التطوُّر الإنساني

وضرورة التحول الروحي

 

نبيل محسن

 

يرفض الإنسان، بطبيعته، أن يبقى أسير لحظته وحاضره. فهو، منذ أن وُجِد، يتساءل عن موضعه في هذا الكون، عن مكانته وحقيقته ومعنى وجوده؛ يحاول أن يعرف ذلك كلَّه من أجل أن يبقى ويستمر ويحقق الغاية من وجوده. لذا تعيَّن عليه أن يحدس ذلك البعيد المجهول الذي أدرك أنه سائر إليه لا محالة، محاولاً استشفاف قانون التحول الكوني ومحرِّكه.

والحق أن الإنسان البدائي لم يشعر بالقلق أمام ذلك البعيد المجهول، لأن ما نسميه اليوم ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً كان يشكِّل في نظره شبكة واحدة لا تنفصم عراها. فهو لم يعطِ الزمن أيَّ معنى خارج الدورية، لأنه كان يعايش دورة الطبيعة، ويرى تتابُع كلِّ شيء فيها وفق سيرورة تتكرر بانتظام. لذا لم ينظر إلى المستقبل على أنه حلقة مستقلة، بل حلقة في سلسلة متصلة من الأحداث يقوم هو بدور بطولتها. فاللحظة الحاضرة لا تلبث أن تصير جزءًا من الماضي، ولا يلبث المستقبل أن يصير حاضرًا، فماضيًا، ممثِّلاً، في الوقت ذاته، حصيلة اللحظات الماضية. إنه ذروة سلسلة الأحداث المتتابعة.

لقد أعمل الإنسان عقله في استشفاف مستقبله، فتطورت ملكةُ التنبؤ لديه، وأصبح المستقبل في نظره كشفًا عما كان كائنًا في الماضي. وراح، في مرحلة تالية، يبحث في فهم الآلية التي تحرك الأحداث من الماضي إلى المستقبل. بدأ، أولاً، بدراسة تاريخه، محاولاً استنباط قانون هذا التاريخ ومحرِّكه. ثم باتت دراسةُ التطور ومعرفة قوانينه، في محاولة لتبنِّي نظرية تطورية، عاملاً هامًّا في تشكيل وعي الإنسان لذاته ولمسيرة حياته. إن تبنِّي نظرية تطورية أمر ضروري، ليس لفهم الماضي والحاضر فقط – أي ما كان وما هو كائن – ولكن لفهم الوجوه والاحتمالات المتعددة التي يحملها المستقبل في ثناياه: أي ما سيكون، ما قد يكون، وما يجب أن يكون. أي أن النظرية التطورية تفسِّر الواقع وتغيِّره، وتفسِّر علاقة التغير بالمثال وبالتصورات. هكذا أعطى الإنسان معنًى للزمن، بوصفه وحدة قياس لشريط الأحداث المستمر، بحيث بات التعبير عن نظرية تطورية يرتبط بالزمن وبمفهومنا عنه.

الزمن والتطور

حتى فترة قريبة مضت، كان هناك مَن يرى أن التطور الإنساني يتناسب طردًا مع الزمن. فتطور الإنسان يتقدم مع الزمن لأن الإنسان يمتلك قدرة مستمرة وفعالة على استغلال الطبيعة واستثمار ثرواتها لمنفعته الخاصة – وكأن التطور يعني زيادة الإنسان لثرواته وممتلكاته! كذلك ينظر العديد من العلماء والمفكرين إلى الزمن على أنه نقيض التقدم والتطور، ويرون فيه تيارًا مضخِّمًا للفوضى الكونية، وذلك بحسب ما يشير إليه مفهوم الإنتروبيا entropy في الفيزياء.

حيال هذين الرأيين المتعارضين، تُمِدُّنا العودة إلى مبادئ الحكمة القديمة بفكرة الزمن الدوري، حيث الزمن دورة لا نهاية لها. والدائرة تتصف بالكمال؛ فهي تعود دومًا إلى نقطة بدايتها. لذا يُرمَز إليها عادة بالأفعى التي تعضُّ ذنَبها Uroboros. وبما أن الدائرة ليست لها نهايات مفتوحة تبدأ وتنتهي عندها، فإن هذه الفكرة، بإلغائها فكرة البداية والنهاية، تسلِّم بالديمومة اللانهائية للكون وتنقِذ، بالتالي، من فكرة الفوضى التي تقود إلى الانحلال. كما أن افتراض عالم فوق مستوى المادة ينقِذ من فكرة التغيُّر الذي يؤدي إلى الفوضى والموت. إنه عالم المُثُل، أي عالم الأبدية الذي لا تمسُّه مادة العالم. وإذا كانت الفيزياء تؤكد تزايد الفوضى في العالم (عالم المادة) فإن هذا المفهوم ذاته ينعكس حين يتعلق بعالم الوعي، حيث المعرفة تمثل النظام. وبالتالي، فإن ازدياد المعرفة والوعي تقابله إنتروبيا سالبة neguentropy. وهكذا يصبح التطور مستمرًا لأن الوعي يتزايد باستمرار ويتفتح باستمرار. إن العلم والمعرفة يحفزان التطور، شرط ألا تستعبدهما المادة، بحيث يوظَّفان لمصلحة أنانية واستغلالية. يحتاج العلم لأن يندمج مع المفاهيم الأخلاقية والجمالية حتى يحقق غايته في خدمة تطور الإنسانية.

 

الأوروبوروس: الأفعى التي تعضُّ ذنبها، في مخطوط يوناني قديم

ونستطيع، إن شئنا، أن نميز بين نوعين من التطور: تطور تكيُّفي adaptive، يستند إلى قاعدة متينة من الأسُس الثابتة، تضمن صيرورةً مستمرةً تتلاءم مع الأفكار الحية والحاجات المستجدة؛ وتطور يستند إلى تغيير الواقع تغييرًا جذريًّا، بحيث تسود المؤسَّساتِ الإنسانيةَ والاجتماعيةَ تساؤلاتٌ مستمرة عن المبدأ المركزي الذي يلتقي حوله الجميع. ويتميز هذا التطور تاريخيًّا بوجود فترة مضيئة تحمل بذور التغيير وتعبِّر عنه جهود حثيثة ومعارك تخاض من أجل التغيير، تليها فترة من الانتصار الجزئي تتحقق فيها بعض الآمال، ثم تنتهي بالخيبة والتراجع وظهور مواقع الخلل وبولادة أفكار وتصورات جديدة. وقد حقَّق عصرُنا ما حقَّق بسلسلة من هذا النوع من التغييرات الجذرية التي تختلف عن التطور الديناميِّ المستند إلى حقائق ثابتة.

المشاركة الإنسانية في سيرورة التطور

يتساءل الإنسان، وقد بدأ يعي الاتجاه الذي تقوده فيه الحياة، لماذا لا يثور ويقف ضد هذا المسار الأعمى الذي قد لا يعني أيَّ تقدم حقيقي، ويتساءل: هل للعالم حقًّا معنًى ومستقبل؟ أم أنه يسير بلا هدف؟!

إن الذين يرفضون الاعتراف بقيم الوجود ومعانيه يرفضون المشاركة في صيرورة الطبيعة، مفضِّلين الجمود والعودة إلى الوراء، دون تحمل أية مسؤولية إنسانية، لأنهم اختاروا الانفصالية والتفتت والعبث والضياع. أما الذين يؤمنون بإمكان ظهور وعي أعلى، ويضْفون قيمة ومعنى على الوجود، يدفعهم واجبُ التطور المستمر، فينقسمون إلى فئتين: فئة تؤمن بقيمة نهائية قائمة في التطور الحقيقي الملموس للأشياء، تشد الإنسان إلى أخيه الإنسان، وتشد الإنسان إلى العالم، بما يفوق أية نزعة إلى الانفصال والانسحاب؛ وفئة أخرى تعتقد أن التطور الحقيقي تطور روحي يتم بالقطيعة مع العالم، لأن الوعي، كما يعتقدون، لا يوجد ولا يتطور إلا بالانفصال عن عالم المادة. ولا شكَّ أن الانسحاب من تيار العالم بغية تجنبه هو الاختيار الأسوأ، وذلك لأن الاقتراب أكثر من الوعي لا يمكن أن يتم إلا بالتحالف الذكي مع المادة، بحيث ترتقي المادة إلى مركز الوعي، أو "تترَوْحَن" spiritualisation de la matière، كما يقول تيار دو شاردان.

إن الانخراط في صيرورة التطور يدفع العالم إلى تركيز نفسه في نقطة واحدة مضيئة. أما الانفصال عن العالم فيؤدي إلى تنامي استقلالية أجزائه، فتصبح مشروعيةُ الوجود للأجزاء الصغرى المتنافرة والمتصارعة بدلاً من الكل. إن الوجود كلٌّ متكامل، والفرد، لكي يستمر، عليه أن يناضل من أجل إزالة أيِّ نوع من الحواجز التي تمنع الكائنات من الاتحاد والوحدة.

هكذا يصبح بإمكاننا تلخيص الخيارات التي يجدها الإنسان أمامه كما يلي:

1.    أن يتوقف عن الفعل، ويعتمد الفعل العشوائي المجرد من المعنى والغاية، في شكل من أشكال الانتحار؛

2.    أن ينسحب من العالم في رؤية انطوائية انفصالية؛

3.    أن يتابع حياته فرديًّا بانفصال أناني عن المجتمع؛

4.    أن يغوص نهائيًّا في مجرى الكل، بحيث يصير جزءًا فاعلاً فيه.

لقد اكتسب الإنسان قوة النظر إلى مستقبله وإضفاء قيمة على الأشياء، وباتت العودة إلى الشعور الفطري الأولي بالأمان أمرًا صعبًا، بل مستحيل. لذلك لا يحق لنا الوقوف من العالم موقفًا سلبيًّا، بل علينا، بالأحرى، أن ننغمس في صيرورته الطبيعية. إن الانتشار والتعدُّد ليسا نهاية التطور. إذ إن العالم متلاقٍ في بنيته؛ فهو يضيق متصاعدًا باتجاه ذروة أو مركز، كطبقات أو مداميك مخروط متتابعة.

الوعي والتطور الإنساني

إن الأشخاص الذين أخذوا على عاتقهم دراسة المجتمع الإنساني وتنظيمه، من سياسيين واقتصاديين وإثنولوجيين وعلماء اجتماع، يفعلون ذلك وكأن الإنسان الاجتماعي يقبل الانصباب في القالب الذي يختارونه، وينسون أنهم يتعاملون مع مادة حية تتميز، بحكم تركيبتها الاستثنائية، بحظوظ محددة لنموِّها. وهي، وإن كانت مرنة بحيث تسمح لمهندسي العالم الجديد باستخدامها، فهي قوية بما يكفي لتعطيل أية محاولة تنظيم لا تحترمها.

إن المجتمع، في بنيته ومؤسَّساته القائمة اليوم، هو حصيلة مراحل عديدة من التطور؛ وهو يرتبط بدرجة كبيرة بخصائص عصرنا. وقد تعوَّد الوعي الإنساني أن يفهم الحياة ويفسرها عن طريق تعميم حوادث الحياة والطبيعة وفقًا لتصوراته من أجل ترتيبها والسيطرة عليها. وهو يختار، تبعًا لذلك، مثاله الخاص، ويسعى إلى تحقيقه، دون أن يلامس إلا جوانب من الحقيقة الشاملة الكامنة في صيرورة الحياة. وإن الأفكار والشعارات التي ألهمت العديد من المفكرين وحركت مجتمعات عديدة في مختلف أنحاء العالم فشلت في تحقيق الآمال المعقودة عليها، وذلك لأن هذه المفاهيم ظلت مبهمة في أذهان الكثيرين، ولأن محاولة النُّخَب المفكِّرة فَرْضَ مفاهيمها وتصوراتها على مجتمعات غير مستعدة للتغيير نجم عنها تشويهٌ كبير في التطبيق والممارسة. لقد كانت هذه المفاهيم حلولاً مفترضة ومُثُلاً تصورها العقل من أجل حياة أفضل. ومما لا شكَّ فيه أن التنظيم العقلي للمجتمعات يشكِّل تقدمًا لحالة الجمود ولحالات الوعي المتراجع والمتردد وتجاوزًا لها، ولكنه بعيد عن بلوغ الكمال بطُرُقه الخاصة، لأن العقل ليس المبدأ الأول للحياة، ولا المبدأ الأعلى والنهائي. إن العقل يعمل للوصول إلى ثبات الحركة وسط سيولة الأشياء؛ وهذا المبدأ يكفي للتعامل مع القوى الفيزيائية، ولكنه لا ينجح في الواقع لدى التعامل مع الحياة الواعية.

ليس المقصود تفريغ مفاهيم العصر الفكرية التي أنتجها تطورُ الوعي من مضامينها، بل السعي بالأحرى إلى تحرير الوعي والعقل من أجل تبنِّي نظرية دينامية للتطور. لذا لا بدَّ من مراجعة تلك المفاهيم، بحيث تصبح تعبيرًا عن الحقائق الجوهرية للإنسان وتصير أقدر وأكثر ملاءمة لدفع سيرورة التطور، وفق صيرورة طبيعية، نحو "عقل أرفع" supra-mental، فيما يمكن أن نسميه "عصر الروح".

ضرورة التحول الروحي

إذا حاولنا تقصِّي الخلل الذي يؤدي إلى تخبط الإنسانية وعجزها عن تحقيق تطورها الدينامي نحو الغاية المنشودة – إذا حاولنا تقصِّي هذا الخلل على مستوى الإنسان، نرى أنفسنا منقادين إلى البحث في الطبيعة الثنائية الظاهرية للإنسان الذي يتألف من طبيعة فيزيائية وحيوية، تعيش وفق الغرائز والرغبات والنزعات والانفعال، وطبيعة أخرى واعية، عاقلة، مفكِّرة، أخلاقية، جمالية، فاعلة، قادرة على وعي ذاتها وطبيعتها. إن هدف الطبيعة المادية هو زيادة التملُّك المادي وتحقيق الملذات الحيوية؛ أما الجزء الواعي فيعمل على تفتُّحه الداخلي من أجل زيادة ملَكاته وتحقيق سعادته بذكاء وجمال وأخلاق. ويعود فشل الإنسان إلى كونه مازال عاجزًا عن تحويل تركيزه وإرادته عن الكينونة المادية، مستعينًا بقوة العقل أحيانًا، ولكن بشكل جزئي ومحدود ونكوصي، لا بشكل تفتُّحيٍّ ومتسامٍ. لقد وظَّف الإنسان معرفته كلَّها من أجل الحياة المادية وممارساتها وفعاليتها وملكياتها وملذَّاتها. أما اليوم، فنشهد بداية العودة إلى المثال الأول، ألا وهو استعمال العقل والقيم الأخلاقية والجمالية من أجل تنظيم حياة الفرد والمجتمع والعالم.

ولكن اليقظة الحقيقية تتطلب، أولاً، أن نعرف حقيقة ذاتنا لأن طبيعتنا العليا وذاتنا – ذاتنا المختبئة والمنطوية – هي ذات روحية تستطيع أن توظف كينونتنا العقلية من أجل تعديل المسار وتحويل طبيعتنا المادية والفيزيائية. إن سرَّ التحول الروحي يكمن في نقل مركز حياتنا إلى وعي أعلى. ويتطلب هذا التحول وجود الفرد القادر على الرؤية وتنمية ذاته وإعادة خلقها على صورة الوعي الأعلى، وعلى نقل معرفته، من بعدُ، إلى الآخرين. ويجب أن تكون الروح الخاصة بالجماعة قد شكَّلت وعيها الجماعي، بحيث لا تكون مضطرة، بفعل قصورها وسوء تحضيرها، إلى التوقف والسقوط قبل حدوث التحول الفعلي.

إذا كان على الإنسانية أن تترَوْحَن، عليها، أولاً، أن تكفَّ عن كونها مادية أو حيوية. وهذا التحرك الذي يتم بصعوبة من المادة إلى الروح هو مرحلة هامة في تطور الإنسانية. وإن السعي لإتمام هذا التحول بشكل مفاجئ وسريع هو أحد أسباب فشل المحاولات القديمة لرَوْحَنة الإنسان. أما اليوم، فإن الإنسان يدرك أنه استنفد إمكانية التعامل مع الحياة على مرتكَز أن المادة هي الحقيقة النهائية للعالم، ويدرك أن التعامل على هذا الأساس رسَّخ الأنانية الفردية وعمَّق الشرخ بين الإنسان والطبيعة.

وتتابع الإنسانية اليوم سيرورة التسامي بالمادة والعقل والحياة من أجل استحضار إمكانات أعلى تعبِّر جميعًا عن الماهية الروحية الواحدة. ولا شكَّ أن هذه العملية مغامرة حافلة بالشكِّ وبالمخاطر. وستتردد الإنسانية طويلاً قبل أن تجد نفسها...

وقد لا تجد نفسها، فتعود لتكرار دور جديد!

*** *** ***

تنضيد: لمى الأخرس

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

Editorial

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال يوسف وديمة عبّود