الحاجة إلى الفلسفة أم البحث عن السَّعادة؟

بين سپونفيل وفوينتِس... إنسانيَّة العصر الحائرة

إعداد ندى الحاج

 

هل يمكن للسعادة أن تجمع بين الفلسفة والحياة؟ هل تحتوي الفلسفةُ الحياةَ أم تنفصل عنها وتبقى على هامشها تصورًا فكريًّا غير قابل للتطبيق؟ وإذا كان همُّ الفلسفة الإنسانَ وهمُّ الإنسان السعادةَ، فهل تساهم الفلسفة في إسعاد الإنسان؟

أندريه لوكنت سپونفيل

لكلٍّ من الفيلسوف الفرنسي أندريه كونت سپونفيل والكاتب المكسيكي كارلوس فوينتِس نظرته إلى الموضوع. الأول يقول:

الفلسفة على الموضة حاليًّا. على الأقل نوع معيَّن من الفلسفة، تلك التي تساعد على العيش يوميًّا. تصدر باستمرار مجموعات جديدة، بعضها يتراكم على طاولات بائعي الكتب ويلقى العديد منها نجاحًا باهرًا. لن نشتكي من هذا الأمر، فهو أفضل من برامج تلفزيون الواقع أو من التنجيم. علمًا أنه يجدر بنا أن نعرف إذا كانت هذه الموضة مخلصةً لما هي عليه الفلسفة حقيقةً ولما يسعها أن تقدِّمه. [...] أن تساعد الفلسفة على العيش، هذا ما أعتقده، وما أكَّد عليه معظم الفلاسفة من العصور القديمة، كأفلاطون وأرسطو وإپيقور وإپكتيتوس، من أن على الفلسفة – وهي فن التفكير – أنْ تنحو إلى فنِّ العيش (الحكمة)؛ وذاك ما لم يخالفه الفلاسفة بعد العصور القديمة، بلوغًا إلى قرننا الحالي، من مونتاني إلى ديكارت وكانط ونيتشه إلى دولوز القائل: "لا تخوضوا غمار الفلسفة إن كنتم تعتقدون أنها لا تفيد في شيء!" وجانكيليفتش القائل أيضًا: "نستطيع العيش بلا فلسفة، لكن في شكل أسوأ." [...] لا نتفلسف لتجزية الوقت ولكي نلمع في الصالونات، لكننا في حاجة إلى الفلسفة كي نعيش كما نريد، حياةً أذكى وأصفى وأكثف وأكثر حرية وسعادة. في اختصار، يفرغ معنى الفلسفة كنشاط نظريٍّ إذا لم تؤدِّ إلى تطبيق جديد للوجود الإنساني. علينا أن نفكر أفضل لنحيا أفضل. لذا يُفترَض وجود نشاط نظري وجهد فكري. وإذ أعود إلى الموضة التي ذكرتها في البداية، أجدني حائرًا أو متحفظًا. نخطئ حيال الفلسفة لو فتشنا عن مجموع وصفات يكفي تطبيقها، كأن نخلط بين الفلسفة والتطور الذاتي؛ ونخطئ كذلك لو طلبنا من الفلسفة أن تريحنا في سرعة أو أن تحمينا من أخطار الحياة.

"بروزاك أقل، أفلاطون أكثر": ترويج لأحد الكتب الصادرة حديثًا، نصح سپونفيل بعدم قراءته قائلاً:

من المؤكد أن الفلسفة لا يمكن لها شفاء حالة الانهيار العصبي، كما أن الأدوية المضادة للاكتئاب لا تحل مكان الفلسفة. السعادة هدف ممكن من أهداف الفلسفة. وليست بفلسفة إلا تلك التي تمر عبر فكرة. ولا ينبغي على الفكرة سوى الخضوع للحقيقي أو للذي يبدو كذلك. الحقيقة التي تبعث على الحزن أجدى للفيلسوف من وهم يعزِّي أو يُفرِح. لم تحمِ الفلسفةُ أحدًا من الحداد مثلاً أو الهموم أو أوجاع الحب، لكنها تساعدنا على عيشها في طريقة أصفى وأذكى وعلى تجاوُزها أحيانًا تجاوزًا أسرع قليلاً. يقول بعضهم إن "الحقيقة تجرح"؛ أما الفلاسفة فيقولون العكس: ليس من منقذ سوى الحقيقة، إنما علينا تأمين الوسائل التصورية المعنوية للوصول إليها.

أما الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس الذي أصدر كتابه الجديد ما أؤمن به فيقول:

"السعادة" و"الغبطة" كلمتان تحملان في طياتهما كثيرًا من اللبس والغموض. لم تغبْ السعادة يومًا عن التفكير الغربي. تميِّز اللغة اللاتينية بين السعادة التي هي ثروة خارجية وبين الغبطة التي هي فعل داخلي. السعادة بنظر سقراط مُعطى داخلي مماثل للفضيلة. أما أرسطو فحوَّلها إلى عمل خارجي في خدمة العقل. بنظر أنصار مذهب المتعة، تكمن الغبطة في اللذة، واللذة هي التي تحدِّد السعادة. يدعو الإپيقوريون إلى التمتع بالحياة الخارجية، لكنهم يحذِّرون من الاستسلام كثيرًا لمداعباتها حفاظًا على السعادة. أما ديموقريطس فيمزج بين السعادة والسكونية [طمأنينة النفس]: السكونية والاستقرار نتيجة طرد الرغبة، وبالتالي الخوف والألم الجسدي. إن المنفعيين الإنكليز هم الذين منحوا السعادة معناها الأكثر حداثة ومباشرة وعقيدية، حيث يتماهى الجيد بالنافع. لكن "الأنوار" الفرنسية هي التي كرَّست المعنى الأكثر تداولاً للسعادة في الغرب، الذي نقع عليه في القوانين المؤسِّسة للولايات المتحدة الأمريكية، التي تمنح المواطنين الحق في السعادة، أو على الأقل حق البحث عنها. إلا أن هذا الحق النابع من عصر الأنوار صادرتْه الولايات المتحدة في ما بعد، حاملةً لواء الغبطة والخير في مواجهة الشر. في أثناء كتابتي هذه الكلمات نرى مثالاً عظيمًا تعلن فيه الولايات المتحدة نفسها محورًا للخير، وبالتالي السعادة، ضد محور الشر، وبالتالي التعاسة. إنها تضع كلَّ مَن يعارضها في المحور المواجه لها – كما لو أن مآسي القرن العشرين كلها لم تكفِ! فالوضع العالمي الراهن يجسِّد التناقض الكلِّي في كلمة "سعادة".

تكمن المأساة الكبيرة للحداثة في فقدان المعنى المأسوي لزمن الأقدمين. وأعني أن الارتهان للتقدم ارتهانًا محتومًا وتصاعديًّا كشرط للسعادة هو الذي قادنا إلى الشلل الذي يجعلنا قطيع غنم مسلوب الإرادة. فالتاريخ أظهر لنا بأية سهولة ضحَّى المرءُ بسعادته في ظل التوتاليتاريات السياسية التي كانت تَعِدُه بالغبطة التامة لقاء خضوعه المطلق.

أقدم طريقين للوصول إلى السعادة، لعلهما ملائمان لزمننا الحالي: الأول، وهو الأصعب: ترميم الفكر المأسوي للأقدمين (كما في المسرح الإغريقي)، حيث كان البطل الساقط يدفع ثمن انحرافاته وتجاوزاته بالاتفاق مع قوانين الزمن ويعيد نظام الأمَّة، فتحل المأساةُ الصراعَ بين الحرية والحتمية، وتمنح بواسطة معرفة الذات والآخرين مقدار السعادة الملائمة لكلِّ شخص. الطريق الثاني، وهو الأسهل: التأكيد على هويتنا الذاتية، فنحميها من دون أن نجرح التنوع الذي نحترمه. علمًا أن في وسعنا تعداد حواجز لا تُحصى ينصبها لنا العالمُ الحالي على المستويات كافة (السياسي والاقتصادي والإيديولوجي والتربوي والمعلوماتي...) وتحول دون إقامتنا توازنًا بين الهوية والتنوع. من المفترض أن كلَّ واقع يحتوي على الرضا الذي يمزج السعادة بالخلق والإيروسية والحب البنوي ولذة الأكل والنوم وكل تلك الأشياء الصغيرة التي تكوِّن وطننا الحقيقي، وينطوي، في الوقت نفسه، على الرضا الاجتماعي أو الجماعي الذي هو ثمرة حكومة جيدة ونزاهة إدارية وأمن عام وحقٍّ في المعارضة وقدرة على حرية الاختيار.

كارلوس فوينتس

بيد أننا لن نكون ساذجين وسنكتفي بالسؤال: في دائرة الحياة الخاصة، هل من وجود لسعادة لا تبهت آجلاً أم عاجلاً بسبب موت الإنسان الذي نحب أو نهاية علاقة حب أو خيانة أو صداقة محطمة؟ لهذا السبب، السعادة كلمة ملتبسة، تتقدم أحيانًا مقنَّعة وتحتاج إلى نور الحب لتكشف عن وجهها الحقيقي!

*** *** ***

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

Editorial

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال يوسف وديمة عبّود