محاولة في تفكيك القطعيّات الفقهية
حكم تارك الصلاة نموذجًا

عادل بن عبد الله

 

يشهد العالم العربي الإسلامي عودة كبيرة للاحتكام إلى المرجعيات الفقهية التقليدية أو إلى محاولة بناء أشباه ونظائر لها تلتمس مشروعيتها من "قدسيّة" بعض التخريجات الفقهية، التي صارت بحكم الإجماع عليها خارجة من إمكان الضلالة[1]، بل عدّت من حكم المعلوم من الدين بالضرورة، وهو ما لا يعذر المسلم بجهله إذ لا يستقيم الدين في عقائده وعباداته إلا به. ولعلَّ من أهم الأحكام التي يمكن الاستشهاد بها لهذه المسألة، حكم الصلاة وما يعرض لتاركها تهاونًا أو إنكارًا لوجوبها، إذ

أجمع المسلمون على أنَّ من جحد وجوب الصلاة فهو كافر مرتدّ، لثبوت فرضيتها بالأدلّة القطعية من القرآن والسّنة والإجماع[2].

سنحاول في هذا البحث بناء فهم مستأنف من الناحيتين التشريعية والتاريخية للحكم الفقهيِّ، من غير أن نتموقع بالضرورة خارج الدائرة الإيمانية أو أن نخلَّ تحكّميًا بمقتضيات النظر العقلي وآليات إعادة تشكيل الحدث التاريخي، ومنه جملة الأنظار الفقهية المنظمة للمجال الإسلامي. أي إننا سنبيّن كيف يمكن نقد الأطروحات السلفية المعاصرة من غير أن يعني ذلك نزع صفة المعقولية والفاعلية الاجتماعية على الأحكام الفقهية في المجتمعات التقليدية؛ بدءًا من مجالها التداولي الأصلي. وكذلك سنظهر إمكان بناء فهم مختلف عن استراتيجيات القراءة والتأويل التي مارسها الفقهاء على النص القرآني والتجربة النبوية لإكساب اجتهاداتهم سلطة وحجّة كانتا مشدودتين ضرورة إلى المرجعية الدينية.

إنّ النجاح في هذه الأطروحة سيساعدنا كثيرًا في "تنسيب" المزاعم الإطلاقية لبعض الخطابات السلفية، وهي خطابات استفادت من هيمنتها على المنابر الإعلامية السمعية والبصرية بحيث نشأ نوع من العلاقة "التطابقية" بين خطاب مفرد وتراث متعدد ولكنه مهمَّش أو مقصيّ. كما أفادت الخطابات السلفية من وضعيتها باعتبارها "القراءة المرجعية" أو المعيارية التي لا بدّ لكل قراءة من أن تواجهها بل أن تنازعها لتبيّن للناس إمكان انبثاق تديّن ما أو روحانية ما لا تتأصّل ضرورة في الأفق السَّلفي.

إننا نحاول في هذا البحث أن نبين أن الحكم الفقهي كان شكلاً "ناجعًا" من أشكال التشريع للمجتمعات التقليدية، وذلك باعتباره تظهيرًا أو إجراء جماعيًّا مؤسّساتيًا لجملة من القيم والعقائد والأعراف المهيمنة على المنتمين إلى تلك المجتمعات على الأقل، أولئك المعبّرين عن الثقافة العالمة ومجالها الحضري المنتج للحكم الفقهي. كما أننا سنسعى إلى البرهنة على صعوبة، بله استحالة، استمرار تلك الوظيفة التقليدية داخل المجتمعات الحديثة، وكذلك "هشاشة" التفكير من داخل البنية الذهنية التقليدية وهي البنية التي كانت وراء إنتاج مجمل الأحكام الفقهية المتنازع فيها.

لقد اخترنا في هذا البحث أن يكون حكم تارك الصلاة نموذجًا إجرائيًا لقدرته التمثيلية العالية لمنطق النظر الفقهي، وسنبيّن اعتمادًا عليه أنّ تشكّل هذا الحكم في المدوّنات الفقهية المهيمنة كان نتيجة منطقية لجملة من العوامل الفكرية والواقعية لعلّ من أهمّها:

-       القراءة الإديولوجية السلطوية للتجربة النبوية.

-       الوظيفة التنظيمية للفقه، وهي تلك المرتبطة بالأحكام بما هي علامات للولاء السلطوي والاندماج الاجتماعي.

-       غياب نماذج تفسيرية أو تنظيمية للمجتمعات من خارج المسلّمات الايمانية قبل بزوغ الفكر الحداثي[3]. وهو ما يعني أنّ التفكير في المجتمع وآليات اشتغاله أو تعريفه كان أمرًا مستحيلاً من خارج المقولات العقدية الإيمانية المهيمنة على إنتاجات الفقهاء أو من يمكن تسميتهم بمشرّعي المجتمعات التقليدية الإسلامية.

وقد ارتأينا أن نبحث في الكفاية المعرفية والمنهجية لفرضيات بحثنا، من خلال إعادة قراءة المجالات التي تجادل الخطابات السلفية في أنّها قد شهدت تنزّل هذا الحكم أو لا يمكن إخراجها من مجال سلطته المرجعية، وذلك بدءًا من التجربة النبوية مرورًا بالمجتمعات التقليدية ما قبل الحديثة وانتهاء بالمجتمعات الحديثة.

1 - الزمن النبوي: التدين العفوي والتحدّيات الدّاخلية

قد يختلف الباحثون في اعتبار القرآن وثيقة تاريخية يمكن الاطمئنان إليها في بناء الحدث الإسلامي البدئي. ولكن لا يمكن إنكار أنّ النص القرآني هو من أوثق المراجع للتّعرف على الموقف النّبوي ممّا حصل داخل الجماعة المسلمة أو في السياقات المرتبطة بها والمؤثّرة فيها. ونحن إذا ما استقرأنا آيات القرآن، استطعنا الوقوف على المعطيات التالية المتصلة بالصلاة:

§        أهمية هذه الشعيرة ومركزيتها في النظام العقدي الطقوسي الإسلامي، وهو ما يعكسه العدد الكبير من الآيات المرتبطة بها[4] - منطقيّا لا يمكن وجود حكم دنيوي، على افتراض وجوده أصلاً – إلاّ بدءًا من المرحلة المدنية لأنّ استقلال الجماعة المسلمة عن المجال القرشي هو شرط ضروري لظهور ذلك الحكم.

§        غياب حكم واضح في شأن تارك الصلاة فليس هناك إلا نوع من الخطاب القدحي وسعي إلى إحداث مفاصلة نفسية عن تلك الفئة، وهي مفاصلة تجد تعبيرها الأقصى في دعوة القرآن للنبي بألاّ يصلي على من مات منهم (التوبة 9/54)، بل إنّ الرسول قد حمل الآية الثمانين من نفس السورة على معنى التخيير في الاستغفار للمنافقين فصلّى على عبد الله بن أبي معترضًا على عمر بن الخطّاب قائلاً: "أخّر عنّي يا عمر، إنما خيَّرني ربّي فاخترت"[5].

§        إنّ "منهم" الواردة في الآية الرابعة والثمانين من سورة التوبة، لا يمكن فهمها في السياق القرآني إلاّ بما هي إشارة إلى جماعة ما كانت تنتمي ظاهريًا إلى الجماعة المسلمة ولكن اختيارتها وولاءاتها الحقيقية كانت تتجذّر في مكان آخر أو تنتمي إلى أفق عقدي آخر قد نستطيع الاقتراب منه عندما ننظر في آيات أخرى تتحدث عن اتخاذ الصلاة هزؤًا ولعبًا (المائدة 5/58)، والتكاسل في المجيء إلى الصلاة (التوبة 9/54)، أو السّهو عنها (الماعون 5/107).

§        إنّ كل هذه السلوكيات أو المواقف المشكّكة والمنتمية إلى الجماعة المسلمة، لا يمكن فهمها على أساس أنها مجرد مواقف فردية تعبّر عن ثقل الواجب الديني أو صعوبة التّحول من منظومة طقسية إلى أخرى. إننا أمام موقف جماعي اختار له القرآن اسم "النفاق" وهو موقف لم يكن منحصرًا في البعد الطقوسي العقدي، بل تجاوزه إلى محاولة التشكيك في السلطة النبوية والعمل على عرقلة المجهودات الجماعية من أجل تجذير الوجود داخل المدينة والدفاع عنها ضد المحاولات المكية الرامية إلى اجتثاثها.

كانت الصلاة في المجتمع النبوي علامة انتماء وولاء مزدوج: ولاء شخصي للنبي يتجسد في قبول إمامته للصلاة باعتبارها التجسيد الشعائري لإمامة دنيوية لا يجب التشكيك فيها. كما كانت الصلاة أيضًا ولاء للجماعة، وهو ما يتجسّد في "صلاة الجماعة"، فرفض هذه الشعيرة في بعدها الجماعي أو الاستهزاء بها أو التشكيك فيها، كل ذلك يتخذ أبعادًا سياسية تمس السلطة النبوية وما تحاول إنشاءه من نظام عقدي–طقوسي يحلّ محل الأنظمة السابقة - الجاهلية والكتابية - خاصة إذا ما فهمنا تلك المواقف على أساس أنها لا تعبّر على نزوات فردية بقدر ما تعبر عن مواقف جماعية واعية لها أسس، قد لا تكون واحدة ولكنها تشترك في رفض السلطة النبوية.

ماذا يعني النفاق خارج الاصطلاح القرآني، وإذا ما أردنا فهمه على أساس اجتماعي محض يحاول تحييد الشحنة الذمية التي لازمت هذا المصطلح في نشوئه ودورانه داخل الثقافة الإسلامية؟ إنّ النفاق هو الاندماج الطوعي ظاهرًا في الجماعة الإسلامية لاستحالة وجود بديل للتضامنات القبلية المؤطّرة للوجود الجماعي. وهو اندماج مصحوب برفض أو تردّد في قبول السلطة النبوية في تجلّياتها المختلفة، بدءًا من أساسها الماورائي ووصولاً إلى اختياراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وخاصة التراتبية الجديدة داخل الجماعة وما صاحبها من إعادة توزيع للرّساميل المادية والرّمزية. لقد كان المسلمون الأوائل فئتين أساسيتين تشتركان في مبدأ الاندماج الطوعي أو الاختيار الحرّ للجماعة الإسلامية، ولكن هذه الحرية في مجتمع ذي بنية قبليّة لم تكن حرّية حقيقية لإحدى الفئتين (=المنافقين)، فهؤلاء على خلاف الفئة المؤمنة لم يكن إسلامهم بحثًا عن معنى جديد أو عن نظام عقدي طقوسي قيمي رأوا فيه القدرة على سدّ احتياجاتهم النفسية والاجتماعية، بل كان إسلامهم مجرّد تكتيك دفاعي يضمن لهم ألا ّيخسروا تضامناتهم القبلية أو منافعهم المادية، ولكنه في نفس الوقت كان يدفع بكبار المنافقين إلى الصفوف الخلفية في القرارات الكبرى، وفي الوجاهة الاجتماعية التي كانت لهم قبل مقدم الرسول والمهاجرين إلى المدينة، حيث تروي كتب التفسير أنّ عبد الله بن أبي قد كان قومه ينظمون له الخرز ليتوّجوه[6].

لو أنعمنا النظر في هذه الوضعية التاريخية لاستطعنا أن نفهم التجربة النبوية فهمًا مختلفًا عن الفهم السائد داخل المنظومات السلفية وذلك انطلاقًا من المعطيات التالية:

كان الموقف من الصلاة (السّخرية، الهزء، اللّعب، التكاسل...) تعبيرًا عن احتجاج قد يمسّ الشرعية النبوية رأسًا، كما أنه لم يكن موقفًا فرديًا يمكن تطويقه، فهو لا يعبّر عن ضعف الوازع الديني فقط، بل يعبّر أيضًا عن ضعف الولاء للشخص النبوي والجماعة المؤمنة وقيمها أو عقائدها التأسيسية. وكان هذا الوضع خطرًا الى درجة تجعل من غير الوارد التساهل معه، ولكن في نفس الوقت لا يمكن التعامل معه بمنطق صارم، هو منطق السلطة أو الدولة في مرحلتها الجنينية. فبالإضافة إلى طبعي الرحمة واللين الغالبين على الرسول - وهما يوضعان دائمًا في الروايات السنية على طرفي نقيض مع تشدّد عمر بن الخطّاب - فإنّ المنافقين كانوا يتمتعون بضمانات موضوعية ودينية لعلّ أهمّها:

§        الحصانة القبلية: التي لم يكن من السهل تجاهلها أو القفز على أهميتها الكبيرة؛ إذ لم يستطع الولاء للدين الجديد أن يحجب بعض تمظهراتها فاستمرّ النزاع القديم بين الأوس والخزرج وبين المهاجرين والأنصار، وهذا النزاع الأخير كان أساس الأحداث التي ترد في سورة المنافقون. كما أنّ هذا النزاع سيظهر على شكل تفجّر للمكبوت الجاهلي في اجتماع السقيفة لاختيار من يخلف النبي على رأس الأمّة بعد موته.

§        الحصانة التي يوفرها القبول الظاهري لمبادئ الدين الجديد وعدم المواجهة المباشرة والنسقيّة لما يتأسس عليه، بل الاستعداد للقسم على البراءة من التهم التي قد يرمى بها كبار المنافقين كلما اضطرّتهم الأحداث إلى ذلك، وحرصهم على إقامة الصلاة كي لا يكون الصراع ضدّ النبي صراعًا مفتوحًا إذ يروي الطبري "أنه أكثر على رجل من المنافقين عنده (=أي عند الرسول)، فقال: هل يصلّي؟، فقال: نعم، ولا خير في صلاته. فقال: نهيت عن المصلّين، نهيت عن المصلّين"[7].

§        الخوف من الدّعاية المضادة التي قد تعمل على تنفير الناس من الإسلام، وهو ما ردّ به الرسول على عمر بن الخطاب حين أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي قائلاً: "لا يتحدّث الناس أنّ ّرسول الله يقتل أصحابه"[8].

إنّ هاته الضمانات جعلت القرآن يحصر ردّه، أو حكمه، في البعد الأخروي (إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النار. النساء 4 /145) أمّا أقصى ما يمكن فعله في الدنيا فكان حرمان المنافق من الصلاة عليه عند الموت رغم أنه ظلّ يدفن في مقابر المسلمين، ولا تذكر كتب التفسير أنه قد تم بناء حكم خاص به في الدنيا وذلك لسبب بسيط هو استحالة بناء هذا الحكم أصلاً لوجود الضمانات التي ذكرنا سابقًا.

إنّ الموقف من الصلاة لا يفهم إلاّ ضمن السياق العام الذي تتنزّل فيه الشعيرة، فتركها كان من اللاّمفكّر فيه أصلاً، لأنه سيكون علامة خروج قطعي عن الجماعة. أمّا إنكارها فكان - من باب أولى - ممّا يستحيل التفكير فيه لأنه إنكار للوحي الذي يعتبر الأساس في التشريع لسلطة النبي. وتبعًا لهذا الفهم فإنّ النفاق هو: إخلال أخلاقي بالاتفاق الطوعي الذي بموجبه يتنازل المسلم عن تضامناته وولاءاته القديمة ليحصرها في الشخص النبوي والجماعة المؤمنة بصدق رسالته. وهو أيضًا خطر داخلي يمكن أن يضعف المسلمين، خاصة في فترات المواجهات وما كان أكثرها قبل فتح مكة. وهو، قبل ذلك كلّه، القطب الدلالي الذي لا يمكن إعادة قراءة الحكم المتعلّق بتارك الصلاة إلا باستحضار تأثيره المركزي في مسار التجربة النبوية.

هل نستطيع من هذه الوضعية أن نشتقّ منطقيًا حكمًا فقهيًا يتعلق بتارك الصلاة وتكون له صفة البداهة الملزمة؟ وهل توفّر التجربة النبوية - كما حاولنا إعادة فهمها - المرجعية المناسبة لبناء هذا الحكم أصلاً؟ ذلك ما سنحاول البحث فيه داخل المتون الفقهية وفي علاقاتها بالسياقات التاريخية المنتجة للأحكام داخل المجتمعات التقليدية.

2 - الإجماع الفقهي: بين الدوافع الدينية والإكراهات السلطوية-التنظيمية

إنّ الناظر في المدوّنات الفقهية التقليدية يلاحظ إجماعًا لا شذوذ فيه في حكم تارك الصلاة، على الأقلّ من جهة دخول هذا السلوك في دائرة التحريم. فلا نعثر في الأحكام المعتبرة عند أهل السنة على من خالف الإجماع الحاصل سواء من جهة وجوب الصلاة أو من جهة تحريم تركها، وإن انعقد الخلاف على ما دون ذلك من الأحكام المتصلة بذينك البعدين[9]. ماذا يعني هذا الإجماع؟ وهل هو مجرد قراءة أمينة للتجربة النبوية التأسيسية ومركزية الصلاة فيها، أم إنّ الرّهانات كانت أعمق من ذلك، خاصة إذا ما ربطنا الحكم ببنية المجتمعات التقليدية عمومًا وأشكال الشرعية فيها - وهي أشكال قد لا تبدو في ظاهرها ذات تعلق بالصّلاة - من مثل وظيفة التنظير للولاء السلطوي، والدمج الاجتماعي، ومراقبة نزعات التمرّد الفردية والجماعية، ورسم حدود الأنا الجماعية في مقابل أو ضديدًا للمقالات المنازعة سواء داخل الجسد الإسلامي الكلّي أو خارجه؟

لو نظرنا في المدوّنة السّنية المشكّلة لما يسمّيه الباحثون بالإسلام المهيمن أو الأكثري majoritaire - على الأقل في المستوى العددي الديموغرافي - لوجدنا أنّ المقالات الفقهية قد وجدت سندها المعرفي في الاستحالة المعرفية لأن تعي الجماعة في المجتمعات التقليدية ذاتها إلاّ عبر جملة من الطقوس التأسيسية التي ارتبطت بالبعد الجمعي. ولكن ما طبيعة هذه الاستحالة من الناحيتين المعرفية والواقعية التاريخية، ولماذا لم يكن المجتمع الإسلامي التقليدي قادرًا على تذليلها أو تجاوزها؟

إذا ما حاولنا التفكير من خارج المنطق الفقهي عند حديثه عن الصلاة، وبالتحديد إذا ما أعرضنا عن المحاجّة الفقهية سواء في وجهها الإيجابي (= الأجر الذي يتضاعف ويتكثّر في صلاة الجماعة وحضور الجمعة والأعياد)، أو في وجهها السلبي (= العقوبة التي تصل إلى حدّ القتل حدًّا أو كفرًا)، فإننا نستطيع أن نردّ الإجماع الفقهي إلى مركزية الوظيفة التي أدّتها الشعائر والطقوس الدينية داخل المجتمعات التقليدية، وهي وظيفة تخترق كل الأبعاد الوجودية للفرد المسلم وتجعل من المستحيل التفكير عمليًا بإمكانية التخارج عن جملة التضامنات والمحدّدات الموضوعة له، اللهم إلاّ إذا ما كان الانسان قابلاً لأن يعرّض هويته نفسها للخطر.

تمكّننا القراءة المعمّقة للمجتمعات الإسلامية التقليدية من ملاحظة الوقائع التالية التي ساهمت في تشكيل الأطر الاجتماعية للمعرفة الفقهية من جهة، وفي تحديد مجالات هيمنتها وحدود تلك الهيمنة من جهة أخرى:

1.    شيوع الأمّية: فرغم غياب الإحصائيات التي تجعل هذه الملاحظة خارجة عن حدّ التخمين فإنّ واقع المجتمعات الإسلامية والعربية على أيامنا يشرّع إلى حد كبير الجزم بأنّ الأمّية كانت هي الغالبة وخاصة خارج المراكز الحضرية، وهو ما يفسّر الى حدّ ما ظهور أشكال من التّدين التي لم تكن خاضعة لمرجعيات الثقافة العالمة ومدوّناتها المكتوبة.

2.    ارتباط المؤسسة الفقهية بالمراكز الحضرّية: فالفقه كان أساسًا صناعة حضرية – بالمعني القديم لكلمة صناعة - لأنّ كبار الفقهاء والمجتهدين داخل المذهب والمفتين والقضاة، قد انحصر مجال تكوينهم بل ودوران نصوصهم داخل المجال الحضري أساسًا. وهو المجال الذي كان هو المقصود أصالة بالتنظيم والمراقبة أو بالتشريع، لهيمنته على الأطراف من البوادي تبعًا لجدلية المخزن وبلاد السيبة المغربية، وهو جدلية يمكن إجراؤها على كامل العالم الإسلامي مع مراعاة اختلاف التسمية وقوة الحواضر وحدّة العلاقة العدائية بين المراكز السلطانية - المعرفية وبين أطرافها أو هوامشها، تلك الهوامش التي بقيت إلى حدّ كبير مستعصية على الاختراق الكلّي من قبل السلطات الحضرية سواء السياسية منها أو العلمية.

3.    تعدّد أنماط التّدين داخل نفس الفرقة: فأهل السّنة مثلاً لم يعرفوا نمطًا أوحد للتدين سواء في المستوى التزامني (أي في لحظة تاريخية واحدة)، أو في المستوى التعاقبي (داخل حقب تاريخية متتالية)، وهذا الواقع التعددي قد تجلّى خاصة في التدين الشعبي الذي كان ينزاح بدرجات متفاوتة عن المعيار النصي ولكنه كان يستدمج جزئيًا في المنظومات الفقهية ويتسامح معه من السلطات السياسية، بل ويتقرّب منه في بعض المراحل التي هيمنت فيها الطرق الصوفية على الوعي الديني حتى داخل الحواضر.
لم يكن الإنسان في المجتمعات التقليدية يعرّف خارج تضامناته وارتباطاته التي تشكل دوائر انتماء تشدّه إلى جماعة مخصوصة، فهي في الدائرة الكبرى مسلم يقابل كل التراثات الدينية المنازعة كتابية كانت أو غير كتابية. وهو في الدائرة الوسطى؛ سنّي أو شيعي أو خارجي، يقابل جماعات دينية يشترك معها في نفس الأصل العقدي ويتباعد عنها في مرجعياته وشخصياته وأزمنته التأسيسية. وهو في الدائرة الدنيا حنبليّ أو مالكيّ أو حنفيّ يرتبط بإحدى المدارس الفقهية التي كانت في بعض العصور تتضخّم الى مستوى الفرقة بل الملّة. إنّ كل هذه الانتماءات كانت في الأغلب الأعمّ موروثة، ولم يكن الانتقال منها عملية سهلة خاصة إذا ما كان اتجاه الاختيار يضادّ التراث المهيمن، فالمسيحي كان يستطيع أن ينتقل بسهولة إلى الإسلام في ظل الحكم الإسلامي، أما المسلم فكان هذا الانتقال لا يعني فقط تغيّرًا في مستوى العقائد، بل يحمل على تغيير الولاء السياسي كذلك وهو ما يرمي بصاحبه في دائرة الرّدة.

4.    الوظائف المتعددة للشعائر الدينية: قد لا يرى المتديّن في الشعائر إلا فرائض أو واجبات تعبّر عن انفتاح كلّي على المطلق الذي اختار أن يتحدّث العربية في آخر تجلياته الدنيوية. ولكنّ هذا المتدين نفسه قد لا يجادل كثيرًا في أنّ تلك الفرائض إنما تؤدّى في سياقات تاريخية معيّنة تتحكّم ضرورة في وظائفها ودلالاتها الفردية والجماعية. فالصلاة مثلاً لم تكن مجرد علاقة عمودية بالله، بل هي علاقة ذات امتدادت أفقية واقعية عديدة. فهي المظهر الأهمّ للولاء لقيم الجماعة. بل لسلطة الجماعة وإمامها. لذلك شدّد الفقهاء على فضل الجماعة وحضور الجمعة، وحثّوا على الالتزام بهما ترغيبًا وترهيبًا بما ساقوه من الأحاديث والآثار. فترك المسجد ليس فقط مجرّد علامة ظاهرية على ضعف الإيمان أو الوازع الديني، بل قد يكون مظهرًا من مظاهر الطعن في القيم الجمعية أو في السلطة السياسية التي كانت بطبيعتها تشتكي من قصور بنيوي في أنماط شرعيتها بعد أن أباح الفقهاء إمامة الغلبة التي لا سند لها إلا قوّتها العارية[10].

كانت الصلاة على العهد النبوي قد عملت على إعادة بناء الجسد الجاهلي في أبعاده الكلية، وأنبته نباتًا داخل المقدّس الإسلامي الناشئ، وأنتجت ممارسة طقسية تعمل كعلامة تمييزية أساسية للنسق الاعتقادي الجديد في مواجهة الأنساق الكتابية والعقائد الجاهلية. كما كانت العبادات في إحدى وظائفها مراقبة دائمة وترويضًا لإرادة أتباع الديانة وكسرًا للاندفاعة الجاهلية الرافضة للولاءات خارج الإطار القبلي المغلق.

أمّا في المجتمعات التقليدية، أي بعد موت الرسول (ص)، فإن الفقه قد حاول المحافظة على الوظيفة المركزية للصلاة بما هي التجلّي الأمثل لوحدة السلوك الجماعي أو وحدة الإمامة السياسية والمرجعية العلمية المعتبرة. ولكنّ الولاء لم يعد لجماعة صلبة لا انشقاقات فيها تتطابق فيها تشكيلة ايديولوجيّة معرفية مع مجمل الجسد الإسلامي الكلّي[11]، أي إن البناءات الفقهية سواء في مستوى الأصول أو الفروع لم تكن رغم نزعتها التعميمية إلاّ محاولة لضبط وتنظيم فضاء محدّد هو الفضاء الذي قد تبنّى اختياراتها وعمل على نشرها في الفضاء العام، سواء بالإكراه أو بالوسائل التقليدية كالتعليم وإنشاء المدارس. ولكن ماذا يعني ربط المتون الفقهية بفضاء محدّد أو مجال مخصوص لا يشتغل واقعيًا إلا في علاقة تقابل واعية أو غير واعية مع سياقات ترفض الدمج والانتماء إلى المواقع التي تصدر منها أحكام الفقهاء؛ سواء من جهة المرجعيات العلمية أو الارتباطات السلطوية؟

إنّ هذا البعد السّياقي يجعل من الحكم الفقهي لتارك الصلاة متجاوزًا بالضرورة لهواجس تنظيم الانزياحات الفردية عن المعايير والضوابط الشرعية ليرتبط برهانات أعمق. فترك الصلاة ليس فقط تعبيرًا مرئيًّا عن توجهات فكرية قد تنذر الفقهاء بفقدان سلطتهم المرجعية، بل إنّه قد يكون مرحلة أولى في مسار قد ينتهي بالخروج عن قيم الجماعة وسلطانها. كما أنَّ المسجد لم يكن مجرَّد مكان لتأدية العبادة بل صار مكانًا لإظهار الولاء ولمراقبته من قبل السّلطات القائمة. إنه المكان الذي يتمّ فيه نقل المعارف المهيمنة وما يؤسّسها من مرجعيات، أو ولاءات، للسلطات القائمة. ولذلك لم يكن تشديد الفقهاء على الجمعة والجماعة من باب المزايدات التقَوية بقدر ما كان معبّرًا عن هاجس دفين قد حدس بأهمية المسجد في عملية الضبط والمراقبة. حيث يحدِّثنا التاريخ الإسلامي عن أنماط من التديّن أو الروحانية التي كان تعبيرها الأساسي إنشاء أماكن عبادة خاصة بها سواء كانت تلك الأماكن موضوعة لإظهار معارضة السلطان والطعن في شرعيته (المساجد والمشاهد الشيعية)، أو لإظهار الولاء لمرجعيات جديدة (الزاوية أو الخانقاه الصوفية). بل إنّ غياب المسجد أو العبادة في شكلها المؤسّسي – الجمعي قد كان الشكل الاحتجاجي الأقصى الذي اختارته بعض التيارات الفكرية الغالية كالدّروز أو غيرهم للتعبير عن رفض السّلطات القائمة سياسية كانت أو علمية – فقهية[12].

لقد كان الفقهاء متشدّدين – نظريًّا – مع تارك الصلاة، لا لكونه يعبّر عن اختيارات شخصية بل بالأثر الاجتماعي الخطير الذي قد يكون لهذا الاختيار خاصة إذا ما كان من موقف نظري ينكر وجوبها. ولكنّ هذا الأمر كان شاذًا ومحصورًا ضمن البعض من الفئات – العالمة - من المتكلّمين أو الفلاسفة أو غلاة المتصوّفة، وذلك لحاجة المواجهة النّظرية لإجماع الفقهاء إلى عدّة عقلية مخصوصة لا تتوفر إلا لذي قدم راسخة في النظر والجدال. أمّا الاحتمال الثاني ألا وهو تركها تهاونًا مع الإقرار بوجوبها، فقد كان هو الغالب، وذلك لعدم احتياج هذا السلوك إلى مسوّغات نظريّة؛ فهو سلوك عفوي لا يعبّر عن اعتراض أو تحدّ للسلطات القائمة. فلماذا إذن يتم تسويته في الحدّ مع حكم ترك الصلاة إنكارًا لوجوبها، رغم بعض الاختلافات البسيطة التي لا تمثّل في النهاية إلاّ اختلافات في تعليل الحكم أو في تقدير المنهج الأفضل لتحقيق الفاعلية القصوى للعنف الممارس على جسد المتهاون بالصلاة، وهو ما يمهّد وهبة الزحيلي لتفصيله عند الفقهاء قائلاً: "وأمّا عقوبتها الدنيوية لمن تركها كسلاً وتهاونًا، فلها أنماط عند الفقهاء"[13].

لا يجب البحث عن جواب لهذا السؤال داخل البعد الديني المحض، بل يجب تلمّسه في ما يعكسه إصرار تارك الصلاة على موقفه حتى بعد الاستتابة. فالمسلم الذي يظلّ على موقفه ولا يهزّه حكم الموت، يخرج بسلوكه من حيّز الحال الى حيّز الموقف الواعي، وهو ما يجعله لا يختلف حقيقة عن ذلك الذي أنكر وجوب الصلاة. وهو وجوب قد عدّ من لدن الفقهاء من المعلوم من الدين بالضرورة. فالموت لا يحصل إلا لمن تحدّى الإجماع داخل الفرقة أو الديانة.

ولا يذهبن في ظنّنا أنّ السلطة السياسية أو المؤسسة الفقهية كانت دائمًا تمتحن الناس وسلوكاتهم، فقد كان الغالب عليها التسامح، إلا في فترات الأزمات الاقتصادية، أو فترات نشوء الدول، حيث كان السلطان يعمد في الغالب إلى إظهار نزعة تقوية تقوم دليلاً على انحيازه لملّته في الحالة الأولى، أمّا في الحلة الثانية، فكان يريد إظهار تمايزه الجذري عن شيوع الفساد الأخلاقي والتفسّخ الديني في الدولة السابقة، ممّا يكسبه في الحالتين رضا العامة ومساندة الفقهاء.

ولذلك كان حكم تارك الصلاة مجرّد حكم معياري لا يمكن تطبيقه إلا في حالات معيّنة يكون الغالب عليها الأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية المتحكّمة في الصراع على الرّساميل المادية للمجتمع وإن تلبّس كل ذلك بلبوس الدين واصطبغ بصبغته.

لذلك لا يجب أن نجعل من الأحكام الفقهية مرجعًا موثوقًا لقراءة وقائع التاريخ فهي في أفضل حالات قيمتها المعرفية-التاريخية قد تستثمر في بناء تاريخ للأفكار الدينية المهيمنة أو المتداولة داخل المجتمعات التقليدية. أمّا الواقع التاريخي فمن المتأكد أنه لم يكن يومًا خاضعًا خضوعًا كلّيًا لأحكام الفقهاء المعيارية، إذ لم يستطع الفقه رغم كل مزاعمه الإطلاقية أن يخضع مجمل الفضاء الاجتماعي لسلطته. فالبوادي والأرياف ظلّت مستعصية على أحكام الفقهاء في العديد من القضايا التي حكمها العرف وأشكال التدين الشعبي أكثر من تخريجات الفقهاء، من مثل نظام التوريث والحجاب والاختلاط بين الجنسين. إذ كان للبوادي فقهها "العرفي" الذي لا يشبه كثيرًا فقه الحواضر. كما يمكن أن نمثّل لهذه الحقيقة بحكم تارك الصلاة نفسه. فلو أجري الحكم الفقهي في معياريته الفقهية النظرية، لحدّثتنا كتب التاريخ عن آلاف الأرواح التي أزهقت خاصة في البوادي حيث هيمنت أشكال من التديّن الشعبي التي قد تتضارب بالكلّية مع أشكال التديّن المعترف بها والمشروعة في الثقافة الحضرية العالمة.

لقد كان الفقيه في المجتمعات التقليدية يحاول تنظيم جماعة لا تستطيع أن تتمثّل وجودها من خارج المعطى الديني، لاعتباره أساس اجتماعها، ولذلك كان عليه أن يرعى الإجماع الحاصل في بعض الممارسات الدينية، لأنّ المسّ بها قد يؤذن باختلالات كبيرة تمسّ بقيم الجماعة المؤسّسة لوجودها. وكانت هذه الرعاية تتمثل أساسًا في بناء تشريعات لها طابع المعيارية، وهو ما يعني عمليًّا انفلات أجزاء من الواقع من هيمنتها. ونحن نعني بالواقع هنا – دوائر انتماء مختلفة تبدأ من المذهب الفقهي وتمرّ عبر الفرقة لتنتهي بالإسلام أو الملّة. فالتاريخ يخبرنا عن صراعات مريرة عرفتها المذاهب الفقهية السنية فيما بينها، حتى صار لكل مذهب مساجده الخاصة، رغم وحدة الفرقة (=السّنة). كما نعلم أيضا أنّ أهل السنة كانوا يشكّلون عند الضرورة جبهة موحدة ضدّ الفرق الإسلامية الأخرى كالشيعة والخوارج وغيرهم. وفي الدائرة العليا للانتماء كان المسلمون جميعًا ينظرون إلى تراثهم الديني باعتباره الناسخ والمكمّل للأديان الكتابية السابقة والذي عليه أن يهيمن على التراثين الكتابيين الآخرين.

إنّ هذه الملاحظات التي تبدو بديهية، ستغيّر كثيرًا من قيمة حكم تارك الصلاة إذا ما عرفنا أنه لم يكن موجّهًا إلى عموم المسلمين، بل إلى المنتمين إلى فرقة معيّنة، لأنّ حكم التكفير الذي يدمغ به المنازعون من أغلب فرق الشيعة أو الخوارج أو المعتزلة - ومن باب أولى من نعتوا بالغلاة كالدروز والنّصيرية والقرامطة وغيرهم - تجعل من باب العبث الحديث عن حكم تارك الصلاة من المنتسبين إليها. فالكلّ كافر من جهة المعتقد، ولا تصحّ الشعائر جميعها بما فيها الصلاة، إذا لم تتأسّس على عقيدة صحيحة. وبالطبع لم تكن تلك العقيدة إلاّ عقيدة السلف في نسختها المعتمدة عند المحدّثين أو في نسختها الأشعرية المعقلنة التي رغم ظهورها أساسًا للدفاع عن عقائد المحدّثين بالأدلّة العقلية، فإنها لم تستطع أن تنال رضا هؤلاء أو أن تنزع توجّسهم البنيوي من النظر العقلي[14].

يظهر هذا الترابط بين العقدي-الطقوسي والمعرفي-السلطوي أنّ حكم تارك الصلاة ليست له صفة البداهة والعموم التي تزعمها الخطابات السلفية المعاصرة، بل إنّ إلحاحها على اعتباره مقوّمًا مركزيًا في التدين المقبول شرعًا، ليس إلا مظهرًا حديثًا من مظاهر التوظيفات الايديولوجية التي خضعت لها العديد من الشعائر والعقائد في الإسلام وذلك في إطار الصراعات الدامية من أجل السيطرة على المجال العام ورساميله المادية والرمزية.

3 - تعدّد المرجعيات وثقل الموروث: المجتمعات الحديثة

لقد كان من الطبيعي أن يوجد الفقيه - مشرّع المجتمعات التقليدية – جملة من الآليات التأويلية النصية، بل كذلك وجوها من التحالفات الموضوعية مع السلطة السياسية وذلك للدفاع عن تخريجاته وأحكامه. ولم يكن داخل المجال المعرفي المؤطّر لفعل الكتابة بقادر على إسنادها إلاّ إلى حجته الدينية التي كانت هي الحجية الوحيدة المعتبرة داخل المجتمعات التقليدية الحاضنة لأنظار الفقهاء من المدارس المختلفة. لكنّ ظهور مواقع حديثة للتفكير والتنظيم يجعل من اللازم مساءلة كل الموروث الفقهي وبالتحديد أولئك الذين يدافعون عن تنزيله الحرفي داخل المجتمعات الحديثة. ولعلّ السؤال الذي يطرح هنا هو: إلى أي حد تستطيع الأحكام الفقهية - على افتراض مطابقتها لمقاصد الدين وكونها مقوّمًا ماهويًا من مقوّمات الإسلام - أن تتصدّى إلى تنظيم السلوك الفردي المعبّر عن العقائد الإيمانية داخل مجتمعات حديثة لم تعد تفهم نفسها أو آليات اشتغالها بربطها بالبعد الديني؟ وهل فعلاً تتناقض الحداثة مع المواقف الإيمانية تناقضًا جوهريًا أم إنّها تقدّم للتجربة الدينية فرصًا أعمق ودروبًا أوسع، لأن تنمو من غير إكراهات المؤسّسات المشرفة على تنظيم الفكر والسلوك وإدارة شؤون المقدّس داخل المجتمعات التقليدية؟

لقد أوجدت الحداثة وضعًا ثقافيًا لا سابق له في السياقات الإسلامية، فلأوّل مرة يجد المسلمون أنفسهم داخل منظومة فكرية لا تنتمي إلى المنظومات الدينية التي كانت تتنافس بأشكالها المختلفة على الهيمنة داخل المجتمعات التقليدية. فالحداثة قد أنتجت رؤية للعالم تناقض في الكثير من خصائصها الرّؤية الدينية وهي الرؤية التي تدفع بالفرد المسلم إلى خارج تضامناته الدينية الموروثة، وخارج جملة الالتزامات الفكرية والسلوكية التقليدية. كانت المنظومات الدينية تقدّم للفرد جملة من الحقوق والامتيازات. خاصة إذا ما كان منتميًا للدين المهيمن سياسيًا وثقافيًا. ولكنّ تلك الحقوق لا تنفصل عن واجبات وإكراهات خارجية كان يخضع لها الفرد لإحداث التوافقات الضرورية فكريًا وسلوكيًا لاشتغال الجماعة التي ينتمي إليها وقمع إمكانيات التفكّك أو التحلل التي قد تنذر بها بعض الانشقاقات الفردية.

ماذا يعني أفق الحداثة ونظرته الإنسانية المتموقعة خارج التحديدات الدينية عندما يصطدم بواقع ثقافي مجبول على المعطى الديني كما يصفه محمد أركون؟ هل هناك تعارض حقيقي بين قيم الحداثة وروحانية التدين، أم إنّ التعارض يقع أساسًا مع النظرة الدوغمائية المؤسساتية للدين، تلك النظرة الهادفة إلى الهيمنة على الفضاء الاجتماعي وإقصاء أو قمع كل مظهر لروحانية مغايرة لها في فهمها الحرفي أو الظاهري للتجربة الإسلامية التأسيسية أي التجربة النبوية؟

لقد عنت الحداثة بالنسبة للمسلمين تحدّيًا أشعرهم لا بالتخلف عن النص فحسب، أي عدم مطابقة الواقع للصورة النموذجية للزمن التأسيسي أو لما ينبغي أن يكون، بل أيضًا أشعرهم التحدي الحداثي بالتخلف عن واقع آخر كان الاستعمار مظهره العدواني الأبرز[15]. كما أنّ الحداثة أيضًا أظهرت للمسلمين - ولكل المجتمعات التقليدية ما قبل الحديثة - إمكان تنظيم الوجود الاجتماعي من خارج المنظومة الدينية أو على الأقل بفتح هذه المنظومة على إمكانات تأويلية كان الثبات النسبي للمجتمع التقليدي قد عمل على إظهار عدم الاحتياج إليها قبل الصّدمة الحداثية. إنّ الحداثة بطرحها واقعيًا لنماذج مختلفة لتنظيم المجال الاجتماعي من خارج المرجعية الدينية[16]، قد قدّمت للمسلم إمكانات مغايرة لتدينه التقليدي بل إمكانات لنفي التدين أصلاً من دون أن يفقد انتماءه الذي صارت ضماناته ووساطاته لا تمّر عبر الأطر التقليدية ذات الأسّ الديني. ولقد عملت الحداثة على إزاحة التوسّطات التقليدية التي كانت تعرّف الفرد اجتماعيًا وسياسيًا، وذلك بتعويضها وإزاحتها من المجال العمومي عبر مفهوم محوري هو مفهوم المواطنة - وهو أساس التعريف القانوني للفرد الحديث داخل الدول الوطنية - ممّا أظهر إمكان تنظيم الفضاء الاجتماعي دون اللجوء إلى الدين أو على الأقل بتقليص أثره إلى الحدود الدنيا خاصة في المجال العام.

كما أنّ أغلب الأحكام الفقهية قد تمّ تجاوزها في التشريع الحديث لأغلب المجتمعات الإسلامية، اللّهم ما يتصل بالأحوال الشخصية وبعض الأحكام الدستورية التي تنصّ على الديانة الإسلامية للملك أو الرئيس أو على طبيعة الدولة خاصة في المجتمعات التي يشكل فيها المسلمون أغلبية السكان. ولكنّ هذا التوجه الحداثي العام قد ظل مخترقًا بنموذج سلفي سيكون له أثره السلبي الكبير في العصر الحديث ألا وهو النموذج الوهّابي، الذي يجعله علي أومليل، واحدًا من ثلاثة تيّارات إصلاحية إسلامية نشأت خارج المجال الحضري. فلم يكن التخلّف الخارجي مكوّنًا بنيويًّا من مكوّنات الخطاب فيها. ولمّا انكمش التأثير التاريخي لحركتين منها (=السنوسية والمهدوية) أو انعدم تمامًا، فقد أصبح النموذج الوهّابي المتبقي على الرغم من تقدميته في أول أمره - باعتباره طرحًا توحيديًا كانت تحتاجه الجزيرة العربية المنقسمة على ذاتها سياسيًا وثقافيًا -[17] نموذجًا معرقلاً لكلّ المحاولات الهادفة إلى تبيئة الحداثة المفهومية داخل المجتمعات الإسلامية، وذلك لتأسّسه على فهم حرفي للإسلام مقصده الكلّي والنهائي هو خدمة نموذج ديني لاحتكار المجال العام ومراقبة وحدتي السلوك والاعتقاد ورفض كل اختلاف يصدر من خارج الدائرة المعترف بها وهي أساسًا الفقه السّني المذهبي في نسخه الأربعة.

لا يمكن فهم حكم تارك الصلاة إلا ضمن رؤية للكون لا تتصوّر إمكان تنظيم المجتمع من خارج المرجعية الدينية التراثية، وهو ما يعني عبثية المحاولة التي تنقد السلفية نقدًا موضعيًا يهتم بالرد على الأحكام الفقهية الجزئية. فالرّد الأمثل على هذا الفكر هو البحث في آليات تشكّله وكيفيات اشتغاله واستراتجيات تعامله مع النصوص المرجعية والبحث في ترابطاته السلطوية وبياضاته التي تبين عن مقدار الوهم الذي يتأسس عليه في ادعائه مطابقة النص القرآني والمعيش النبوي ومقاصد التشريع.

لقد قدمت الحداثة للمسلم إمكانية تاريخية نادرة لأن يحيا دينه من خارج الإكراهات الخارجية ومن دون أن تمسّ حقوقه الأساسية في دولة وطنية أساس الاجتماع فيها مبدأ المواطنة. فالتدين داخل المجتمعات التقليدية لم يكن بقادر على أن يقدّم للمسلم هذه الإمكانية، إذ لم يكن هذا الأخير يستطيع أن يقيم نوعًا من المسافة النقدية تجاه تراثه الخاص من دون أن يواجه كل تلك الأخطار التي يحدثنا عنها التراث الفقهي على الأقل في مستوى معياري. أمّا الحداثة فإنها تعود بالتدين إلى روح الزمن النبوي. فالإسلام عاد مرة أخرى "اختيارًا حرًّا" أو ما يسمّيه محمد الطالبي "قفزة إيمانية"[18]

يستطيع كل شخص القيام بها أو الامتناع عنها دون أن يفقد هويته أو مواطنته ولذلك لا يكون الاحتكام إلى المنطق الفقهي الإكراهي من طرف الأطروحات السلفية إلا رغبة لا واعية في إيجاد أصناف من الناس لا يمكن وضعهم إلا في خانة النفاق إذا ما استعرنا المفهوم القرآني أو ضمن الحالات الانفصامية المرضية إن نحن اعتمدنا الشبكة المفهوميّة النفسية ومنهجها التفسيري للاضطرابات النفسية في المستويين الفردي والجماعي.

إنّ الاشتغال على المنظومة العقابيّة التي أوجدها الفقهاء لتحقيق وحدة الاعتقاد ووحدة السلوك، هو من أهم الوظائف الراهنة للعقل النقدي. وهي المرحلة التي يسعى فيها الخطاب السلفي الهيمنة على مجمل الفضاء الاجتماعي بدعوى مطابقته الحصرية للإسلام المعياري أو الصحيح. وقد حاولنا في هذا الموضع من البحث بيان مدى خطورة هذه الدعوى بما يحكمها من "ذهنية الإلغاء"[19] الموجّهة بمفاهيم التكفير والتبديع والمضادة جوهريًا للحداثة وخاصة في مكسبها الأهم ألا وهو شرعة حقوق الإنسان وما تضمنه من حرية التفكير والمعتقد.

لا شكّ أنّ هذه المحاولة التفكيكية لبعد موضعي من أبعاد المنطق الفقهي، إنما تتنزّل ضمن مجهودات عديدة لإرجاع المنظومات الفقهية إلى موقعها الحقيقي باعتبارها أبنية فكرية تاريخية قد انحكمت بسياقاتها وتحكّمت فيها ضمن جدل ليس هذا موضع التوسّع فيه. ونحن نرى أنّ هذه المجهودات النقدية[20] تمثّل ضرورة تاريخية تضمن تحييد سلطة الفقيه، وذلك بحرمانه من مشروعية احتكار الحديث باسم المقدّس الذي بينّا أنه لم يكن في النهاية إلا حديثًا باسم فرقة أو مذهب يتمّ مطابقتهما ضرورة بالجماعة المسلمة الأولى على زمن النبي، وكذلك بمجمل الجسد الإسلامي الكلّي، وهو مسلك معرفي نعتبره مركز فاعلية الخطاب السلفي أو ما يمكن تسميته - اقتباسًا لمفهوم مالك بن نبي عن القابلية للاستعمار - بالقابلية النفسية–الذهنية للمسلم، وهي المؤسّسة لمشروعية الخطابات السلفية داخل الوعي الجمعي ذي التكوين التقليدي. كما أنّ تفهّم القيمة التاريخية والوجدانية للمنظومة الفقهية والبحث في كيفيات بناء أحكامها والرهانات الحقيقية التي خدمتها، يساعد في تحجيم سلطتها الراهنة على الضمير الديني من دون أن يتّخذ الخطاب النقدي الحداثي شكل الصراع مع المقدّس وأشكاله التأسيسية ما قبل الفرقية، أو ما يسمّيه بنسالم حمّيش بالإيديولوجيا العضوية.

إنّ الخطاب الحداثي، وهو يتصدّى لنقد المقالات السلفية، يمكن أن يساهم في إيجاد تمثّلات دينية مغايرة لا تفصل الكائن عن المطلق، بل تردّه إليه من منظور جديد متأصّل في الوعي الحداثي ولكنّه منفتح على التجربة الروحانية التي كانت على الزمن النبوي، حيث الصلاة انفتاح على الإلهي من غير جبر ولا إكراه، بل باختيار حرّ يمثّل المسؤولية الأخلاقية الفردية في أبهى تجلّياتها. تلك المسؤولية التي تعامل معها النص القرآني من نفس الموضع الذي تتأصّل فيه ألا وهو الأفق الأخروي فكان أن حصر الجزاء – عقابًا وثوابًا - في هذا الأفق أساسًا. ولم تكن المدارس الفقهية على اختلافها إلاّ محاولات نسقية لعكس هذا المسار الروحي الأصلي وذلك بحكم الوظائف التي كان عليها تأديتها في المجتمعات التقليدية. فكان أن أعلت من شأن الإكراهات الخارجية وأعرضت عن الدّوافع الفردية كالصدق أو الاقتناع أو الإشباع الحقيقي للاحتياجات النفسية وذلك لتنزّل كلّ ذلك في البواطن التي تتأبّى عن المراقبة الخارجية. وفي النهاية فإنّ الأنظار الفقهية حتى عندما أضفت القداسة على اختياراتها بإسنادها إلى القرآن والسنّة والإجماع، لم تستطع أن تخفي طابعها التاريخي المرتبط بحاجات المجتمعات التقليدية التنظيمية وما يحكمها من ترابطات سلطوية-معرفية كانت تتحرّك أساسًا في المستوى الفرقي-المذهبي.

الخاتمة

انطلقت هذه الدراسة من قناعة أخلاقية مدارها أنّ التدين إن لم يكن طوعيًا اختياريًا صادقًا فلا يستحق هذا الاسم أصلاً، ولا تكون أحكام الفقه عندها إلا صورة من صور تنظيم المجتمع لأغراض سلطوية دنيوية لا يحضر فيها البعد الروحي إلا باهتًا لا يكاد يبين. لقد كان العقل الفقهي يقارب الانزياحات السلوكية باعتبارها تعدّيًا إما على حقوق الله وإما على حقوق الناس، ووقع الإجماع على اعتبار الإخلال بالشعائر الرئيسية كالصلاة انتهاكًا لحقوق الله التي لا يجوز إسقاطها أو التشفّع فيها، بل أجمع أهل السنة على أنّه "لا يكفّر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها، فإنه من تركها من غير عذر وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأخرى فهو كافر وإن لم يجحدها"[21]، وقد حاولنا في هذا البحث أن نفهم الرهانات الواقعية التي وجّهت هذا الإجماع الفقهي وجعلت من المستحيل داخل المجتمعات التقليدية إمكان نجاح أي محاولة لخرقه. فالترابطات العميقة بين المعرفة الفقهية وتوظيفاتها السلطوية من جهة أولى والوظيفة البنيوية للعامل الديني في تشكيل المجالين الخاص والعام من جهة أخرى، كلّ ذلك كان يعطي للإجماع الفقهي سلطة لم تخضع للمساءلة والنقد إلا بفقدان الفقه لمرجعيته التشريعية الأحادية بحكم الظاهرة الاستعمارية وما صاحبها أو نتج عنها من ظهور الحاجة إلى تشريعات لم يكن الفقه الذي وجد أصلاً لتنظيم المجتمعات الزراعية بقادر على تقديم الحلول الملائمة لها.

لم يكن من أهداف هذا البحث أن نعيد النظر في حكم وجوب الصلاة، ولم يكن من مقاصدنا الكشف عن آليات تشكّل هذا الحكم. كل ما طمحنا إليه هو تبيان مدى التّحكّم الذي طبع الأنظار الفقهية في الربط الضروري الذي أقامته بين حكم الوجوب من جهة وبين المنظومة العقابية المسلّطة على تارك الصلاة من جهة أخرى[22]. وهو ربط في الحقيقة ليس إلاّ تاريخيًا مووعيًا ولا يمكن أن يكون جوهريًا أي تقتضيه الماهية العقدية للإسلام. ولم يكن غرضنا في هذا البحث أن نطعن في مدى مشروعية هذه الرؤية ضمن سياقاتها التداولية الأصلية، أي داخل المجتمعات التقليدية ما قبل الحداثية المنظّمة على أساس ديني – على الأقل في المستوى المعياري - وإنما هدفنا إلى بيان وجوه التهافت والتناقض التي تلزم العقل المسلم إن هو استمرّ أسير التحيين الآلي للموروث الفقهي، دون الانتباه إلى السياقات التاريخية الطارئة، وما تستوجبه من تغييرات جذرية في مستوى المنهج والمفاهيم المعتمدة في مقاربة الظاهرة الدينية، وفي الأشكال الممكنة للبحث عن المعنى من داخل المنظور الديني، غير المتنكّر لمكتسبات الحداثة وإكراهاتها المعرفية والواقعية، التي تذكّرنا في كل حين أنّ الطرق إلى الله - أو إلى الشيطان - بعدد أنفاس الخلق. وهو ما تعبّر عنه الصياغة الفلسفية لجون رولز عندما تحدّث عن "التفاهم المتماسك" المؤسّس للأخلاق المبنية على المسؤولية، أي تلك الأخلاق المستقبلية الكونية التي لايمكن للمنطق الفقهي بمنظوره التراثي ما قبل الحداثي أن يكون أحد الأطراف المساهمة في بنائها[23].

*** *** ***

الأوان: الأحد، 18 تشرين الأول (أكتوبر)، 2009


 

horizontal rule

[1]  يعدّ الإجماع عند أهل السّنة من الأصول المعتبرة في التشريع ولكنه لا يتأسس إلا من خلال آليات غير مسلّم بها أو مجمع عليها بين علماء الأصول القدماء. فالإجماع متنازع فيه من جهة الحدّ والتعريف إذ

المقصود به، عند البعض إجماع أهل المدينة وعند غيرهم، إجماع العلماء في عصر ما على مسألة ما، وهو عند آخرين إجماع الأمّة. وكل هذه التعريفات، على اختلافها، لا تستوي أنظارها وتخريجاتها إلاّ ضمن السياج الفرقي المغلق الذي يتم فيه المطابقة بين الفرقة والأمّة.

[2]  وهبه الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلّته (ج1)، ص 502.

[3]  لا يوجد اتفاق بين المؤرّخين في تحديد بدايات الحداثة في الغرب ولكنّ الثابت أنّ المجالات الطّرفية أو هوامش المتروبوليت الغربي - ومنها الفضاء العربي الإسلامي - قد عرفت اتّصالها الصّدامي الأوّل مع

الحداثة من خلال الحدث الاستعماري. وعلى هذا الاعتبار تكون المجتمعات التقليدية المقصودة في البحث هي تلك التي لم تخترقها الحداثة بما هي رؤية للعالم وبما هي جملة من المنظومات القيميّة والأنماط السلوكية المعلمنة التي لا تبحث عن مرجعيتها أو شرعيّتها داخل الأنساق الدينيّة.

[4]  انظر: محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مادّة ص.ل.ل.

[5]  انظر: المكتبة الشاملة (نسخة الكترونية)، تفسير الطبري، ص 408.

[6]  نفس المصدر، تفسير سورة المنافقون، ص 407.

[7]  نفس المصدر، ص 405.

[8]  نفس المصدر، ص 403.

[9]  انظر: وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلّته (ج1 - الطهارة والصلاة)، دار الفكر، دمشق، 1989. وانظر: أحمد محمد عسّاف، الأحكام الفقهية في المذاهب الإسلامية الأربعة، دار إحياء العلوم، بيروت،

 1981. وكذلك عبد الرحمان الجزيري، كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (ج1 - العبادات)، دار الفكر، بيروت، 1996. إننا نجد إجماعًا لا شذوذ فيه داخل المدوّنات الفقهية على وجوب الصلاة. وهو إجماع ملّي أي يخترق التسييجات الفرقيّة كلّها ولكنّه إجماع مخادع إذ تربط كل فرقة حكم الوجوب بشروط في مستوى العقائد الكلامية-السياسية لتجعل من نافل القول أنّ صحّة الصلاة محصورة في إطار الفرقة ولا تتعدّاها.

[10]  يمكن العودة إلى كتب الأحكام السلطانية للوقوف على مقدار التحولات التي عرفها الفقه السياسي في تأصيله لمسألة الحكم بدءًا من تلك الشروط المثالية (النسب القرشي – العلم - التقوى….) ووصولاً إلى

تسويغ الاكتفاء بالحدّ الأدنى لاشتغال السلطة أي الغلبة على قاعدة أنّ من غلبت شوكته وجبت طاعته. انظر: الماوردي أبو الحسن، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982. وانظر: أبو يعلى الفرّاء الحنبلي، الأحكام السلطانية، القاهرة (د.ن)، 1966.

[11]  انظر التفريق المفهومي الهام الذي يقيمه بنسالم حمّيش بين الايديولوجية العضوية أو التأسيسية وبين الايديولوجيات المشتقّة في الملحق النّظري المعنون بـ الايديولوجيا بين التأسيس والاشتقاق، من كتابه

التشكّلات الايديولوجية في الإسلام، دار المنتخب العربي، بيروت، ط1، 1993.

[12]  إنّ مأسسة الصلاة في المذاهب الفقهية المهيمنة عند الشيعة والخوارج والسنّة والتأكيد على طابعها الجمعي (صلاة الجماعة والجمعة والعيدين)، كان عملية أساسية في عملية إنتاج الوعي الفرقي داخل ما يسميه

بنسالم حمّيش بالإيديولوجيات المشتقّة، خاصة تلك المهيمنة داخل كلّ فرقة. ونحن لا نعدم اختيارات أخرى ارتبطت بما يسميه المنصف بن عبد الجليل بالفرق الهامشية في الإسلام أو من تسمّيهم المقالات السنّية بالغلاة. ولم تكن اختيارات هذه الفرق التعبّدية في بعض وجوهها إلاّ محاولة لاخترق الوصاية المعرفية للفقهاء الذين كانوا دائمًا الحلفاء الطبيعيين للسلطان سواء أتشيّع على مذهب الزيدية أو الإمامية أم ادّعى الدفاع عن عقائد أهل السنة والجماعة.

[13]  وهبه الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلّته، ج 1، ص 503.

[14]  انظر عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط 1، 1998. وهذا الكتاب من أهمّ الأطروحات النسقية في نقد المنظومة السلفية

وبيان ترابطاتها العميقة في مستوى التأسيسين الكلامي الأشعري والأصولي الشافعي المكرّسين لهيمنة ايديولوجيا المحدّثين الذين يمثّلون نواة ما يسمّيه طه عبد الرحمان بـ"التّسلّف النظري" ومظاهره السلوكية.

[15]  انظر في تفصيل الفارق: الفصل الأول من أطروحة علي أومليل في كتابه الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، وهو يحمل عنوان مقدّمات للحديث عن الإصلاح. حيث يميّز الباحث المغربي بين الإصلاح

القديم في المجتمعات التقليدية التي كان الخلل فيها متصوّرًا على أنّه داخلي والإصلاح على أنّه ذاتي، وبين الإصلاح الحديث حيث الوعي بالخلل مزدوج: وعي بخلل ذاتي ووعي بتخلّف خارجي لا يمكن فصله عن الاستعمار الذي عرفته المجتمعات الإسلامية منذ القرن 18 م.

[16]  انظر: خوسيه كازانوفا، الأديان في العلم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند-لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1، 2005. وفي هذا المؤلف الهام يقدّم الباحث

الأمريكي تحليلاً نقديًّا للمسارين الرئيسيّين للحداثة وعلاقتهما بالدين في العلمانيات الغربية وهما: المسار اللاّتيني الفرنسي والمسار الأنغلوسكسوني. وانظر أيضًا كتاب ما هي العلمانية، هنري بينا-رويث، ترجمة ريم منصور الأطرش، المؤسّسة العربية للتحديث الفكري، دمشق ،ط 1، 2005.

[17]  انظر: عدنان عويد، مقال الحركة الوهابية في الحاضر في ضوء الماضي، ضمن كتابه التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب، دار المدى، دمشق، ط 1، 2000.

[18]  انظر: محمد الطالبي، ليطمئنّ قلبي، ج 1، قضية الإيمان وتحدّيات الانسلاخسلامية، دار سراس للنشر، تونس، ط 1، 2007. ورغم أهمية هذا الطرح ورغم رفض الأستاذ الطالبي للمنطق السلفي (ص232)

فإنّ أحكامه على المحاولات النقدية في فهم الظاهرة الدينية، لا يمكن أن يخدم في نهاية التحليل إلا الأمر الواقع ألا وهو هيمنة الطريقة التقليدية في التعامل مع النصوص المرجعية.

[19]  انظر: هاني نصري، ذهنية الإلغاء، مؤسّسة بحسون للنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1998.

[20]  انظر المشروع الهام للأستاذ عبد المجيد الشرفي في قراءته لتاريخية المعارف التراثية ومنها المعرفة الفقهية وخاصة كتابه الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة، بيروت، ط 1، 2001. وانظر أيضًا

الطرح الهام لمحمود محمد طه في حديثه عن ارتباط الفقه بما أسماه الرسالة الأولى للإسلام دون الرسالة الثانية المتأصلة في القرآن المكّي والتي هي وحدها القادرة على مخاطبة المسلم والإنسان عمومًا في العصر الحديث. لمزيد التوسع انظر: نحو مشروع مستقبلي للإسلام، ثلاثة من الأعمال الأساسية للمفكّر الشهيد محمود محمد طه، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط 1، 2002.

[21]  محمد عابد الجابري، الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة، ص 49، (نقلاً عن العقيدة القادرية الواردة في كتاب المنتظم لابن الجوزي)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1، 1998.

[22]  انظر: عادل ضاهر، الأسس الفلسفية للعلمانية، دار الساقي، بيروت، ط 1، 1998. ونحن نعدّ هذا الكتاب من أهمّ الاعتراضات المنطقية التي تهدم ادّعاءات السلفية مطابقة خطابها لبدائه العقل أو أصل

الفطرة. كما يبيّن هذا الباحث تهافت الأطروحة القائلة بالعلاقة التنابذية الماهوية بين الدين والتنظيم العلماني للمجتمع.

[23]  انظر: هانس كينغ، مشروع أخلاقي عالمي، دور الديانات في السلام العالمي، ترجمة جوزيف معلوف، دار صادر، بيروت، ط 1، 1998.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود