بلاد الهند للحصول على حريتنا. فكلُّ شيءٍ يتمُّ علنًا. الحقيقةُ تكره الكتمانَ. فكلَّما كنتم منفتحين أكثر كنتم حقيقيين أكثر. في قاموس إنسانٍ يجعلُ الحقيقةَ واللاعنفَ أساسَ حياتِه، ما مِن مكانٍ لكلمتَي الخوف واليأس.

لكنني أرجوكم ألاَّ تنجرُّوا وراء هذه الفكرةِ القائلةِ بأنَّ حركتنا هي حركة سلبية بأي شكل من الأشكال. إنها حركةٌ فعَّالة بصورة أساسية وأكثرُ فعاليةً من أية حركة تقوم على استخدام الأسلحة الفتَّاكة.

الحقيقةُ واللاعنف ربما هما أكثر القوى فعاليةً في العالَم. (...)

ما قمْتُ به ليس سوى إعطاء نظرة موجزة لكم عن الطرائق التي نستخدمها، وهي طرائق ومشاعر تغلغلَت في أعماق طبقات جماهير الفلاحين في الهند. لا أعرف في تاريخ العالَم منذ أكثر من مئة عام حركةً شاركَ فيها مثلُ هذا العدد الكبير من عامة الناس الأميين البسطاء.

الجنس البشري هو جنسٌ عابد للأصنام بصورة أساسية. وأعني بهذه الكلمة أننا نحتاج إلى إظهارٍ مرئيٍّ لمعتقداتنا. فننتظر بفارغ الصبر ظهورَ معجزات. إذا امتدَّت واتَّسعَت الحركةُ التي تجري في الهند على نطاق واسع فإنها ستقدِّم للعالَم المعجزةَ التي ينتظرها والبرهانَ الملموسَ عليها. وسيُـقْـبِلُ العالَمُ أجمعُ على هذين المبدأين العظيمين المتمثِّـلَينِ في الحقيقة واللاعنف اللذَينِ هما رُكْنا التقدُّم الإنساني.

عندما جرَت العامَ الماضي المسيرةُ الكبرى من أجل المِلْح، شاركَتْ الجماهيرُ الهنديةُ مشاركةً رائعةً غيرَ متوقَّعةٍ في هذا الحدث.

ثم أجاب غاندي على بعض الأسئلة المكتوبة. ويشير دانييل غيران إلى أنَّ

غاندي، في خلال هذا الاستجواب المطوَّل، لمْ يؤخذْ في أية لحظةٍ على غِرَّةٍ منه. يبدو أنه كان يعرف مسبقًا، منذ الأزل، الأسئلةَ المطروحة. كان يمتلك جوابًا على كل شيء، وهو الذي كان دائمًا رابطَ الجأش هادئًا منظَّمًا يمتلك سلطةَ قائدٍ وفطنةً أيضًا وحدَّةَ ذهنِ فلاَّحٍ داهية.

-        قدَّمَ المهاتما رسالةً إلى الهند. ألا يفكِّر بتقديم رسالة إلى جميع شعوب الأرض؟ وكيف يرى إمكانيةَ تقديم مثل هذه الرسالة وتلَقِّيها خارجَ الهند؟

-        يبدو لي أنني قد أجبْتُ أصلاً على هذا السؤال إجابةً مسبقة. فالطرائقُ التي تكلَّمْتُ عنها يطبِّـقُها شعبٌ يمثِّلُ خُمْسَ البشرية. وهي قابلةٌ للتطبيق تطبيقًا عامًا من حيث أنها عامة وقابلة للتطبيق على مجمل البشر.

-        أتعتقدون أنَّ طرائق اللاتعاون يمكن تطبيقُها في الغرب، وخاصةً في حالة التعبئة والحرب؟

-        جوابي هو أنَّ الطرائق اللاعنفية في اللاتعاون قابلةٌ بلا ريب للتطبيق في الغرب كما في الشرق. اللاتعاون يعني: الامتناع عن الانضمام إلى قوى الشر. عندما يصل رجلٌ أو امرأةٌ إلى قناعة راسخة بأنَّ حدثًا ما أو فعلاً ما يرتبط بمبدأ الشر فإنَّ مِن الواجب المقدَّس على هذا الرجل أو تلك المرأة أنْ ينفصلَ عن هذا الفعل.

-        في حالة الحرب، هل يجب أنْ يدَعَ المرءُ نفسَه يُقتَلُ بالرصاص بدلاً من أنْ يحملَ هو السلاحَ، أم يكفي، كما فعلْتُ حتى الآن، إطلاقُ النار في الهواء؟

-        إذا تعهَّدَ جنديٌّ يحملُ أسلحةً خارجيةً بالتضحية بحياته لقتل أعدائه فكم حرِيٌّ برجُلٍ اختار اللاعنفَ أنْ يضحِّيَ بحياته لكي لا يَقتلَ إنسانًا مثله. في بلد كفرنسا تُطبَّقُ فيه الخدمةُ العسكرية الإلزامية يمكن لجوابي أنْ تكونَ له رائحةُ خيانة عظمى. وبما أنني ضيفٌ أَنعمُ بضيافة مدَنيَّـتُكم العظيمة لمدة ليلة واحدة فيمكن اعتبارُ أنَّ مِن الحكمةِ والحصافة من جهتي ألاَّ أجيبَ على هذا السؤال. ولكنْ أليس مكتوبًا على مداخل مبانيكم وفي أروقة محاكمكم: حرية، مساواة، أُخُوَّة؟ وجِّهوا لحكومتكم تحيةً لأنها إلى الآن لم تُـلْغِ حريةَ الكلام.

في حالة الحرب، هل يمكن الاكتفاءُ بإطلاق النار في الهواء؟ جوابي هو قطعاً لا. لأنكم إذا تجنَّبْتم بذلك نتائجَ رفضِ قتلِ أمثالكم فلا يكون لديكم موقف ولا تكونون مخلصين لمثلكم الأعلى.

-        هل بقيَتْ فُرَصٌ للتوصل إلى تسوية سِلْمية للمشكلة الهندوسية، وهو ما لا يعتقده البعضُ؟

-        مازال هناك فُرَصٌ لتسوية سِلْمية. وبصفتي رجُـلٌ وضعَ كلَّ إيمانه في اللاعنف والحقيقة فإنني لا أستطيع أنْ أمنعَ نفسيَ من الاعتقاد أيضًا بأنَّ هناك فُرَصًا لتسوية سِلْمية تمامًا في العلاقات الإنكليزية الهندية.

فإذا بدا أنني تركْتُ الآن إنكلترا صِفْرَ اليدين فهذا لا يعني زوالَ كل أمل في الحل السِّلْمي. على العكس من ذلك، فسيكون هذا حافزًا جديدًا لبلادنا لكي تُلامِسَ من خلال آلام جديدة وتضحيات جديدة قلْبَ إنكلترا وتَهديَه. لم يكنْ أبدًا هدفُ معركة الحقيقة واللاعنف تدميرَ الخصم بل هدايتُه.

-        هل مِن الممكنِ أنْ يكونَ للهند المستقلة جيشُها المسلَّح؟

-        لو أصبحَت الهند حرةً في طرفة عين فإنني أخشى ألاَّ تكونَ متدرِّبةً بعدُ تدريبًا كافيًا على طرائق اللاعنف حتى تستغنيَ عن الجيش بين عشية وضحاها.

لكنني مقتنع بأنه إذا حصلَت الهندُ على حريتها باللاعنف فلن تعودَ الهندُ المحرَّرةُ في حاجة إلى جيش.

-        ما رأيُ المهاتما في موقف الكنائس المسيحية من مشكلة الحرب؟

-        نظرًا لأنني غريب عن الكنائس المسيحية فلا يمكن إلاَّ أنْ يكونَ رأيي خارجيًا. أرى أنَّ موقفها هو... بالأحرى خجول (ضحك).

-        لماذا تخلَّيتُم عن اللباس الأوروبي بعد أنء لبستموه سنواتٍ طويلةً؟

-        لأنه يستحيل علَيَّ أنْ أتآلفَ تمامًا، بصورة وثيقة، مع الجماهير من أبناء بلدي البسطاء فيما لو لبستُ ملابسَ أوروبية؛ ولأنَّ هذه الملابس أيضًا غير مناسبة تمامًا لطقس الهند.

عرضَت الفيغارو في الصفحة الأولى من عددها الصادر بتاريخ 6 كانون الأول/ديسمبر 1931 بكلماتٍ ظريفةٍ المحاضرةَ التي ألقاها غاندي عشيةَ البارحة: كتبَ غايتان سانـﭭوازان Gaëtan Sanvoisin:

كوميدي يعرف مهنتَه جيدًا، هذا هو الانطباع الذي يعطيه غاندي. البعضُ يريده صريحًا. ربما! على كلِّ حالٍ، الأقوالُ التي قالها البطلُ على الملأ مازالت خطيرةً، وهذا ما يجب على الجمهور الفرنسي معرفتُه، لأنه لا يبدو أنَّ المنظَّماتِ التي بادرَت بالمظاهرة مساءَ البارحة مختلفةٌ عن المنظمات التي تساهم بالطبع في الترويج للقضايا المعارِضة للفرنسيين. دُّخَلاءُ السِّلْمية وفِرَقُها المتنقِّلة، التي يسهل جدًا التعرُّف عليها، هؤلاء هم جمهورُ الحضور. (...)

عندما ندرك ما في روسو وتولستوي من قديم عفا عليه الزمنُ ومن مهجورٍ وسامٍّ، نتحصَّنُ ضدَّ فصاحة غاندي. وخلال ساعة ونصف بالضبط، وهو لابسٌ معطفَه الأبيضَ، منتعلٌ خُفَّـينِ sandales، يرصف الأفكارَ المبتذلةَ الأكثرَ إثارة للضحك (...)، والتي يُعبِّر عنها بلهجة حازمة؛ فينصح صراحةً برفض الطاعة في حالة الحرب (...). ترون النبرةَ والشكلَ، يكادان يقتربان من النبوءات وكلام الانتخابات المعسول. (...)

وبعد بضعة أيام، قال غاندي لرومان رولاَّن: "ما قلْتُه في باريسَ حُرِّفَ [في الصحف]؛ فقد كتبوا أشياء وضيعةً في صحيفة الفيغارو[2]." مع ذلك، ليست هذه الصحيفةُ هي وحدَها التي قدَّمَت غاندي كشخصية مضحكة وهزلية. فبتاريخ 6 كانون الأول/ديسمبر 1931، نشرَت صحيفةُ إيكو دو باري l'Écho de Paris [صدى باريس] مقالاً بعنوان: «سابقة في [سينما] ماجيك سيتي: المهاتما غاندي يَظهَر مُضحِكًا إلى حد كبير»: كتب جورج سواريز Georges Suarez:

لا يمكن القولُ بأنَّ المهاتما يمتلك بالتحديد شعرة الانتصار poil vainqueur. يبدو مرهَقًا بنصفِ عُرْيِه الذي يُرثى له. ألبسوه صفاتٍ خاصةً بالثياب وشبيهةً بالتي تصِفُ لعوامِّ الناسِ المُسَحاءَ [المُخَلِّصين] messies أو الفاتحين؛ ولكنْ إذا كان نَعْلاه هما نَعْلا [النبي] مُحمَّد فإنَّ ثوبَه الصغير الخاص بالاستحمام لا يُذَكِّر بلباسِ المراسمِ [رُدَنْغُوتِ] redingote في قريةِ ﭭـاغرام Wagram [شمال ﭭيينا]؛ كان يمسك بيده عصًا تُذَكِّر بعصيِّ رُقباء المدينة الذين يُنظِّمون السيرَ؛ وكانت نظَّارتُه تبدو لكم إلى حد ما أنيقةً وبرجوازيةً تُحْيي ذكرى النظَّارات التي كان يستخدمها السيد تيير Thiers لكي يُقَرِّبَ إليه أفخاذَ الراقصات في الأوبرا. (...)

يتباهى المهاتما، في مَعْرِض حديثه، بأنه يَعرِف روسو وﭭـولتير – مثل [شخصية] ﮔـاﭭـروش Gavroche [في رواية البؤساء [البائسين] Les misérables] – لكنه لم يركِّزْ كثيرًا على الفائدة التي يجنيها من هذه المعَارف. ويَذْكر مقطعًا [شعريًا] صغيرًا ليُـندِّدَ بالحرب ويُشيْدَ بما أطلقَ عليه مترجمُه، وبافتتان كبير يتزايد، اسمَ اللاعنف، وأخيرًا ليستنهضَ إرادةَ رجال باريسَ ونسائها... (...)

نرى أنَّ الفضيحةَ لا تُرَوِّع فقيرَنا الدرويش fakir هذا؛ ألمْ يكُ نجمًا؟ ويَعرِف العاداتِ التي أدخلَـتْها أمريكا إلى أوروبا معرفةً تُمَكِّـنُه من أنْ يأخذَ على نفسه واجبَ الاضطلاع بدَوره بصورة لائقة وألاَّ يُخيِّبَ آمالَ متعهِّد أعماله الفنية التي عقَدها عليه. يقول بعضَ التفاهات المبهمة عن الصراع الإنكليزي الهندوسي وتسقط الستارةُ على الفقير الدرويش.

بتاريخ 5 كانون الأول/ديسمبر، أعلَنت صحيفةُ الأومانيتيه L'Humanité أنَّ غاندي «يظهر في قاعة باريسية». وبتاريخ 7 كانون الأول/ديسمبر، عرضَت الجريدةُ الشيوعيةُ هذا «الظهورَ» في مقال بعنوان: «أمام خُلَصائه، يروي الخائنُ غاندي خُزَعْبلاتٍ»:

مساءَ السبت، كان الأوفياءُ لغاندي ومحبُّو المشهد الدعائي على موعد في سينما ماجيك-سيتي حيث يظهَرَ المهاتما.

لقد حرَصَ كثيرٌ من المتَـفَيْهِقِينَ المتصنِّعين snobs [المتشبِّهين بالأكابر] والمتصنِّعات snobinettes والغرباءِ rastas [المؤْمنين بالعودة إلى ثقافة أفريقيا وموسيقا الريغِّي reggae] الذين كانوا يتشاجرون على أماكن الجلوس فيها حرصوا حرصًا شديدًا على إبعاد العمال الثوريين عن الجمهور الغفير من الحضور.

خلال ساعةٍ روى غاندي حماقاتِه الفظيعةَ. فأشادَ باللاعنف وأوضحَ أنه إذا نجحَت حركةُ اللاعنف فستقدِّمُ للعالَم مفهومَ المعجزة [هكذا]. (...)

ما كان هذا الظهورُ يستحقُّ الذِّكْرَ لولا أنه كان يخفي أفظعَ احتيال سياسي.

لقد خان غاندي قضيةَ الشعب الهندوسي. فقد نادى هو نفسُه بإنهاء التمرُّد على إنكلترا. (...)

وقد هتفَ لغاندي المتصنِّعون snobs في العاصمة. وأعدَّ له عمالُ بومباي الاستقبالَ الذي يستحقُّه عند عودته.

كان من بين الحضور في سينما ماجيك سيتي رجُلٌ أبعد ما يكون عن المتصنِّعين ولكنه مع ذلك يخفي بين ضلوعه أشدَّ الإعجاب بغاندي: إنه لويس ماسينيون الذي كان قد التقى قبلَ وقتٍ بغاندي في شقَّة السيدة غييس. يقول: "هذه المحادثة مع غاندي أثارت اهتمامي كثيراً[3]." تشير كاميليا دروﭭـيه Camille Drevet إلى ما يلي: "المقابلة قصيرة، ولكنَّ ماسينيون تأثَّرَ تأثُّرًا شديدًا بهدوء غاندي وبكلامه الواضح والبسيط[4]."

في الحقيقة، لا يعود تاريخُ اهتمام ماسينيون بغاندي إلى هذا اللقاء. ففي سنة 1921، حينما كان أستاذًا لعِلْم الاجتماع الإسلامي في جامعة باريس، التقى بقائدَين مسلمَينِ هنديَّينِ كانا قد أعطياه نصَّ التزام غاندي ورفاقِه في مواجهة مشاريع قانون رولات[5] عن طريق المقاومة المدنية اللاعنفية. كتبَ لويس ماسينيون يقول:

هذا النص الذي مرَّ عليه وقتَئذٍ سنتان (28 شباط/فبراير 1919) أثَّرَ فيَّ كثيرًا إلى درجة أنني نشرْتُه، بكامله، مرفقًا بتعليق لغاندي، في مجلة العالَم الإسلامي Revue du monde musulmane (نيسان/أبريل – حزيران/يونيو 1921). (...) وكمؤرِّخ مفتونٍ بالفلسفة التاريخية، وكعالِم اجتماع ملتزم في التحقيقات الاجتماعية، كان ذلك الأمرُ اكتشافًا. كان فكرُ غاندي يبدو لي فِكْرَ عدالةٍ، لكنه حيٌّ، ورغبةً متأجِّجةً في التطهُّر وتطهيرِ الآخرين من خلال الانخراط في العمل؛ كان فكرُه يخترق، عاريًا عُرْيَ ناسك، أوحالَ عالَمٍ من الخطيئة والقذارة. كان مستقيمًا إلى درجة أنه ما من فخٍّ يمكنه أنْ يَحرِفَه عن سواء السبيل. لأنَّ ذلك كان نَذْرًا، مقيمًا المقدَّسَ، بحفاظِه على وعده، بدون قطع رباط الضيافة الجماعية[6].

وهكذا كان ماسينيون أولَ من نشرَ نصًا عن غاندي في مجلة فرنسية*.

إحدى وكالات الأنباء شوَّهَت بالكامل حديثَ غاندي في باريس حيثُ نسبَتْ إليه عكْسَ ما صرَّحَ به تمامًا. وقد أخذَ عنها في وقت واحدٍ الصحيفةُ البلجيكيةُ لوسوار والجريدةُ السويسرية غازيت دو لوزان Gazette de Lausanne [جريدة لوزان] في عددَيهما الصادرَينِ بتاريخ 7 كانون الأول/ديسمبر:

لقد تكلَّمَ غاندي مساءَ السبت أمام جمٍّ غفير من الحضور. وبعدَ أنْ قام بتعريف سياسة أبناء بلده اللاعنفية، صرَّحَ، مجيبًا على إحدى الأسئلة المكتوبة، بأنَّ هذه الطرائقَ يمكن تطبيقُها أيضًا في أوروبا في حالة الحرب، ناصحًا حضورَه بالدخول في الجندية، ولكنْ بإطلاق النار في الهواء.

وبتاريخ 6 كانون الأول/ديسمبر 1931، وصلَ غاندي إلى سويسرا حيث التقى رومان رولاَّن الذي كان أولَ من عرَّفَ فرنسا بفكر غاندي وعملِه من خلال نشرِه، ابتداءً من عام 1924، كتابًا بعنوان: Mahatma Gandhi [المهاتما غاندي]. كان الكاتبُ الفرنسيُّ يؤكِّد في آخر حكايته أنه يشاطرُ غاندي في إيمانه باللاعنف:

يستهزئ الواقعيون السياسيون المؤيدون للعنفِ Realpolitiker (الثوريون أو الرجعيون) من هذا الإيمان؛ فيُظهِرون بذلك تكبُّرَهم على الحقائق العميقة. فليستهزئوا! فلديَّ أنا هذا الإيمان. أراه محطَّ سخرية أو اضطهاد في أوروبا؛ ونحن حفنة قليلة في بلادي... (وهل يصل عددنا حتى إلى حفنة؟...) ولكنْ حتى إذا كنتُ أنا وحدي الذي أؤمن بذلك، فماذا يهمُّني؟ ميزة الإيمان – بعيدًا عن إنكار عدوانية العالَم – تكمن في رؤيتها والإيمان، - رغمًا عنها: وهذا أفضل! لأنَّ الإيمان هو معركة. ولاعنفُنا هو أصعب معركة. طريقُ السلام ليس طريقَ الضعف. فعداؤنا للعنف أقلَّ من عدائنا للضعف. لا قيمةَ لشيء بدون القوة: لا الشر ولا الخير. إنَّ شرًا متينًا أفضل من خيرٍ خَرِعٍ ضعيف. فالسِّلْميةُ المتأوِّهة تقتلُ السلامَ: إنها جبنٌ وقلةُ إيمان. فلينسحبِ الذين لا يؤمنون أو الذين يخافون! طريقُ السلام هو بذْلُ الذات[7].

لقد قام رومان رولاَّن باستقبال غاندي في منزله بتأثُّر كبير. كتبَ الكاتبُ الفرنسيُّ في صحيفته يقول:

على عتبة دارة [ﭭـيلاَّ] ليونيت Lionette حيث أنتظر في الغياهب الرطبة التي تشحُّ عليها مصابيحُنا الكهربائيةُ بالإنارة، أرى الرجلَ القصيرَ يأتي لابسًا بُرْنُسَه الأبيضَ، حاسرَ الرأس تحت المطر الضعيف، عاري الساقين، كعكَّازتين رفيعتين، واضعًا نظَّاراتٍ، يضحك بلا أسنان – (يشدُّ على ضحكته كلما جاء يراني؛ وكأنَّ ذلك تحية ترحيب) – يقوم بحركة الاحترام الهندية: يضمُّ كفَّيه إلى بعضهما ويرفعهما إلى مستوى الفم. ثم يضع خدَّه على كتفي وهو يلفُّني بذراعه اليمنى؛ فيصبحُ رأسُه الأشمطُ [الأشيب] مقابلَ خدِّي، كانت جمجمتُه محلوقةً ذات شَعر قاسٍ ورطب. إنها قُبلةُ القدِّيس دومينيك والقدِّيس فرانسوا[8].

وصادفَ اليومُ التالي يومَ الاثنين، إذْ كان «يومَ الصمت» عند غاندي. فكان إذًا على رومان رولاَّن أنْ يتكلَّمَ وحدَه وكان غاندي يُنصتُ إلى ترجمة أقواله التي قامت بها إلى الإنكليزية أختُ الكاتب. وفي يوم الثلاثاء بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر، عند الساعة 9.30 صباحًا، أجاب غاندي مضيفَه قائلاً:

عندما كنتُ أستمع البارحةَ إلى ما قلتموه لي، كنتُ أفكِّر: كيف نتصرَّف؟ (...) فالمشاكلُ التي وضعتموها بين يديَّ رهيبة. فبينما يعمل اللاعنفُ وسيعملُ بصورة فعَّالة في الهند، يمكن أنْ يُخفِقَ في أوروبا. غيْرَ أنَّ ذلك لا يضايقني. أؤمن بأنَّ اللاعنف يُطبَّق عالميًا. لكنني لا أعتقد بأنني قادر على تقديم هذه الرسالة لأوروبا. (...) مازلتُ أؤمن بأنَّ اللاعنف، وحدَه، يمكنه أنْ ينقذَ أوروبا. وإلاَّ سيكونُ الهلاكُ. إنَّ ما يجري في روسيا هو لغزٌ. لم أتطرَّقْ كثيرًا إلى الكلام عن روسيا، لكنْ لديَّ شكوك عميقة بالنجاح النهائي لتجربتها. يبدو لي أنَّ ذلك تحَـدٍّ للاعنف. يبدو أنَّ ذلك ينجح، لكنْ وراء هذا النجاح تكمن القوةُ (العنف). لستُ أدري كم من الوقت ستظلُّ هذه القوةُ حقيقيةً لكي تمسكَ بالمجتمع في هذا الممر الضيِّق. إذا كان الهنود تحت السيطرة الروسية فسينجَرُّون إلى أقصى درجات التعصُّب. وتكون النتيجة أنْ يصبحوا تحت نظام إرهابي. إنني أنظر إلى هذه التجربة بحذر وقلق. (...) وبعد أنْ رأيتُ ما رأيتُ من أوروبا، فإنني أعتقد أنَّ أوروبا لا يمكنها التهرُّبُ من اللاعنف. لحسن الحظ، لا يلزم وجودُ تنظيم كبير. لا يلزم إلاَّ رجلٌ يكون هو الإيمان ويتجسَّد اللاعنفُ. ومادام أنَّ هذا الرجل لم يَظهَرْ بعدُ فلا بدَّ من الانتظار والتأمُّل وتهيئة الجو[9].

يسأل رومان رولاَّن بإلحاح: "إذًا، ما هو الشكل الذي ينبغي أنْ يتَّخذَه اللاعنفُ في أوروبا؟" ويجيبه غاندي:

أجبْتُ في باريسَ على سؤال من هذا القبيل... العالَم عابد صنم حقًا! ولا يمكن للمسيحية أنْ تستغنيَ عن الأصنام! يلزمها أنْ ترى وتلمسَ وتحسَّ بإحدى حواسها الخمس. يلزمها برهان مرئي عن اللاعنف وعن نجاحه، وذلك قبل أنْ تُقرِّرَ... هذا البرهانُ تُقدِّمه الهندُ. فإذا نجحَت فسيصبح كلُّ شيء سهلاً. أؤمن بأنه لن يلزمَ عشرون سنةً لأجل ذلك. إذا وصلَت الهندُ إلى الحرية الحقيقية فسيحصل العالَم على البرهان الذي يريد وأعتقد أنَّ جميع الأوروبيين سيرون أنَّ ذلك سهل. وستُجبَر إنكلترا على التصرُّف كما ينبغي عليها أنْ تتصرَّفَ. ولكنْ إذا اندلعَ العنفُ في الهند، أو أنْ يكونَ هناك صِداماتٌ بين المسلمين والهندوس، وأنْ يُلقيَ ذلك كلَّ شيء في الفوضى – فلديَّ عزائي وإيماني. حتى الآن، لم يُعطِ اللاعنفُ إلاَّ نتائجَ حسنةً. بلا أدنى شك، لقد تأثَّرَ الرأيُ العام الإنكليزي به (بدرجة مازالت غيرَ كافية!). يمكن للجميع أنْ يروا أنه لولا وجود اللاعنف لما جرى مؤتمرُ الطاولة المستديرة. لم تحصل النتيجةُ المرجوَّة، لكنَّ النتائج غير المباشرة كثيرةٌ جدًا؛ وعندما نجتازُ اختبارَ إطلاق النار واختبارَ المعاناة فسيكون الأمرُ سهلاً جدًا. ربما أكون مخطئًا. ولكنني حتى إذا لم أنجحْ فلنَ أفقدَ إيماني، وسأكرِّس نفسي لتطهير العدد القليل من الناس الذين أخلصوا لي[10].

في عصر يوم الثامن من شهر كانون الأول/ديسمبر، التقى غاندي في لوزان ﭙـييرَ سيريزول Pierre Cérésole الذي كان قد أنشأَ في سَنة 1920 الخدمةَ المدنية الدولية Service civil international (SCI) بهدف أنْ «توضَع في خدمة السلام القوى المدهشةُ التي أفسدَتْها حتى الآن الحربُ والتحضيراتُ للحرب[11]». كما شارك عدةُ مسؤولين من الخدمةَ المدنية الدولية في هذا الاجتماع. وقد تناولَ اللقاءُ مع غاندي بصورة رئيسية اعتراضَ الضمير. وقد أكَّدَ غاندي لمُحاوريه أنَّ

مجرَّد رفْض الخدمة العسكرية لا يكفي. فرفْضُ الخدمة العسكرية عندما يحين وقتُ ذلك يعني التصرُّفَ بعد أنْ يكونَ كلُّ الوقت لمحاربة الشر قد مضى فعليًا. الخدمةُ العسكرية ليست إلاَّ عرَضًا من أعراض مرض أعمق. وجميعُ الذين لم ينخرطوا في الخدمة العسكرية مشاركون أيضًا في الجريمة إذا دعموا الدولةَ بطريقة أخرى. وأيُّ شخص، رجلاً كان أو امرأة، يدعم – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – دولةً عسكريةَ التنظيم إنما يشارك في الخطيئة. وكلُّ إنسان، مُسِنَّـًا كان أو شابًا، يشارك في الخطيئة إذا ساهم في دعم الدولة بدفع الضرائب. ولذلك قلْتُ خلال الحرب أنه مادمتُ أنني كنتُ آكلُ القمحَ المدعوم من الجيش، وبينما أقوم بجميع الواجبات الأخرى للدولة خارجَ كوني جنديًا، – فمِن الأفضل لي أنْ أتطوَّعَ في الجيش وأُقتَـلَ... ولذلك فإنَّ جميع الذين يرغبون في إلغاء الخدمة العسكرية يجب عليهم أنْ يقوموا بذلك من خلال إيقاف أي تعاون مع الدولة. فرفْضُ الخدمة العسكرية سطحيٌّ جدًا مقارنةً باللاتعاون مع كلِّ النظام الذي يدعم الدولةَ. ولكنْ ستصبح المعارضةُ عندئذٍ شديدةً وحقيقيةً إلى درجة أنكم ستتعرَّضون لخطر أنْ تُرمَوا في الشارع لا لأنْ تُودَعوا السجنَ فحسب[12].

فقال ﭙـيير سيريزول لغاندي بعد أن استمعَ إليه: "لدينا حقيقتُنا. ولكنْ لديكَ الـحقيقة[13]."

وفي حوالي الساعة السادسة مساءً، ألقى غاندي في بيت الشعب محاضرةً عامةً نُقِلَت عبْرَ أثير الإذاعة السويسرية. وبتاريخ 9 كانون الأول، عرضَتْها غازيت دو لوزان Gazette de Lausanne [جريدة لوزان] بهذه الكلمات:

(...) ساعدوه ليصعدَ على الطاولة حيث جلس. ومدَّ غطاءً من صوف أبيض على ساقَيهِ المتصالبتين. ومن وراء نظَّارته كان يُركِّز بعينيه الصغيرتين الثاقبتين على الحضور، يحني رأسَه المحلوق، يتأمَّل، ثم إنَّ هذا العجوز القصير الساكن الذي يُنشِّطه كثيرٌ من القوةِ المعنوية والمثاليةِ، وبدون أنْ يأتيَ بأية حركة وبصوت ضعيف خافت، يبدأ بالكلام. (...)

وتتعاقبُ الجُمَلُ رتيبةً وبطيئةً. ويكتفي غاندي، كتمثالٍ تكسوه نزاهةٌ بريئةٌ وقماشٌ أبيضٌ من كتَّان، يكتفي برفْع رأسِه الصغيرِ وخفْضِه من وقت لآخر وهو يتلو درسَه الذي كان يمليه عليه ضميرُه.

«الغرب مصاب بمرض حقيقي في القلب. (...) لقد أَتعبَكم حملُ عبء الروح العسكرية وإراقة دماء البشر.» وانفجرَ جمهورُ الحضور بالتصفيق وكأنَّ كلَّ واحد منا كان يحملُ جريمتين أو ثلاث جرائمَ قديمةً جدًا على ضميره.

«لو استطعْنا وزْنَ الحضارة الغربية لوجدْنا أنها خفيفة. (...).

«تسعى الهندُ منذ أحد عشر عامًا للحصول على استقلالها بطرق سِلْمية. (...) ولم تحصلْ عليه حتى الآن، ولكنْ في اليوم الذي ترون فيه، بعدَ أنْ تَدْرسوا المسألةَ، أنَّ حركتنا اللاعنفيةَ قد نجحَت، عليكم بدَورِكم أنْ تَصيروا رُسُلَ اللاعنف.»

وصفَّق الحضورُ مرةً أخرى. صفَّقوا تأييدًا أو رفضًا. (...)

بالمناسبة، أصيبَ بخدْش (لاعنفي) المتعاملون مع الصحف البرجوازية والرجعية التي حرَّفَت فكْرَ النبيِّ ونسبَتْ إليه قولَ حماقات. وغاندي لم يوصِ الجنديَّ في المعركة أبدًا بأنْ يُطلِقَ النارَ في الهواء. إذا حصلَت فإنَّها حركةٌ خادعة وجبانة. إنما اكتفى بدعوة الأفراد إلى ألاَّ يصبحوا جنودًا. (...)

أمَّا فيما يخصُّ النزعةَ الآلية فإنَّ المهاتما يصرِّح بأنه يرغب في إلغاء تفوُّق الآلة على الإنسان.

«هل ينبغي استخدامُ منهج اللاعنف في أوروبا في حالة الحرب؟» يجيب غاندي: «إنَّ على كلِّ شخص مقتنع بأنَّ الحرب ظالمة أنْ يرفضَ أيَّ تعاون مع الحرب، حتى ولو كان هذا الشخصُ وحيدًا في رأيه في العالَم.»

في الساعة السابعة تمامًا، وبعد أنْ استمتعَ المهاتما غاندي بالأفكار المبتذلة، الأفكارِ العامة والمقدَّمةِ بسخاء، نزلَ عن قاعدة التمثال التي كان جالسًا عليها وذهبَ كما أتى. فما كان «الروحُ العظيمةُ» يجدُ إلاَّ تعاطفًا. ولم يُقنِعْ إلاَّ مدَّعيْ الاستنارة وسيحتفظ الفضوليون من هذه السهرة بذكرى أنهم رأوا غاندي وسمعوه.

وما إنْ توارى المهاتما عن الأنظار حتى أُعلِنَ للحضور أنه كان من المفروض أنْ يتكلَّمَ النبيُّ في ألمانيا، ولكنه لن يتمكَّنَ للأسف من الذهاب إلى هناك. وهذا أمرٌ مؤسف جدًا، لأنَّ الألمانَ هم أحوجُ إلى سماع نصائح غاندي من أبناء لوزان.

لكنْ لا يُحسِنُ السماعَ إلاَّ من يَعرِف كيف يُصغي. ومِن بينِ المستمعين إلى غاندي في لوزان كان لوسيان بلاغا Lucien Blaga، وهو شاعر وفيلسوف من رومانيا. وقد قدَّمَ الشهادةَ التالية:

أخذَ غاندي يتكلَّم بطريقة أدهشَت الجميعَ: كان الأسلوبُ مقتضبًا، بدون مُحَسِّنات بديعية fioritures، [الأسلوب السهل الممتنع]، وهذه ميزةُ العقول الفريدة التي تعرِف كيف تستخرج جوهرَ الجوهر. (...) ورأسُه الذي يَظهَر شديدَ القبح في الصُّوَر كان قد تجمَّلَ تجمُّـلاً جذريًا إلى درجة أنه لم يعدْ قبيحًا على الرغم من الأسنان المفقودة. فعند هذا الرجل، كلُّ شيء مقصورٌ على الضروري، حتى في مظهره، وحتى في عدد أسنانه: فالأسنان التي لا ضرورةَ لها سقطَت. (...)

وإذْ بي كنتُ أرى أمامي تمامًا ولأول مرة فقط طغيانَ الحياة الروحية على الكلام. كان حاضرًا هناك العريُ الأسمى للفكر الأسمى. (...) وللمرة الأولى والأخيرة، هناك أمام غاندي الذي كانت طريقتُه في الكلام تُبرِزُ غيابًا تامًا للإسهاب، كنتُ مثقَلاً بالشعور بأنني كنتُ شاهدًا على وجودٍ أسمى، يتجاوز الكلامَ. (...)

لا بدَّ أنْ يكونَ يسوعُ الناصريُّ قد استخدمَ النبرةَ نفسَها عندما تكلَّمَ على جبل التطويبات Colline des Lys§ عن مملكة الله[14].

بتاريخ 10 كانون الأول/ديسمبر 1931، ألقى غاندي محاضرةً في ﭭـيكتوريا-هول Victoria-Hall [قاعة ﭭـيكتوريا] في جنيڤ أمام 1800 شخص تقريبًا. وكاميليا دروﭭـيه Camille Drevet هي التي قدَّمَت المهاتما باسمِ الرابطة الدولية للنساء من أجل السلام والحرية. وقبل أنْ ينتقلَ غاندي إلى أسئلة الحضور، قدَّمَ عرضًا قصيرًا:

(...) يُظهِرُ التاريخُ أنه كلما أرادت الشعوبُ استعادةَ استقلالِها والتخلُّصَ من تبعيَّتِها، استخدمَتِ الأسلحةَ. أمَّا في الهند، على العكس، فقد اخترْنا وسائلَ لاعنفيةٍ وسِلْميةٍ بصورة دقيقة ومطلَقة. لقد استطاعَ الأجانبُ أنْ يلاحظوا – وهاأنا أُقدِّم هنا شهادتي – أننا قد نجحْنا، على نطاق واسع إلى حد ما، في بلوغ هدفنا. وإني أَعلَم أنَّ الخبرةَ مازالت في طور التشكُّل فلا أستطيع القولَ أنها قد نجحَت نجاحًا مطلقًا أصلاً، لكنني أسمح لنفسي أنْ أُلَـمِّـحَ لكم، كما فعلْتُ مع مواطني باريس، أنَّ الخبرة قد بلغَت مبلغًا أصبحَت فيه تستحقُّ الدراسةَ دراسةً جدِّية. وأضيفُ أيضًا أنه إذا نجحَت الهندُ في هذه الخبرة فإنها تكونُ قد سدَّدَت مساهمتَها لقضية السلام الكبرى التي هي المَطْمَح العام للعالَم حاليًا.

في هذه الحاضرة التي هي حاضرتُكم، لديكم المقرُّ المركزي لعصبة الأمم. حيث ننتظر من هذه المؤسسة أنْ تجترحَ المعجزاتِ، فنطلب منها أنْ تُغيِّرَ الحربَ وأنْ تحكُمَ بين الأمم التي تُمزِّقُها النزاعاتُ. مع ذلك، فقد بدا لي دائمًا أنها تحتاج إلى التصحيح sanction اللازم. في الوقت الحالي، وحتى تكونَ قراراتُها فعليةً، تتوقَّفُ هذه القراراتُ ويجب أنْ تتوقَّفَ على الإرادة الطيبة للأمم التي هي أطرافٌ في النزاع. ما أودُّ قولَه اليومَ هو أنَّ الوسائل المعتمَدة في الهند يمكنها بالتحديد أنْ تُقدِّمَ التصحيحَ الذي ينقص هذه المؤسسة الكبيرة، ولا تُقدِّمَ هذه الوسائلُ التصحيحَ لها وحدَها فقط، بل لكل جمعية مستقلة توْلي اهتمامًا كبيرًا بقضية السلام الكبيرة هذه. (...)

سؤال: - لماذا قمتم باحتجاجٍ طنَّانٍ في لوزان لأنَّ بعض الصحف كانت قد قالت إنَّ الجنود المتطوِّعين في الجيش يجب عليهم أنْ يُطلِقوا النارَ في الهواء في حالة الحرب؟

جواب: - لا أدري إنْ قمْتُ باحتجاج طنَّان، لكنني أشدِّد على إيضاح موقفي إيضاحًا لا لبسَ فيه.

لا أريدُ، وأحرص على تأكيد ذلك تأكيدًا مطلَقًا، أنْ يتمكَّن جنديٌّ من الجيش السويسري أو من أية جنسية أخرى من استخدام سلطتي لكي يظنَّ، بعد أنْ يكونَ قد قدَّمَ تعهُّدًا للجيش والتزمَ بمراعاة نظامه، أنه يخدمُ قضيةَ اللاعنف ويُخلِصُ لها عندما يريد أنْ يبقى مخلِصًا لتعهُّده من خلال إطلاقه النارَ في الهواء.

أَعُـدُّ نفسي جنديًا؛ لكنني جنديُّ سلام. أعرِفُ قيمةَ النظامِ والحقيقةِ، وأجِدُ أنَّ الجنديَّ الذي التزم باحترام النظام، ولكنه يخدع رؤساءه بإطلاق النار في الهواء بحجة أنه يجب عليه إطاعةُ ضميرِه، هذا الجنديَّ هو جبان ومخادع بكل بساطة. إذا اقتنعَ الجنديُّ أنه يجب عليه عدمُ قتل قريبِه فيجب عليه بكل احترام أنْ يُلقيَ سلاحَه ويعلنَ قبل بدء المعركة أنه لا يريد المشاركةَ في عمل كهذا وأنه مستعدٌّ لتحَـمُّـلِ العقوبة التي يستحقُّها عصيانُه.

سؤال: - كيف سيتمكَّن العمالُ من الحصول على حقوقهم بدون عنف؟ فإذا كان الرأسماليون يستخدمون القوةَ للقضاء على حركتهم فلماذا لا يعملون هم على تدمير مضطهدِيهم؟

جواب: - هذا هو القانون القديم، شريعة الغاب: العين بالعين والسنُّ بالسنّ. كما شرحْتُ لكم آنفًا، يتَّجه كلُّ جهدي تحديدًا إلى التخلُّص من قانون الغاب هذا والذي لا يليق بالبشر. (...)

برأيي المتواضع، يمكن للحركة العمالية أنْ تكونَ دائمًا منتصرةً إذا كانت متَّحدةً تمامًا ومصمِّمةً على جميع التضحيات، وذلك مهما كانت قوةُ المستبدِّين. لكنَّ الذين يقودون الحركةَ العماليةَ لا يدركون قيمةَ الوسيلة التي في حوزتهم والتي لا تمتلكها الرأسماليةُ. إذا تمَكَّنَ العمالُ من تقديم البرهان السهل على الفهم والمتمثِّل في أنَّ رأس المال عاجز عجزًا مطلقًا بدون تعاونهم فإنهم يكونون قد كسبوا الجولةَ. (..)

هناك في اللغة الإنكليزية، كما في الفرنسية أيضًا وفي جميع اللغات، كلمةٌ مهمة جدًا، على الرغم من قِصَرِها الشديد. في الإنكليزية، تتألف من حرفين فقط، إنها كلمة no [لا]، وفي الفرنسية: non [لا]. والسرُّ في كل القضية ببساطة هو التالي: عندما يطلب رأسُ المال من العمل أنْ يقولَ نعمْ فإنه، كرجل واحد، يجيب لا.

في اللحظة نفسِها التي يعي فيها العمالُ أنهم مخيَّرون في أنْ يقولوا نعم عندما يريدون القبولَ وفي أنْ يقولوا لا عندما يريدون الرفضَ، يصبح العملُ هو السيد ويصبح رأسُ المال هو العبد. ولا يهمُّ إطلاقًا أنْ يمتلكَ رأسُ المال بنادقَ ورشاشاتٍ وغازًا سامًا، لأنه سيبقى عاجزًا تمامًا إذا أكَّدَ العاملُ كرامتَه كإنسان من خلال بقائه مخلصًا دائمًا وأبدًا لقوله لا. ولا يحتاج العملُ إلى الانتقام. ما عليه إلاَّ أنْ يبقى ثابتَ العزم ويقدِّمَ صدرَه للرصاص وللغاز السام؛ فإذا بقي مخْلصًا لقوله لا فسينتهي به الأمرُ إلى الانتصار. (...)

أرغب في أنْ تقتديَ الحركةُ العماليةُ بشجاعة الجندي، ولكنْ بدون أنْ تُقلِّدَ هذا الشكلَ الوحشيَّ من عمله الذي يقوم على جلب الموت والآلام لخصمه. أسمحُ لنفسيَ بأنْ أؤكِّدَ لكم بالمقابل بأنَّ من كان مستعدًّا لتقديم حياته بدون تردُّد ولا يستخدم أيَّ نوع من الأسلحة ليؤذيَ خصمَه إنما يُظهِرُ شجاعةً ذات قيمة أعلى بكثير من الشجاعة الأولى[15].

عقِبَ المحاضرة، نشرَت صحيفةُ غازيت دو لوزان بتاريخ 11 كانون الأول/ديسمبر 1930 مقالاً بعنوان: «حان الوقتُ ليذهبَ غاندي!» وبعد أنْ ذكَّرَت هيئةُ تحرير الصحيفة بـ«تصريحاته اللاعسكرانية»، كتبَت: "يسيء غاندي استخدامَ ضيافتنا. لقد آنَ الأوانُ لكي يذهبَ ويُمثِّلَ دَورَ النبي في مكان آخر غير هذا."

وفي اليوم نفسه، عرضَت صحيفةُ فرايبورغ الكاثوليكية، لاليبرتيه La Liberté، محاضرةَ غاندي في جنيڤ في مقال بعنوان: «كلمات لغاندي في غير محلِّها». وكان المقصودُ بهذه الكلمات على وجه الخصوص العباراتِ التي قالها لصالح نزع السلاح. وأشار الصحفي إلى وجهة نظره كما يلي:

كان جميعُ الأجانب المتعلِّقون بشفتَيْ مهبط الوحي قد صفَّقوا لهذه الابتداعات. فسيضع السويسريون الحد اللازمَ لأقوال هذا المجوسي العجيب. إذْ مِن غيرِ اللائقِ على الإطلاق أنْ يعطيَنا دروسًا في السلوك. لقد نسيَ غاندي تهديداتِ الحرب والكارثةَ التي تجنَّبْناها بفضل وجود سلاحنا على الحدود. ثم ماذا يهمُّه مصيرنا؟ لقد كان مستعدًّا بمسحة إسفنجة لأنْ يمحوَ بلدَنا من على خارطة الأرض.

وإذا كان غاندي قد أتى إلى سويسرا ليقولَ مثلَ هذه الغرائب فكان من الأَولى أنْ يريحَنا من شرف زيارته.

وقد نشرَت صحيفةُ جنيڤ في عددها الصادر بتاريخ 12 كانون الأول/ديسمبر 1931 مقالاً مطوَّلاً خصَّصَتْه للمحاضرة التي ألقاها غاندي في ﭭـيكتوريا-هول Victoria-Hall [قاعة ﭭـيكتوريا] خلُصَتْ فيه إلى ما يلي:

لم يكنِ الذين حضروا محاضرةَ السيد غاندي يشُكُّونَ في حسن نيته. (...) كان اللاعسكرانيون والسِّلْميون المتطرِّفون مبتهجين. والذين يرغبون فعلاً في إرساء السلام على أسس متينة لم يجِدوا في حديث السيد غاندي معلوماتٍ من شأنها أنْ تُقنِعَهم.

وعَقِبَ هذه المحاضرةِ كتبَ رومان رولاَّن في صحيفته ما يلي:

خرجَ كبارُ البرجوازيين من هناك وهم في حالةِ حَنَقٍ يَدِقُّ عن الوصف؛ وقد لمستُ أصداءً كثيرةً لذلك الغيظ. كان من الخير الجَمِّ أنْ جرى اللقاءُ عشيةَ مغادرة غاندي لسويسرا. وإلاَّ لكان من الممكن اللجوءُ إلى إجراءات الطرد فيما لو مُدِّدَتْ إقامتُه. ولكان أُلغيَ بأية حالٍ لقاءٌ عامٌّ آخر. لقد نشرَت الصحافةُ الروماندية [في سويسرا] في اليوم التالي مقالاتٍ شديدةَ الغضب. فصحيفةُ لوكورِّييه دو مونترو Le Courrier de Montreux التي كانت قد اعتقدَت حتى ذلك الوقت أنه ينبغي مداراتُه، مثلما اعتقدْتُ أنا، نشرَتْ أولَ مقال يقول بأنَّ أفضلَ شيءٍ فعلَه غاندي مِن بينِ جميعِ ما فعلَه خلال هذه الأيام الخمسة في سويسرا كان رحيلَه عنا. وقد ندَّدوا به كأداة لاواعية أو واعيةٍ (ولِمَ لا؟) جاء إلى سويسرا لينزعَ سلاحَ الشعب ويدمِّره حتى يُسلِّمَ فيما بعدُ هذا الشعبَ الأعزلَ للعدوان الشيوعي[16].

وكتبَ رومان رولاَّن في رسالةٍ وجَّهَها إلى مارسيل جوب Marcel Job بتاريخ الأول من كانون الثاني/يناير 1932 قال فيها:

لقد بقيَ غاندي في ديارنا خمسةَ أيام. وذلك يكفي لأنْ يتركَ في البلاد خيطًا مِن ضوءٍ لدى الناس البسطاء وأحقادًا سوداء لدى برجوازيي عصبة الأمم وبرجوازيي صحيفة جنيڤ[17].

وفي رسالة كتبَها رومان رولاَّن إلى ستيفان زويغ Stefan Zweig بتاريخ 30 كانون الأول/ديسمبر 1931 رسمَ فيها لغاندي الصورة التالية:

كان فعلاً كما كنتُ أظنُّه: أَصْدقُ إنسانٍ وأَقْـوَمُ إنسانٍ. لكنه ثاقبُ الفكر فَطِنٌ صاحبُ فكاهة يحبُّ الضحكَ ولا يخدعه شيء. ومَظهرُه النحيلُ يخدع فلا يُظهِرُ الصلابةَ الشديدةَ لجسمه ولإرادته. إذْ كنا لا نُحِسُّ في أية لحظة أيَّ تعب في صوته الهادئ ولا أيَّ اضطراب في تفكيره حتى خلالَ أشدِّ اللقاءات إرهاقًا. وعندما كان يمشي على ساقَيهِ الهزيلتينِ كساقَيْ طائر اللقلق، كان لا يمشيْ مشيًا بل يركض بسرعةٍ سريعةٍ؛ فلا يكاد أحدٌ أنْ يكون قادرًا على اللحاق به[18].

بتاريخ 12 كانون الأول/ديسمبر، وصل غاندي إلى روما حيث سعِدَ بقبول ضيافة الجنرال موريس، أحدِ أصدقاء رومان رولاَّن، وذلك بعد أنْ رفضَ أنْ يحلَّ ضيفًا على الحكومة الإيطالية. وكان قد قال للكاتب الفرنسي: "أريد رؤيةَ البابا[19]." لكنه يومَ وصولِه إلى روما، سجَّـلَ في مذكَّراته diaire وبدون أنْ يَذْكُرَ أيَّ إيضاح: "تلقَّيتُ رسالةً تُعْلِمُني أنَّ البابا لا يستطيع استقبالي[20]." ولا نعرف بالفعل ما هي الأسباب التي جعلَت بيوسَ الحادي عشر Pie XI يرفض لقاءَ غاندي. والفرضيةُ المقدَّمة عمومًا هي أنَّ الـﭭـاتيكان لا يرغب في الإساءة إلى علاقاته مع بريطانيا العظمى باستقباله متمرِّدًا على الإمبراطورية البريطانية. لكنْ لا شيءَ، على حد عِلْمنا، يمكنه أنْ يؤكِّدَ هذه الفرضيةَ. ألمْ يكنْ مَلِكُ إنكلترا نفسُه، بالمقابل، قد استقبلَ هذا المتمرِّدَ منذ وقت غير بعيد؟

وعند العصر، زار كنيسةَ القدِّيس بطرس وكنيسة سيستينا [سكستين] Chapelle Sixtine. حيث تأمَّـلَ هناك مليَّـًا صليبًا عليه المسيحُ المصلوبُ فوجده "رائعًا[21]". وكتبَ بتاريخ 23 كانون الأول/ديسمبر:

ما الذي كان ينبغي أنْ أقدِّمَه حتى أتمكَّنَ في الـﭭـاتيكان من الانحناء أمام الصورة الحية للمسيح المصلوب! كان يجب عليَّ أنْ أقومَ بجهد مكثَّف لكي أتخلَّصَ من مشهد هذه المأساة الحية. في هذه اللحظة فهمْتُ أنَّ الأممَ كالأفراد لا يمكنها أنْ تُبنى إلاَّ عبْرَ شهيد الصليب لا غير. فالفرح لا يأتي من تعذيب الآخرين، بل من تحَمُّـل العذاب برضا[22].

وفي وقت الأصيل، أجرى غاندي محادثةً شكليةً لمدة عشرين دقيقة تقريبًا مع موسوليني. وكان رومان رولاَّن قد حذَّره من اللقاء مع الدكتاتور الإيطالي خشيةَ أنْ يُفهَمَ من ذلك أنه يُقرُّ بالنظام الإيطالي فيخدمَ بذلك هذا اللقاءُ الدعايةَ الفاشية، لكنَّ غاندي قد تجاوزَ اعتراضَ صديقِه الفرنسي.

وفي ضحى يوم 13 كانون الأول/ديسمبر، سُرَّ غاندي باستقبال إحدى بناتِ مَنْ يُجِـلُّه أكبرَ إجلال كانت قد قامت بزيارة له: تاتيانا تولستوي التي كانت تعيش في روما منذ أنْ تزوَّجَت من رجل إيطالي. وقد وصفَت غاندي في رسالةٍ وجَّهَتْها إلى أخيها سيرج بما يلي:

إنه عجوزٌ قصيرٌ ظريفٌ مرِحٌ ذو حكمة لا يُسبَرُ لها غورٌ. وكلُّ الفلاسفة الأوروبيين يبدون لي ثرثارون سطحيُّون مقارنةً بهذه الحكمة المتينة كالصخرة والعميقة الراسخة[23].

بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر، أبحرَ غاندي من [ميناء] برينديزي [أبرنطس أو أبرندس] Brindisi على الــﭙـيلسنا Pilsna ليعودَ إلى الهند. وعندما ابتعدَ القاربُ عن الرصيف لوَّحَ لغاندي اثنان من الإنكليز قويَّا البنيةِ تلويحَ وداعٍ لا يخلو من مشاعر التأثُّر. من الواضح أنهما كانا من المقرَّبين للمهاتما. وهُما في الحقيقة شُرطيَّان من جهاز شرطة اسكُـتْـلَنديارد [اسكوتلاند يارد] [اللندنية] Scotland Yard مكلَّفان بحمايته ولم يتركاه في أثناء إقامته في أوروبا والذين انبهروا بهذه «الشخصية» الغريبة.

بتاريخ 25 كانون الأول/ديسمبر، في الصباح الباكر جدًا، عند ساعة الصلاة، قعدَ حوالي ستة مسافرين على الأرض وتحلَّقوا حول غاندي. كانوا مسيحيين طلبوا منه أنْ يخبرَهم عن رؤيته الشخصية عن المسيحية. فأجابهم غاندي بهذه الكلمات:

سأخبركم ما هو تأثيرُ قصة المسيح، كما رواها العهدُ الجديدُ، على الغريب الذي هو أنا. بدأتُ بالتعرُّف على الإنجيل منذ حوالي خمس وأربعين سنة. فلم أتمكَّنْ من إيجاد أهمية كبيرة في العهد القديم. ولكنْ عندما وصلْتُ إلى العهد الجديد وإلى عظة الجبل بدأتُ أفهم تعاليمَ المسيحية، فتعاليمُ عظة الجبل كانت صدىً لِما كنتُ قد تعلَّمْتُه في طفولتي، صدىً لشيء يبدو لي جزءًا من نفسي. (...)

كانت هذه التعاليمُ تقوم على عدم الانتقام وعلى عدم مقاومة الشر بالشر. وكان ما حفظْتُه إلى الأبد من كلِّ ما كنتُ أقرأه هو أنَّ المسيح جاء ليضعَ قانونًا جديدًا – على الرغم من أنه قال إنه لم يأْتِ ليقدِّمَ قانونًا جديدًا، بل ليضيفَ شيئًا إلى القانون القديم لموسى. نعمْ، إذًا، لقد غيَّرَ القانونَ القديمَ بحيث أصبحَ قانونًا جديدًا: وهو عدم التعامل عينًا بعين وسنًا بسنٍّ، بل الاستعداد لتلَقِّي ضربتين عندما تُوجَّه لكم ضربةٌ واحدة وللسير كيلومترين عندما يُطلَب منكم السيرُ كيلومترًا واحدًا. (...) أنَّ عظة الجبل هي ما حبَّبَني بالمسيح.

أجرؤ على القول بأنني لم أهتمَّ قطُّ بيسوع التاريخي. فلا يهمُّني إنْ جاء أحدُهم وأثبتَ أنَّ الرجل المسمَّى يسوعَ لم يكنْ له وجود، وإنْ كان ما رُويَ في الأناجيل هو مِن نسجِ خيال من كتبوها. لأنَّ عظة الجبل مازالت صحيحةً عندي.

وبالتالي، يبدو لي، عند قراءتي للقصة كلِّها في ضوء هذه الرؤية، أنَّ المسيحية لم تُعَشْ بَعدُ، إلاَّ إذا قلْنا أنه أينما كان هناك حبٌّ غير محدود ولم تكنْ هناك أيةُ فكرة للانتقام فإنَّ المسيحية تكون معاشةً. ولكنها عندئذٍ تتجاوز جميعَ الحدود وكلَّ تعليم كتابي. إنها شيء فريد لا يمكنُ التبشيرُ به بين البشر، ولا يمكن نقْـلُه مشافهةً من الفم إلى الأذن، بل من القلب إلى القلب. لكن المسيحية لا تُفهَم عمومًا على هذا النحو. (...)

وعلى الرغم من أننا نرتِّلُ: «المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام»، ليس هناك لا تمجيدٌ لله ولا سلامٌ على الأرض. (...) فعندما تُرسى دعائمُ السلام الحقيقي، لا نعود نحتاج إلى براهينَ، بل سيكونُ لذلك صدىً في حياة كلِّ فردٍ منا، لا في حياتنا الفردية فحسبُ، بل في حياتنا الجماعية أيضًا. وسنستطيع عندئذٍ القولَ بأنَّ المسيحَ قد وُلِدَ. ولن نفكِّرَ عندئذٍ بأنَّ يومًا محدَّدًا من السنة هو يوم ميلاد المسيح، ولكنْ سنفكِّر بأنَّ ميلاده هذا هو حدثٌ يتكرَّر باستمرار ويمكن أنْ يتحقَّقَ في حياة كل فرد منا. (...)

ولذلك عندما يتمنَّى الناسُ «ميلادًا سعيدًا» بدون أنْ يعطوا هاتين الكلمتين معنىً فإنهما ليستا أكثر من عبارة جوفاء. وإذا لم يرغبِ الإنسانُ في السلام لكل كائن حي فإنه لا يستطيع أنْ يرغبَ في السلام لنفسه. فالمسَلَّمةُ البديهيةُ جدًا بداهةَ مسَلَّمات أقليدس تقولُ بأنَّ المرء لا يمكنه أنْ يكون في سلام إلاَّ إذا رغبَ رغبةً شديدةً في السلام العالمي. يمكنكم بالتأكيد أنْ تختبروا السلامَ وسط النزاع، لكنَّ ذلك لا يمكن أنْ يحصلَ إلاَّ إذا بَـذَلْـتُم، لحلِّ هذا النزاع، حياتَكم وصلبْتم أنفسَكم.

وهكذا، مثلما أنَّ الميلاد العجائبي هو حدثٌ خالد، كذلك فإنَّ الصليب هو حدثٌ خالد في حياة العذاب هذه. ولذلك يجب علينا ألاَّ نفكِّرَ بالميلاد من دون التفكير بالموت على الصليب. فالمسيح الحي يعني صليبًا حيًا بدونه تكونُ الحياةُ أسوأَ من الموت[24].

ترجمة: محمد علي عبد الجليل

*** *** ***


 

horizontal rule

[1] La révolution prolétarienne [الثورة البروليتارية أو ثورة الكادحين]، كانون الأول/ديسمبر 1931، ص 306. The Collected works of Mahatma Ghandi [الأعمال الكاملة للمهاتما غاندي] (المجلَّد 48، ص 391)، يشار إلى أنَّ النص الكامل للخطاب الذي ألقاه غاندي في باريس «غير متوفِّر». والمقتطفات التي نقلْناها هنا مصدرُها النصُّ المنقول الذي قام به دانييل غيران Daniel Guérin والذي نُشِرَ في La révolution prolétarienne [الثورة البروليتارية أو ثورة الكادحينسبق ذِكْره، ص 306-309.

[2] Gandhi et Romain Rolland [غاندي ورومان رولاَّنسبقَ ذِكْرُه، ص 81.

[3] Massignon et Gandhi, La contagion de la vérité [ماسينيون وغاندي، عدوى الحقيقة]، نصوص اختارها وقدَّم لها كاميليا دروﭭـيه Camille Drevet، باريس، لو سير Le Cerf، 1967، ص 112.

[4] المرجع السابق، ص 34.

[5] راجِعْ: أعلاه، ص 32.

[6] لويس ماسينيون، Parole donnée، [الوعد]، باريس، جوليار Julliard، 1962، ص 131.

* في التقديم الذي وضعه ماسينيونُ لهذا النص، يشير ماسينيونُ إلى المذْهبَ الاجتماعي لغاندي بتعبير «مطالبة (مُواطَِنية) للحق». هذه المطالبةُ، وفقاً لما كتبَ، هي «سلاح عملٍ شعبي، ذو قيمة معنوية عالية، ربما سيصمد أمام الظروف السياسية التي صاغَ خلالها المُطالِبُ مطالبتَه». (مجلة العالَم الإسلامي Revue du monde musulmane (نيسان/أبريل – حزيران/يونيو 1921).

[7] رومان رولاَّن Romain Rolland، Mahatma Gandhi [المهاتما غانديسبق ذِكْرُه، ص 185-186.

[8] Gandhi et Romain Rolland [غاندي ورومان رولاَّنسبقَ ذِكُرُه، ص 71.

[9] المرجع السابق، ص 83-84.

[10] المرجع السابق، ص 85.

[11] ذكرَتْه هيلين موناستييه Hélène Monastier، Paix, pelle et pioche [السلام والمِجْرفة والمِعْول]، لوزان، منشورات الخدمةَ المدنية الدولية Service civil international، 1955، ص 11.

[12] Gandhi et Romain Rolland [غاندي ورومان رولاَّنسبقَ ذِكْرُه، ص 88-89.

[13] ذكرَه رومان رولاَّن، المرجع السابق، ص 90.

§ استخدمَ الشاعرُ والفيلسوفُ واللاهوتيُّ الرومانيُّ لوسيانُ بلاغا Lucien Blaga (1895-1961) تسميةَ "هضبة الزنبق" Colline des Lys للإشارة إلى جبل التطويبات Montagne (Colline) des Béatitudes الذي ألقى عليه المسيحُ موعظتَه الشهيرةَ المعروفةِ بعِظة الجبل (إنجيل متَّى، الإصحاح 5). ولم نعثرْ في أي مرجع عن إشارة إلى تلك التسمية. كما أنَّ المؤلِّفَ الفيلسوفَ جان-ماري مولِّر لم يقفْ على سببِ استخدام الشاعر لهذه التسمية. (المترجِم)

[14] لوسيان بلاغا Lucien Blaga، Rencontre avec Gandhi [لقاء مع غاندي]، في Le Mahatma Gandhi, 125 années [المهاتما غاندي، 125 سنةً]، تحت إشراف شانتا راماكريشنا Shantha Ramakrishna وأميت داسغوﭙـتا Amit Dasgupta، نيودلهي، الناشرون نيو إيج إنترناشيونال ﭙـابليشرز ليميتيد New Age International Publishers Limited، 1995، ص 231-232.

[15] نص محاضرة جنيڤ نُشِرَ في عدد كانون الثاني/يناير 1932 من [مجلة] ﭙـاكس إنترناسيونال Pax international، وهي مجلة الرابطة الدولية للنساء من أجل السلام والحرية. ونُشِرَت مقتطفاتٌ منها في كتاب كاميليا دروﭭـيه Camille Drevet: Pour connaître la pensée de Gandhi [من أجل معرفة فكر غاندي]، باريس، بورداس Bordas، 1954، ص 203-209.

[16] Gandhi et Romain Rolland [غاندي ورومان رولاَّنسبقَ ذِكْرُه، ص 105.

[17] المرجع السابق، ص 295.

[18] المرجع السابق، ص 288-289.

[19] المرجع السابق، ص 79.

[20] المجلد 48، ص 466.

[21] مادلين سلاد Madeleine Slade، Dans l'intimité de Gandhi [بين أصدقاء غانديسبقَ ذِكْرُه، ص 116.

[22] المجلد 48، ص 434.

[23] ذكَره سيرج تولستوي Serge Tolstoï، Les enfants de Tolstoï [أبناء تولستوي]، باريس، ﭙيرَّان Perrin، 1989، ص 137.

[24] المجلد 48، ص 437-439.

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود