التوازن النفسي والتوازن البيئي

 

موسى ديب الخوري

 

قد يكون من المفيد في بداية بحث يحمل هذا العنوان أن نحدد ماذا نقصد بمصطلحات "التوازن" و"البيئة" و"النفس"، ومن بعد، العلاقة بين هذه المفاهيم. لكني أدرك، بالمقابل، أن ولوج مثل هذا الأمر يكاد يكون مستحيلاً. ومن جهة أخرى، فإن ما نحمِّله هذه المفاهيم في بحثنا هذا يخرج إلى حد ما، ربما، عن التعاريف الكلاسية أو الأكاديمية. ولهذا فإنني سأترك للقارئ أن يسبر معي المعاني عبر محاولة فتح لأفق جديد في نظرتنا لوجودنا البيئي. والموضوع الذي نطرحه هنا يُعَدُّ فتحاً لمجاهل لم تطأها بعد الأقدام إلا نادراً! وما ذلك إلا لأننا لازلنا على عتبة ميلاد جديد لنا، نخرج فيه من رحم مرحلة كانت فيها مركزيَّتنا كبيرة، إلى رحم جديد تُخفَّف فيه أنانيَّتنا بمعرفة متنامية وشوق مضطرم لما هو أبعد وأوسع وأغنى دائماً من كل ما هو محدود ومنتهٍ. ولهذا، فإن الحديث عن صلة الإنسان ببيئته يجب أن يتجاوز من الآن فصاعداً حدود القرابة المادية والصيرورة العضوية السببية، إلى آفاق التناغم الذاتي مع الكلية الكونية. كذا فإنني سأتجاهل ضرورة التعريفات الكلاسية، وألج الموضوع دون تحديدات مسبقة، تاركاً لكل شخص أن يشكل تصوره المبدئي الخاص به عن هذه المفاهيم. أوليس ذلك أكثر طبيعية، فيتيح لي وللآخرين الوصول إلى نتائج غير نهائية، إنما أكثر طبيعية؟ ربما كان ذلك هو القصد، تحديداً، من طرح مثل هذا الموضوع وأعني ترك الباب مفتوحاً أثناء اختيارنا وتعييننا لاحتمالات لا تحمل بذاتها حلولاً ونتائج نهائية. من هنا، فإن طرحي يحمل غاية التساؤل بحد ذاتها، وتحريض الفكر والخيال، وليس الإجابة على أسئلة محددة؟

لاشك أن مناهجنا تتمحور كلها حول نظرتنا الذاتية كبشر للطبيعة والكون. وعلى الرغم من أننا أبناء الطبيعة، لكننا نتساءل إلى أي حد لازلنا ننسجم تفكيراً وسلوكاً معها! وإلى أي حد توافق مناهجُنا وقوانينُنا العلمية وشرائعنا الإطارَ الطبيعي، وإلى أي حد تندرج في الصيرورة الطبيعية؟! ترى، ألا ترتبط نظرتنا الذاتية والمركزية إلى الكون بشكل مباشر وجوهري بواقعنا الحالي؟ واقع تردي بيئتنا وتردي أخلاقياتنا؟!

أقر بالتأكيد أننا نكتشف قوانين طبيعية، لكن ليس "القانون الطبيعي". إن ما نكتشفه هو في النهاية شكل من أشكال الفهم والتكاشف مع محيطنا. فالطبيعة ليست عالماً قائماً من العلاقات الناظمة لعناصرها وحسب، بل هي صيرورة متطوِّرة وفق إيقاع يجعلها قادرة باستمرار على تجديد نفسها ودمج خبراتها في بناها.

ويُعَدُّ وجود الإنسان حلقة فريدة في هذه الصيرورة، وذلك لتميُّزه بوعيه لحركة التطور التي هو مشارك فيها. فلاشك أن على الإنسان أن يحافظ على موقعه ويعمل على إتمام دوره بما يوافق صيرورة الطبيعة لكي يساهم في ظهور فرادة جديدة وبزوغ قدرات جديدة على المعرفة وعلى المضي قدماً إلى الأمام في المجهول الكوني. والقيام بهذا الدور على أفضل وجه يعني التزام الإنسان بالقانون الطبيعي، قانون الانفتاح والتطور. فهو ليس كائناً مخلوقاً وفق بنية نهائية محددة؛ واعترافه بذلك، أو تحقيقه لهذه الرؤيا هو المعنى الحقيقي لتوازنه.

التاريخ الطبيعي

يرجع تاريخ الطبيعة إلى بداية الكون نفسه. ولست أعني بذلك تاريخاً سببياً للطبيعة، بل أشير إلى لحمة قائمة في الكون منذ أن وُجِد لحمة تبقى مفتوحة على كافة احتمالات التطور بحيث يمكن للشكل السببي أن يكون أحد إمكانياتها، إنما دون أن ينفي ذلك وجود إمكانيات أخرى موازية، هي إمكانيات لاسببية a-causal توجد جنباً إلى جنب مع قانون العلة والمعلول.

وعلى هذا فإن تاريخ وجودنا هو تاريخ زمني وآني في وقت واحد. وتمثل آنيَّته المعنى الكامن باستمرار فيه والقابل دائماً للتفتح في كافة الاتجاهات. ووفق المعنى الآني، يكون فهمُنا الذاتي للظاهرة الكونية فهماً مرحلياً وليس نهائياً ضمن سياق تطورنا، وضمن صيرورة التفتح الكوني عن المعنى الباطن في الوجود.

أما تاريخنا، فإن الكون ظاهرة بدأت مع انفجار كبير حدث مند نحو 15 مليار سنة بحسب فيزيائنا الحديثة! ومنذ لحظات البداية الأولى بُنِي تطور الكون على انكسار التناظر في دفقه الأساسي، مما ولَّد القوى الكونية المعروفة. وهكذا، كان تشكُّل القوى الأساسية التي تحكم الكون التعبير الأول عن محاولة إدراك ذاتية للوحدة، عبر تعددية الأنماط. ومع ابتراد الكون وعناصره، ثم تشكُّل سُدُمه ومجراته، نشأت احتمالات لانهائية لا ندرك منها اليوم سوى جوانب محدودة هي نقاط تكاشفنا مع الكون وفق طريقتنا ومناهجنا الخاصة. لكن ما يمكن أن نستشفه بوضوح من كوننا ووجودنا هو أن التعدُّد، بما هو السمة الأساسية فيه، ليس شكلياً أو سكونياً فقط، بل ودينامياً أيضاً، أي عبر صيرورة أو صيرورات هذا الوجود. وكما سنؤكد في حديثنا عن تاريخنا البيئي، فإن التعددية الطبيعية هي تعددية على كافة المستويات، بما فيها البشرية. إن نفسانية الإنسان لا تنفصل في النهاية عن نفسانية الطبيعة والكون. فصيرورة تطور النفسانية هي سوية من سويَّات التطور الكوني، المادي والروحي.

إن نظرياتنا الحديثة في الكوسمولوجيا تقبل بإمكانية وجود أكوان موازية لكوننا، إنما لا نتكاشف معها. وهي فكرة جريئة، بغض النظر عن إثباتها علمياً. فالمهم أن نفسانية الإنسان طَرَحت وبدأت تقبل هذه الفكرة ومثيلاتها. ويمكننا تعميق هذه النظرة بقولنا إن نشوء كوننا بُنِي منذ اللحظة الأولى على كمون احتمالات لانهائية. وهذا يعني أن بنية كوننا تنطوي على إمكانية تفتح دائم على أشكال وأنماط جديدة. أفلا يعني ذلك أن التكاشف مع هذه البنية الجوهرية ينطوي على معرفة لانهائية وغير محدودة؟ وأن ما نبنيه من نُظُم ومناهج ومعتقدات كله قابل للتعديل والتغيُّر؟ بل وأن توازن معرفتنا قائم في هذا التجدُّد نفسه، وأن المعرفة التي كانت كامنة في قلب الوجود لا تنفتح إلا عبر صيرورة من التحولات؟!

يقودنا ذلك، دون شك، إلى التساؤل عن الحدود التي يمكن أن تحافظ خلالها ذاتيَّتنا في الرؤية والفهم على اتِّساق طبيعي، ومتى نتجاوز هذه الحدود؟ إن هذا السؤال يتعلق مباشرة بموضوع بحثنا؛ لكن لابد أن نستشف منذ الآن أن تجاوزَ حدود النسق الطبيعي سيؤدي بالتأكيد إلى فقدان التوازن في فكرنا ومنهجنا، كما وفي سلوكنا ونفسانيَّتنا. والنسق الطبيعي، كما ذكرنا، هو هذا الانفتاح على الإمكانيات دون حدود. إنه متجذِّر فينا كما هو متجذِّر في الكون. وهو، بالتالي، يشكل جوهر نفسانيَّتنا باستمرار.

رُبَّ سائل يسأل: وما هو هذا النسق الطبيعي؟ بل ما هي الطبيعة، وما هو غير الطبيعي؟ لست أدعي بأنني أملك جواباً شافياً. لكنني أرى في الطبيعة، كما أشرتُ، تلك القدرة الدائمة على التفتح والإبداع والتجدد. وهذه الصيرورة من الفيض المستمر من الباطن إلى الظاهر هي ما يمكن أن ندعوه بنفسانية الكون أو الوجود أو الطبيعة. وتاريخنا على الكرة الأرضية على الأقل يؤكد وجود هذا النسق المتعدد الإمكانيات والقادر على إنتاج صيرورة ذات غاية وذات إمكانيات موجَّهة. ويخبرنا تاريخ أرضنا أيضاً أن التطور الذي حصل عليها حتى الآن استطاع دائماً تجاوز الانقطاعات والتراجعات، بل وحقق دائماً استفادة كاملة من التجربة السابقة ليعطي لمسيرته دفعاً قوياً إلى الأمام. إن الكوارث الكونية أو الأرضية التي أصابت كوكبنا وأدت في مرات عديدة إلى اختفاء أنواع كثيرة من الكائنات لم تلجم مسيرة الحياة، بل جعلتها تكتشف فرصاً جديدة للاستمرار والارتقاء، إلى حد أننا يمكن أن نتساءل بلهجة رزينة إنْ لم تكن الكوارث الكونية متضمنة في خطة أساسية للحياة والتطور؟! ويمكننا القول بشكل آخر إن النسق الطبيعي يستطيع استيعاب الكارثة الطبيعية مادامت كموناته تتجاوز ما يمكن لأية كارثة أن تنهيه.

إن صيرورة كونية منفتحة على الاحتمالات والإمكانيات لا يمكن أن تجد توازنها في قوانين ثابتة. وتتحقق حدود رؤيتنا الطبيعية عندما لا نُلبِس قوانيننا ثوب القوانين المنتهية أو الثابتة. وهكذا، فإن استجلاءنا لبعض القوانين الكونية، وإن كانت تبدو لنا ثابتة ضمن حدود معينة، يدعم مفهومنا عن وجود خلفية كونية قادرة على استخلاص كافة التجارب الكونية وصهرها في بوتقتها. وهذا البعد النفساني لوجودنا هو الذي يعطيه توازنه بالتأكيد.

يمكننا القول، بصيغة أخرى، إن الباطن يحمل الظاهر على مدى آفاق لانهائية. وكذلك فإن الظاهر يضم الباطن على عمق لا يُسبر غوره. وتتوازن هاتان اللانهايتان من خلال دفقهما المتبادل.

إن التاريخ الطبيعي هو تاريخ آني لصيرورة تفتُّح على لانهاية من الاحتمالات. والقدرة على سبر نتائج هذه التجارب وهضمها هو ما يعطي الصيرورة الزمنية توازنها. إن للتاريخ الزمني موازياً هو التاريخ اللازمني. ويعطينا الكون، عبر استعداده الدائم لتقبل تجربة جديدة، معنى أن نجد حريتنا وتوازننا فيه. كذا فإن نظرياتنا ورؤانا المفتوحة على الكون هي وحدها التي يمكن أن تحافظ على هذه الحرية وهذا التوازن.

التاريخ البيئي

تشكلت الأرض منذ نحو 4,5 مليار سنة. إلا أن أولى بوادر الحياة لم تظهر عليها إلا مع تشكل القشرة الأرضية الصلبة والغلاف الجوي والغلاف المائي. وترجع أولى أنماط الحياة إلى نحو 3 مليارات سنة حيث تطورت أولاً في الماء، وكانت عبارة عن متعضِّيات organisms بسيطة جداً ومجهرية. ونموذج هذه المرحلة هي العوالق الزرقاء. وقبل بداية الحقب الأول بقليل، ظهرت أبسط الأشكال المرئية بالعين المجردة كبعض الديدان والرخويات. وازدهرت الحياة في المحيطات مع بداية الحقب الأول الذي يرجع إلى 570 مليون سنة والذي تميز بظهور أنواع من اللافقاريات، ثم بظهور أولى أنواع الفقاريات والأسماك. ومنذ نحو 400 مليون سنة حدث تطور هام جداً وهو ظهور النباتات على الأرض مع بعض اللافقاريات. وبعد فترة بسيطة، بدأت الفقاريات أيضاً تتَّجه من الماء إلى اليابسة. ومن هذه البرمائيات ولدت الزواحف التي كانت سائدة في الحقب الثاني. وقد تطورت بشكل أرضي كمختلف أنواع الدينوصورات، بل وفي الجو والماء أيضاً. وخلال هذا الحقب ظهرت الثدييات والطيور. لكن تطور الثدييات والطيور الفعلي لم يبدأ إلا مع نهاية الحقب الثاني الذي انتهى بكارثة بيولوجية أدت إلى انقراض الزواحف الكبرى. وخلال الحقب الثالث اكتسبت النباتات والحيوانات شكلاً أكثر فأكثر قرابة من الذي نعرفه اليوم. وفي الحقب الرابع، أي منذ نحو ثلاثة ملايين سنة فقط، ظهرت أولى البشريات.

إن هذه النظرة السريعة جداً لنشوء الحياة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المعطيات البيئية التي ساعدت على استمرارها. فالغلاف الجوي مثلاً لم يوجد دفعة واحدة! ولم يكن بشكله الأول ملائماً لاستقبال الحياة. فقد تشكل تدريجياً مع بداية تشكل القشرة الأرضية، وبعض مركباته مثل الآزوت وغاز الفحم وبخار الماء تبخرت خلال عملية تصلُّب القشرة، في حين أن الأكسجين لم يظهر بكمية كافية إلا بعد ظهور النباتات التي أطلقته إلى الجو؛ كما أن نسب هذه الغازات تبدلت كثيراً حتى وصلت إلى شكلها الحالي المتناسب مع تطور البنية الحيوية على الأرض. هذا نموذج من جوانب كثيرة جداً، بل وغير قابلة للعدّ، يجب أن تغير نظرتنا التي تقول بتكوين نهائي تم عبر مراحل. فالعناصر اللانهائية لتشكل الحياة وتطورها تفرض علينا رؤية جديدة لصيرورة انبثاق الطاقة الحيوية وتوازنها. فليس تآزر العناصر هو فقط مشكِّل الحياة على الأرض، بل واستمرارية تحولها وتطورها. فالأرض لم تشهد يوماً خلقاً نهائياً للكائنات، بل تفتُّحاً مستمراً لطاقة الحياة وللقدرة على إبداع المعنى الكامن في جوهر وجودنا. علينا ألا نظن أن رؤيانا المحلية والآنية للثبات النسبي للعناصر والكائنات تعني حصول خلق ساكن ونهائي. بل إن هذه النظرة للتوازن البيئي نظرة مغلوطة تماماً، لأن التوازن البيئي توازن مفتوح على تطور مستمر. قد يكون ما نراه في الطبيعة عبر نظرتنا الضيقة توازناً شكلياً ومحدوداً للعناصر، لكنه ليس التوازن البيئي الجوهري القائم على التجدد المستمر، ولهذا فإن أية كارثة كونية أو محلية يمكن أن تكسر هذا التوازن الهش وتعيد خلق نمط جديد تماماً من التوازن البيئي.

تنقسم علوم البيئة إلى قسمين متكاملين: الأول يدرس الفرد الحي ونمط حياته وعلاقاته بمحيطه auto-ecology، والثاني يحلل تفاعلات كافة المجتمعات الحيوانية والنباتية المتفاعلة في بيئة ونطاق محددين synecology. ويأخذ هذان الفرعان بعين الاعتبار، بالدرجة الأولى، التحولات المستمرة في البيئة، على المدى القريب، كما والبعيد؛ أي أن التوازن البيئي المدروس هو دائماً توازن مفتوح على الإمكانيات.

وتأتي في قاعدة الهرم البيئي النباتات التي تجعل بالتركيب الضوئي من غاز ثاني أكسيد الفحم مادة عضوية؛ ثم تأتي المستهلِكات العاشبة التي تتغذى مباشرة على النباتات؛ ثم عدد غير محدود من القنَّاصة اللاحمة التي تتغذى على كائنات مختلفة؛ وفي النهاية نجد المفكِّكات التي تحلل المواد وتقدم للنبات المواد اللاعضوية اللازمة لنموه. ومن الجلي أنه في مثل هذه الخارطة يلعب عدد الأفراد الذين يشغلون مختلف درجات هذا الهرم دوراً هاماً في الحفاظ على حلقة نموه وتطوره. فأية مجموعة نباتية، مثلاً، تملك حداً أقصى أو عتبة للاستهلاك، إذا ما تم تخطِّيها فإن السلسلة البيئية كلُّها تتعرض للدمار. وهذا ينطبق على أي نوع في هذه السلسلة. والسبب في ذلك ليس فقط ارتباط المجموعات بعضها ببعض، بل ونشأتها المشتركة التي تعني في النهاية نمطها النفساني أو لحمتها النفسانية غير القابلة للسكون، بل للتطور والنمو باستمرار. إن ما نسميه نشوءاً مشتركاً هو معنى الفيض الأولي غير المنقسم على ذاته، إنما المتجلِّي عبر تفتُّح كموناته المتعددة. وهذا الفيض الدائم التفتح هو ما نسميه بـ"نفسانية الطبيعة".

إن تطور الكائنات المشترك لا يعني فقط وجود صلات مورِّثية فيما بينها، بل وترابطها النفسي أيضاً، أي وجود لحمة فيما بينها تعبر عن صيرورة تفتح تتم عبرها. وبالتالي فإن الاصطفاء الطبيعي ليس مجرد مواجهة للظروف المناخية أو الجغرافية أو الحيوية، بل هو في جوهره، بما هو تلاقي الاحتمالات والإمكانيات عبر توجُّه معين، البحث الأعمق عن معنى أصيل للصيرورة. ونتيجة الاصطفاء الطبيعي ليست فقط في بقاء الكائنات الأكثر تأقلماً مع البيئة، بل والتي تستطيع تحقيق معنى وجودها بالولوج إلى عالم جديد وبالسماح بالوصول إلى فرادة جديدة. وبحسب نظريات الانتظام الذاتي auto-organization الحديثة، فإن الاصطفاء الطبيعي ليس سعياً بحد ذاته لكائنات حدِّية على سلم التطور، بل هو تعبير عن إمكانيات تحقيق سويَّات أكثر فأكثر تطوراً في صيرورة تفتح المعنى الكامن في الوجود. إن التطور ليس شكلاً إحصائياً للصيرورة، وبالتالي فإنه، في انفتاحه الدائم على عمق المعنى الذي يحمله، يفتح الأفق أيضاً على مناح وإمكانيات لا تنتهي.

قصدنا ألا يكون حديثنا حديثاً مدرسياً عن التوازن البيئي؛ ولهذا فإننا لم ندخل في سرد الأمثلة الكثيرة جداً على التوازن الهش للبيئة من منظور تجانس الكائنات الحية في موقع محدود. فمن المعروف أن مجموعة من الكائنات المتآلفة عبر التاريخ يمكن أن تتأثر بإدخال كائن جديد عليها، بل ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اختلال توازن هذه المجموعة الحيوية والقضاء على العديد من أنواعها. وعلى مستوى أوسع، فإن انتشار نوع معين على نطاق كبير قد يكون فيه خطر على أنواع كثيرة، كما وعلى نفسه أيضاً؛ لكنه بالمقابل يمكن أن يكون ظاهرة إيجابية تماماً حيث يؤدي إلى تأقلم هذا النوع وظهور فروع وأجناس متعددة منه. إن التاريخ الطبيعي يتسع لكافة هذه الاحتمالات. ونلحظ عموماً من دراسة تاريخ الكائنات الحية أن ظهور أنواع واختفاء أخرى لم يكن ليقاس دائماً بالمعايير نفسها. فبقاء الأنواع ليس، كما أسلفنا، هو الهدف الحقيقي من صيرورة الحياة، ولا الوصول إلى أنواع حدية أو نهائية على سلَّم التطور. إن التوازن البيئي لا يدافع في النهاية عن نوع معين أو شكل معين، بل يسعى دائماً إلى تفعيل العناصر وتجديدها وإلى تحيين الخبرات كافة في تجربة جديدة. أفلا يشير ذلك إلى نفسانية تتسم بوعي ذاتي لوجودها، وتعمل على الحفاظ عليه وتجديده أكثر مما تعمل على خلق نماذج معينة محدودة في النهاية أمام قدرتها الخلاقة؟

لعل أي بحث عن التوازن البيئي خارج حدود هذا التجدد يعبر عن نقص أساسي في المقدرة على رؤيا المجال الأرحب للتطور الكوني.

التاريخ الإنساني

ظهر النوع البشري بحسب معلوماتنا الأنثروبولوجية والآثارية منذ نحو ثلاثة ملايين سنة. ويرجع ظهور أسلاف هذا النوع إلى ملايين السنين قبل ذلك. وقد تطور الكائن البشري منذ انتصابه عبر عدة أنواع رئيسية، من الأوسترالوبيثيكوس Australopithicus إلى الهوموهابيليس Homo habilis، إلى الهوموإركتوس Homo erectus، فإنسان نياندرتال Homo Nianderthalensis وأخيراً الهوموسابيان سابيان Homo sapiens sapiens، أو الإنسان العاقل الذي يمثل سلفنا المباشر وظهر منذ نحو 50000 سنة. هذا عرض مختصر جداً وسيِّء جداً بالطبع لتاريخ البشريات! إنما المراد منه القول إن الإنسان لم يظهر بالشكل الذي هو عليه الآن، وإنه يتطور في أنماطه؛ أي أننا لسنا النمط الأخير من التطور بالتأكيد، وأننا، بخاصة، لسنا النمط الأكثر ارتقاء. ومع هذا، فإن الإنسان كان ولا زال وسيبقى على مثال المعنى الحق الكامن فيه وفي الوجود، لأنه فرادة متطورة غير جامدة، وقابلة دائماً للانفتاح على مثال جديد وعلى مقدرات جديدة.

إن ظهور الكائن الإنساني يُعَدُّ ذلك الاحتمال الكامن الذي استطاعت الصيرورة الطبيعية أن توجِّه سياق تطورها باتجاهه. ولهذا يُعَدُّ الإنسان نفسه برهاناً حاسماً على قدرة كامنة في الوجود على إقامة توازن لا يُؤسَّس على التقابلات والتناسبات بين الظاهرات وحسب، بل وعلى الحفاظ على القيمة المتفتحة عبر أدوار الصيرورة.

يتساءل كثيرون عن ماهية العقل والنفس والروح. ويعتقد بعضهم أنها ليست سوى تذهُّنات ناجمة عن نقص في معلوماتنا حول بنية دماغنا وفيسيولوجيَّتنا ومورِّثاتنا! وربما كانوا محقين إلى حد ما في ذلك. إنما لماذا وكيف أوجد الإنسان هذه المفاهيم تحديداً، وكيف استطاع أن يجسِّدها في خياله؟! ترى ألا يستطيع الإنسان، إذا أراد، أن يحوِّل هذه الرؤيا إلى "واقع"، وأن يخلق بالتالي نفسانيَّته وعقلانيته وروحانيته؟!

ليس المراد من هذه التساؤلات إثبات وجود النفس والعقل بالتأكيد. إنما نود الإشارة من خلالها إلى ذلك الجانب الخفي من الكائنات الإنسانية الذي يتفتح من خلالها عبر أشكال وقوى متعددة. فالإنسان مكوّن وفق صورة نموذجية بدئية archetypal image، وعلى صورة الكون وُجد. أي أنه يحمل، كما تحمل الطبيعة، نفسانية التفتح الدائم. وهذه النفسانية المتفتحة باستمرار هي ما دعاه علم النفس الحديث باللاوعي الجمعي collective unconscious. وهذا اللاوعي هو ذلك المحيط الذي يستقي منه الإنسان أنماطه وأفكاره وأحلامه ورؤاه. وهو أيضاً منبع تفتح القوى النفسية والعقلية والروحية في الإنسان. وتوقُّف هذا المنبع عن العطاء يعني نهاية النوع الإنساني نفسه! نحن، إذن، مجبولون على التحول والتطور والتفتح.

كذا فإن الإنسان كائن ذو عقل ونفس وروح. وهذه الكينونات قد تحمل المعنى البسيط الدارج لها؛ إنما المقصود بها هنا أنها تشكل أمثَلَة للقانون الطبيعي وللوحدة الطبيعية وللإيقاع الطبيعي. فالنفس هي، بشكل ما، المعنى المتجسد للوحدة الأصلية للكون؛ إنها القدرة على العطاء الدائم للشعور بالتواصل مع الكون المحسوس، كما ومع الكون غير المحسوس. والعقل، ابن النفس في سياق التفتح البشري، يعكس تكشُّف القانون الذي تتنوع وفقه هذه الوحدة وتتعدد. ولاشك أن الروح عندها تمثل هذه الإمكانية القادرة دوماً على الإفصاح عن طاقات جديدة، ربما عن قوة فوق عقلية supramental في المستقبل، حيث تتمثل في بُعدها الإيقاع الكوني، أو النبض الذي يحيا به الكون!

لاشك أن هذا التقديم لـ"التاريخ الإنساني" يبدو غريباً وغير مألوف! غير أننا أردنا أن نرى إلى معنى وجودنا ومعنى ارتقائنا، وبالتالي إلى معنى أن نحقق توازناً منسجماً مع دورنا في الطبيعة. وقد استندنا في هذه الرؤية، قبل كل شيء، إلى أننا كائنات لا تنفصل عن اللحمة الطبيعية، وبالتالي فإن تذوُّقنا الذاتي نفسه للمعنى الوجودي يندرج في هذا الإطار، أننا كائنات قابلة دوماً أبداً للمعاني الجديدة ولتفتح الطاقات الجديدة.

لقد تمايزت القوى النفسانية والإدراكية في الإنسان عبر تطوره الطويل. وكان هذا التمايز المستمر هو أساس توازنه الداخلي. فعلى المستوى الجمعي للبشرية، أو بالأصح للبشريات، كان ثمة دائماً حلم جديد، وسبيل جديد لتحقيقه. وكان تسارع نمو مقدرات الإنسان الفيسيولوجية والتقنية، كما والنفسية والعقلية، دليلاً على فرادة قادرة دائماً أبداً على تجاوز نفسها، وعلى تحطيم أطر الظاهر والأفق المحلي والآني إلى ما هو أبعد وأوسع وأغنى. وقد كان لقاء نوعي النياندرتال والكرومانيون الذي بات ثابتاً بالنسبة للعلماء وإن كان لا يزال يطرح ألغازاً كثيرة أحد أغنى المنعطفات بالعِبَر. كيف لا ونحن نشهد انطفاء نوع وولادة نوع متفوق عليه؟! إن هذا اللقاء يتكرر باستمرار عبر أدوار وفصول التطور. وهو يبشر منذ الآن بتفتح جديد. إننا مقبلون على إنسان جديد، إنسان ذي نفسانية أكثر قدرة على الإفصاح عن أعماق اللاوعي الكوني، وذي مقدرات عقلية وحدسية أكثر تطوراً دون شك، وربما ذي طاقة إدراكية جديدة، لا نعرف عنها شيئاً، هي طاقة فوق عقلية.

التوازن البيئي

كان ظهور الحياة على الأرض مرتبطاً بالشرط المحلي دون شك، لكنه ما كان لينفصل، بأي حال من الأحوال، عن الظاهرة الكونية ككل. ترى، كيف نستطيع اليوم أن نضع مقياساً لنمو الحياة وازدهارها؟ وكيف يمكننا التنبؤ بأي خطر يمكن أن يهدد مستقبلها على كوكب الأرض؟ وأكثر من ذلك، هل سيكون بإمكاننا التدخل للمحافظة على الحياة وإنقاذها؟

إن الشرطين المحلي والكوني يفوقان دون شك باتساع معامِلاتهما إمكانياتنا المحدودة. فنحن اليوم لا نزال أقرب إلى الجهل منا إلى المعرفة، على عكس ما يحب الكثيرون اعتقاده. والطبيعة لا تزال ملأى بالأسرار التي لم نحزر وجودها بعد. ولا شك أن تقديراتنا لأي خلل يصيب البيئة تظل تقديرات قابلة للتعديل في أية لحظة.

يقوم التوازن الحيوي في الطبيعة على مبدأي الحلقة المغلقة غذائياً والمتجانسة مورثياً. ويتطلب هذان المبدآن تنوعاً غير محدود، كما ويتطلبان دون شك دينامية قادرة على التطور والنمو والتحول. ويعكس التنوع حاجة متأصلة في الطبيعة إلى الكشف عن التعددية اللانهائية للوحدة. ويعكس التحول الدينامي القدرة على خلق الأنماط وتجديدها. وهكذا يعكس التوازن الحيوي توازناً نفسياً على صعيد البيئة.

كيف يمكننا فهم هذا القانون الطبيعي، الذي يمكننا تسميته مجازاً الأخلاق الطبيعية والمبدأ الطبيعي؟! لا شك أن هذا القانون لا يتعارض مع ديمومة مبدأ أصيل يتجلَّى من خلال التنوع والتحول. إن نفسانية الطبيعة قائمة على هذا التقدم المستمر عبر الأشكال المتبدِّلة لوحدة كامنة باتجاه وحدة متفتحة. وهذه الدينامية هي أساس التوازن على مستوى التجلِّيات والأنماط، وهي ليست سوى تعبير عن الوحدة الباطنة التي تشدُّ العناصر في النهاية بعضها إلى بعض.

إننا نتحدث اليوم عن مشكلات بيئية تهدد الحياة، مثل ارتفاع درجة حرارة الأرض بسبب أثر الدفيئةGreenhouse effect  وانقراض العديد من الأنواع يومياً بسبب قطع أشجار الغابات، وتلوث المحيطات والبحار والغلاف الجوي، وغيرها من المشاكل المرتبطة كلها بعضها ببعض. ويهدد تضافر هذه المشاكل بكارثة تمحق الحياة على الأرض أو تُفني على الأقل عدداً كبيراً من الأنواع الحية. والحق أن هذه المشاكل، على أهمِّيتها، تلهينا في الحقيقة عن رؤية الجانب الأعمق للمسألة، وذلك لأننا نهتم بالنتائج التي تخص وجودنا الأناني والجاهل فحسب. إننا لا نستطيع تحديد معيار نقيس به الأخطار الحقيقية التي تهدد الكوكب. وهذا يعني أننا لا نعرف بالضبط مقاييس التوازن البيئي، وبخاصة على مستوى تضافر العناصر في مجموعات وتكافلها فيما بينها. إن السؤال الحقيقي الذي علينا أن نطرحه يتعلق بقدرة الطبيعة على التجدد والنهوض من هذه الأزمة معافاة. فإلى ما وراء ظاهرات التلوث والانقراض وغيرها، هناك التغيرات العميقة التي تتم في البنية الكلِّية للطبيعة، أي على المستويين الخاصين بالصيرورة ككل وبنفسانية الطبيعة. فإلى أي حد مثلاً بتنا نفرض أخلاق أنانيَّتنا وجهلنا على الأخلاق الطبيعية! وإلى أي حد يمكن لنفسانيَّتنا المريضة أن تشوِّش على النفسانية الطبيعية؟!

عند هذا الحد نجد أنفسنا عاجزين عن تصور آفاق المسألة. فلعل صيرورة الطبيعة تبحث منذ الآن عن حلول بديلة للتجربة البشرية برمتها! لكننا، ومن منظور ذاتي بحت، نجد صعوبة في القبول بأن الطبيعة تتراجع عن الاستمرار في خطتها دون المضي فيها حتى نهايتها! صحيح إن الإنسان ليس بحدِّ ذاته خطة الطبيعة الكونية، لكنه، على الرغم من عمره القصير، بات يملك إمكانية تجريد الطبيعة واستئناس بعض قوانين ظاهراتها. إن تاريخ التوازن البيئي نفسه يعلِّمنا أن تحقيق تفتح جديد على مستوى قدرات وطاقات الطبيعة يتطلب أزمنة طويلة وجهوداً هائلة وعملاً متواصلاً لا يفتر، بحيث لا يكون من السهل لأي شواش أن يوقفه. فالطبيعة لا تعمل وفق خيار واحد، أو احتمال واحد. وهي ترفد في كل لحظة خياراتها بالبدائل المناسبة. وعلينا ألا ننسى، بالمقابل، أننا لا نتحدث فقط عن وجودنا كبشر، بل عن الحياة ككل متفتح، وعندها، فإن الخطر الذي قد يتهدد الحياة برمتها لا يتعلق بوجودنا نحن كبشر، بل بنفسانية الطبيعة الأعمق، وما ترى إليه من مصيرنا! ذلك أننا ننسى دائماً أننا لا نمثل شكلاً نهائياً، ولسنا خلقاً كاملاً، وأن أحلى ما نمثله، ربما، هو كوننا جسر أو حلقة في الحلم الطبيعي الغني والفريد.

لا شك أن نفسانية الطبيعة نفسانية مجاهدة في انفتاحها من أجل الحفاظ على التوازن العميق للصيرورة البيئية، لأن التوازن هو عينه هذا التفتح الدائم. والكون في بحثه الأول عن أنماط الفهم الذاتي إنما طرح مسألة التوازن كخيار نهائي لا بديل عنه عند أية لحظة يتعرض فيها شكل هذا "الفهم" أو "الذوق" للتراجع.

إن بنية كوننا هي بنية شواشية chaotic، إنما في قلب هذا الشواش Chaos ولدت نواظم دفق مستمر قادر من خلال إيقاعاته على بعث انتظامات تحيل عالم الشواش إلى لوحة متناغمة. ونحن لا زلنا غير قادرين على فهم هذا التعارض، لكننا نستشف بحدسنا أن هذا الإيقاع الداخلي في قلب الشواش هو من صلب الشواش نفسه. ويبدو أن إبداع وجودنا قام على هذا التناغم بين المتعارضات! إن التوازن القائم في البنية الطبيعية يفوق قدراتنا الإحصائية وتصوراتنا المستقبلية. ومن هنا فإن التوازن البيئي راسخ فيما هو أبعد من المشاكل الحالية. ترى، هل ستتمكن الطبيعة من استيعاب هذه المشاكل مع إجراء تغييرات ضرورية على مستوى النسيج الحيوي والأنواع الحية؟ وما دور الإنسان بالتالي الإنسان المسؤول تجاه هذا الوضع البيئي؟!

لا شك أن الإجابة تكمن في هذه الحوارية التي أبدعتها الطبيعة ونسميها الإنسان! فوجودنا، أي معرفتنا، يجب أن يعمل على تحقيق توازن حقيقي بين الذات والطبيعة. إن خيار الطبيعة بوجودنا أصبح خياراً نشارك فيه؛ فهو مسؤوليتنا أيضاً. وما حققته الحياة في الإنسان أصبح الإنسان اليوم قائماً عليه. إنه، بعبارة أخرى، مشارك في صنع المستقبل. ولابد أن يعي اليوم أن قراره الواعي يجب أن يكون متناغماً مع غنى الحياة وعلى مستوى ما أقامته عليه الحياة. إن توازن الإنسان النفسي لا يتبدَّى لنا من هذا المنظور مجرد حاجة فردية، بل هو بالأحرى غاية جماعية. إن التوازن هو قوة الحياة الواعية.

التوازن النفسي

لم يعد بناء الشخصية الإنسانية في منظورنا اليوم مجرد ملء لوظائف بدنية ونفسية وسلوكية، بل هو عناية مستمرة بالطاقة المتفتحة فينا كيما يستمر إيقاعها منتظماً وتفتحها فاعلاً.

إن التوازن النفسي الإنساني لا يختلف في جوهره عن التوازن النفسي البيئي. فكلاهما إفصاح عن المعنى المتضمن في طاقة الكيان. فإذا كان هذا الإفصاح فاعلاً ودينامياً ومتناغماً مع التفتح الطبيعي أعطى فعلاً متوازناً وبناء سليماً.

كذا فإن التوازن النفسي هو تناغم مع طبيعتنا الداخلية التي لا تنفصل عن طبيعة البيئة والكون. وبالتالي، فإن الاضطراب النفسي أو المرض النفسي لا يقاس فقط بالمعايير والتشخيصات المختلفة التي تضعها مدارس علم النفس الكثيرة. فالظاهرات المرضية الحادة التي يدرسها الطب النفسي ويحللها، أكانت موروثة أم مكتسبة، لا تمثل حقيقة الاضطراب النفسي العام الذي نعيشه اليوم. فإذا كنا لا نعاني من مرض نفسي حاد فإن هذا لا يعني بالضرورة أننا متوازنون نفسياً.

ذكرنا أن تمايز طاقاتنا النفسية أدى إلى ظهور القدرة العقلية. والعقل طاقة استطاعت تمثل المعنى المجرد والتعبير عن التساؤل الكوني. لقد استطاع الإنسان العاقل أن يطوِّر نمط حياته وسلوكه، وأن يوسِّع، بالتالي، آفاقه النفسانية. وهكذا، استمر العقل متوازناً مع النفس التي أنجبته طوال آلاف الأعوام. ومع تطور تقنيات الإنسان وتمدُّنه واكتشاف الكتابة ونموه السكاني، بدأ العقل بالانفصال عن الطاقة النفسية. ومنذ بضعة قرون بدأ يشيد عالمه الخاص والمتعالي عن القوى الإدراكية النفسية، ومنذ بضعة عقود بات العقل مستأثراً بالحكم والمنهج المعرفيين.

وعلى الرغم من الإنجازات الهائلة التي حققها العلم العقلي، لا نستطيع إلا أن نلاحظ، في الوقت نفسه، ضموراً وتراجعاً على مستويات أخرى كثيرة تتعلق بطاقاتنا النفسية. وبدلاً من أن يتساوق النمو العقلي والنفسي معاً، طغى العقل على إمكانيات النفس حتى كاد يخنقها. فإذا كان تفتح إمكانياتنا قد أصيب بشرخ عظيم كهذا، فكيف يمكننا التحدث عن توازن قائم في مدنيَّتنا وعلومنا وعقائدنا اليوم؟!

فعلى مستوى الذوق العام، مثلاً، نلحظ هذا التراجع الرهيب في أساليب التعامل بين الأفراد، وبين الفرد وبيئته، وبين الفرد والمجتمع، وبين الفرد ومواضيع الجمال والفكر والثقافة. إن ثقافة الشباب اليوم هي ثقافة متدنِّية جداً، وتنحصر تقريباً في متابعة الأزياء أو الموسيقى الصاخبة والأغاني المبتذلة. وفي الحقيقة فإن إنسان العصر الحديث يعوض تعويضاً خاطئاً عن حاجاته النفسية والعقلية والروحية التي يفقدها تدريجياً. والقصد إن التعددية النفسانية باتت غائبة عند الشباب. وبات الإنسان عموماً محكوماً بما تقدمه له وسائل الإعلام من أخبار وثقافة. وبذلك انتفى الجهد والذوق النفسيان. ترى، هل يكفي أن نكون قادرين على فهم فكرة علمية أو نظرية؟ وهل يكفي أن نكون قادرين على تصنيع الأجهزة وعلى استخدامها؟ وهل يكفي أن نكون عارفين في مجال تخصصي ونعمل في هذا المجال طوال حياتنا؟ أليس ثمة حاجة نفسية متأصِّلة فينا للانفتاح على مجالات أخرى؟ وللتعرف على قدرات ذاتية أخرى موجودة فينا؟!

يقوم التوازن النفسي أساساً على القدرة على الحركة الدائمة وعلى العمل المتعدد الاتجاهات، وبخاصة على المقدرة على تقبُّل معنى جديد ووظيفة عملية أو إدراكية جديدة. ولقد بدأ الإنسان منذ بضعة قرون يفقد هذه المقدرة تدريجياً، وجيَّر قواه كلها تقريباً لأحكام المنطق الوليد ولآليته القاتلة. وهو منذ فترة أقرب بكثير، لا تتجاوز العقود القليلة، لم يعد قادراً على لجم تسارع غرقه في قبول الإنجازات التطبيقية والاستهلاكية كأساسيات في حياته!

كيف نستطيع، إذن، التحدث عن توازن نفسي ونحن نقتل شيئاً فشيئاً فينا قدرة الخيال المبدعة، ونعتاد على قبول الأسهل والأيسر منالاً؟ إننا نتناسى ضرورة أن يبقى ثمة دافع لنا للعمل وبذل الجهد، ونبني آمالاً على نظريات لتنظيم مجتمعنا تتراوح بين النظرة الدينية التقليدية وأحدث ما توصل إليه علم الاقتصاد مثلاً! ترى، هل سيمكن حقاً للاقتصاد أن يهبنا يوماً توازننا النفسي الذي بتنا نفتقده؟ هل سيعلمنا الاقتصاد مثلاً كيف نتعامل مع البيئة، وكيف نحترم الحياة، وكيف نقتصد في حاجاتنا الاستهلاكية درءاً للتلوث ولزيادة النفايات ولقطع الأشجار وحرقها إلخ؟!

إن معرفتنا العلمية لا تتناسب اليوم أبداً مع خيارنا وسلوكنا. فنحن، على الرغم من معرفتنا بأن استمرارنا في تلويث الطبيعة سيؤدي إلى كارثة حقيقية، نستمر في رمي الملوِّثات وتدنيس حرمة كوكبنا. كذلك فإن إبداعاتنا الفنية الحديثة تحمل في معظم الأحيان في ثناياها النقص وعدم الانسجام والتسرُّع. أما الإبداعات الأدبية والموسيقية وغيرها فلم تعد ترقى إلى مستوى إنساني حقيقي! وحتى لا أبالغ، فإن الضعف الإبداعي العام، الذي يتبدى بمستويات مختلفة حسب المناطق الجغرافية ومستوى التقدم، هو ضعف إنساني عام وقد لا يحق لنا أن نحاكم الإبداعات الحالية بهذه الحدة منذ الآن. ولكن، ألا يشير ذلك إلى نوع من العصاب الجماعي، إلى خلل نفسي وإلى حاجز بتنا لا نستطيع تجاوزه؟

إن الإبداع الحقيقي يكمن في خلق الأنماط الجديدة، وليس في نسخ النماذج بأشكال مختلفة وتوزيعها ونشرها كإنجازات هامة. هذا ما يحصل في عالمنا الاستهلاكي، وهو ينعكس على نفسانيَّتنا قبل أي شيء آخر. فإذا بنا لا نعرف كيف نميز الإبداع من الابتذال، وإذا بقدرتنا على الاهتمام بالأصيل والحقيقي تصبح ضعيفة. إن التكالب على ما هو رائج ويسير بات يشكل أزمة حقيقية هي في صلب أسباب مشكلاتنا البيئية.

ومن جهة أخرى، فإن انجرافنا في تيار الاستهلاك الذي يسود عصرنا ينسينا أن القانون الطبيعي لا يزال قائماً وفاعلاً. وهذا يعني أن تطورنا مستمر، شئنا أم أبينا. فتفتُّح طاقاتنا الداخلية هو نتاج صيرورة وجودنا نفسها. فإذا كنا خلال المرحلة الماضية قد لجمنا هذا التفتح، أو زوَّدنا لاوعينا، منبع أنماطنا المتجددة، بخبرات ضعيفة، فإن تفتحنا الكلِّي لا يعتمد على تجاربنا الذاتية فقط. وكما أسلفنا، فإن التوازن الطبيعي المغروس فينا سيبحث دائماً عن إمكانية تجديد قوة الإبداع لدينا، وعلى إيجاد فرص جديدة لتعويض التراجعات أو الانقطاعات.

قد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً دون شك. وخلال هذا الوقت قد يكون علينا أن نحصد ما نزرعه حالياً. إن مئات أو ربما آلاف السنين المقبلة ستحمل للأجيال القادمة عبء موروث هش نفسياً، رغم غناه المعلوماتي، ومفتقر إلى الأسس الصحيحة لموازنة المنهج العقلي والموهبة الطبيعية الأصيلة. ولن يكون من المجدي بالتالي توظيف هذه المعلومات دون رؤيا شاملة وكلِّية لمعنى الوجود ولصيرورة التطور.

إن اكتشاف القانون العلمي، وفهم الصيرورة الطبيعية، يفرض علينا الخضوع للنسق الطبيعي المكتشَف، لا معارضته أو إعاقته. ومادام هذا التعارض موجوداً فإن الضعف سيظل مسيطراً على نفسانيَّتنا. وعلينا أن ندرك أن هذا الضعف، أو هذا التعارض أساساً، يمكن أن يتخفى بألف شكل وشكل. فالثبات على رأي أو معتقد دون أية محاولة للتجديد فيه، والتشبث بالموروث والخوف من خوض المغامرة المحيطة بنا أينما اتجهنا، والاستكانة لما هو يسير ولما يشبع لدينا الرغبة الآنية، والتعلق بما يسوِّغ لنا سلوكنا دون بذل أي جهد لتغيير وتحويل أنماط فكرنا وعملنا… ذلك كله يشكل الضعف الذي نعاني منه ونأبى غالباً الاعتراف به ومواجهته في أي مجال كان، من الأسرة إلى المجتمع الإنساني، وعلى أي مستوى كان، من الفهم الذاتي لأنفسنا كأفراد إلى فهم أطر مجتمعاتنا العقائدية والفكرية والاقتصادية والأدبية المختلفة…

التوازن النفسيالبيئي

تعاني البيئة اليوم من تدهور كبير بحسب قدرتنا الحالية على القياس! وسبب هذا التدهور بشكل مباشر هو الإنسان. فقد استطاع الإنسان، بحجة استغلال موارد الطبيعة، التدخل في بنيتها وتوازنها. إن الخلل الظاهري الذي نلحظه اليوم بيئياً لابد يعبِّر عن خلل باطني، أو بالأحرى عن تراكم في الجهد على صعيد الإيقاع الطبيعي، وبالتالي، على ضرورة التخلص من عبء مرحلة كاملة أو دور طويل قبل البدء بدور جديد على المستويين البيئي والبشري.

إننا لا نستطيع فصل النفسانية البشرية عن النفسانية البيئية. ولقد أجهدنا نفسانيَّة الطبيعة كما أجهدنا نفسانيَّتنا التي باتت مريضة بوهم الانتصار على قوى الطبيعة. وفي غمرة تناسينا لضرورة مرور فترة كافية تستوعب فيها النفس معنى التطور العلمي والتقني الذي حصَّلناه بشكل سريع جداً، فيكون لديها الفرصة بالتالي لانتقاء الاتجاه والإمكانيات السليمة المتناغمة مع السياق الطبيعي، فقد حملنا عبء الاستمرار في تطوير قدراتنا العلمية والتقنية ظناً منا أن لاشيء يمكن أن يوقف مسيرة العلم والتكنولوجيا.

يخبرنا التاريخ عكس ذلك تماماً. فالأدوار التي تمر بها الثقافات والحضارات هي أدوار ذات منحنيات لها ذروة ولها حضيض، بحيث تلي كل فترة ازدهار فترة انحطاط. والمعنى الأعمق لفترات الانحطاط هو ضرورة الاستيعاب النفسي لمعنى التقدم ولإمكانيات التوسع. وهذه المقدرة النفسية على هضم وفهم التوجُّهات الجديدة هي التي تعطي الإمكانية الحقيقية على إعادة بناء وتجديد الثقافة والحضارة.

نحن نهمل اليوم هذا القانون، ونتجاهل الإيقاع الطبيعي الماثل في التاريخ، ولا نولي أية أهمية للجانب النفسي في عملية تطوير علومنا وتقنياتنا. ومع تقدمنا خطوة إلى الأمام، ننسى أنه لابد بعد ذروة التقدم من عودة إلى حدود دنيا من الإبداع الحقيقي! وربما نلمس منذ الآن بداية هذا التراجع. فبعد الانتصارات العلمية الأصيلة التي شهدناها مند مطلع هذا القرن، نلحظ نمو حاجة متزايدة للاهتمام بالجوانب الجمالية والثقافية وكل ما له علاقة وثيقة بتنشيط حيويتنا النفسية.

ويشير ذلك إلى ضرورة تدارك الخلل النفسي الذي نحياه اليوم، وإن كنا لا نعترف به، وإلى ضرورة التحضير الواعي للمرحلة المقبلة لامحالة عندما يصل تقدمنا العلمي إلى منعطف حاسم، حيث نجد أنفسنا أمام أسئلة جديدة وأنماط فكرية جديدة، بل وظاهرات جديدة تعجز أمامها عقليَّتنا الحالية. علينا ألا نقع في مأزق النسخ والتكرار الذي بدأت ملامحه تظهر جدية منذ الآن في نمط تفكيرنا وحياتنا الاستهلاكي. ولن يكون لنا ذلك ما لم ننتبه منذ الآن إلى حاجاتنا النفسية على قدم المساواة مع حاجاتنا العقلية.

إن التراجع الذي نتحدث عنه في مدنيَّتنا، حتى على المستوى المعرفي، يبدو خيالياً بالنسبة لمعظم الناس مع تقدم علوم الفضاء والإلكترونيات والطاقة والمورِّثات والمعلومات وغيرها… لكن ذلك كله لا يمثل تقدماً حقيقياً على الصعيد المعرفي! وإذا لم نقبل بفكرة التراجع، التي هي في جوهرها تريُّث وتحضُّر، فإن الطبيعة أو البيئة قد تكونان أكثر حرصاً منا على ضرورة الاستمرار في البحث عن توازن نفسيعقلي، يتيح الفرصة دائماً لتفتح جديد وقدرات جديدة. ولهذا فإن كارثة كونية قد تمحق عالمنا، لكن ذكرى هذه التجربة، تجربة معرفتنا الذاتية، ستظل ذكرى مؤلمة في الضمير الكوني. وربما كان لدى نفسانية الطبيعة، لهذا السبب بالذات، حل أمثل لهذا التراجع الخطير. وقد يكون هذا الحل حلاً غير قابل للتصور وفق ذهنيَّتنا الذاتية. ومع ذلك، فإنه قد يكون ببساطة استمراراً في تدهور بيئي وقبولاً لهذا التراجع إلى حده الأقصى، أي القضاء على أنواع حية كثيرة على الأرض، وربما على معظم الأنواع، لتعود الحياة، من بعدُ، في دور جديد وفي تفتح جديد للمعنى الأكثر أصالة الكامن فيها.

قد يبدو فيما ذكرته حول الإبداع العلمي والفني شيئاً من الإجحاف بحق كثير من المبدعين العظام الذين أنجبهم القرن العشرون والذين لا زلنا نستمتع ونحلِّق مع إبداعات بعضهم وندرس ونتعمق بما قدمه لنا بعضهم الآخر. لكن لابد لي من التأكيد على نقطة هامة مع نهاية هذه الدراسة. فالتراجع العام الذي أتحدث عنه في مجالات الإبداع يشمل الحالة النفسية العامة للإنسان، ليس كمبدع فرد فقط، بل وكمتلقي بالدرجة الأولى. ومن هذا المنطلق، ولأن الإبداع هو هذه العلاقة في الجوهر بين الفرد والجماعة، فإن ضعف الجماعة ينعكس في النهاية على الإبداع الفردي. فبعد حد معين من الضعف النفسي العام، لا تعود الجماعة قادرة على تحريض العلم الإبداعي عند الفرد. والتوجُّه العام للجماعة اليوم نحو الأعمال التي لا تشعر فيها بعلاقة حميمة وأصيلة مع المبدع هذه الأعمال التي لا تحرك فيها أكثر من غرائز دنيا في معظم الأحيان هو توجُّه يعبِّر عن انكسار أو شرخ في صلة الفرد مع مجتمعه. إن ما يعبر عن التوازن بين الفرد والمجتمع هو الإبداع المشترك بين الفرد والمجتمع. وما يعبر عن التوازن بين الإنسان والبيئة هو الحياة. ولعل الإنسان يدرك، قبل أن يفوت الأوان، أن مسؤوليته الإبداعية ليست فردية فقط، وأن الحياة أعطته هذه الشعلة ليحملها وينقلها!

تراها، هل راهنت الطبيعة على قدرتنا على موازنة شعورنا تجاهها، وتجاه حقيقة وحدتنا معها؟ أم أنها تنتظر الإنسان القادم الأكثر تطوراً، عبر تراجع إنساننا اليوم؟ أم أنها خارج نطاق فهمنا الذاتي لا زال لها أن تحلم أحلاماً فيها أيضاً وأيضاً المزيد من التفتح والإبداع؟

خاتمة

أردت عبر هذه الأفكار البسيطة الخروج عن النمط المألوف في تناول المسائل المتعلقة بالبيئة والإنسان. وأجدني في النهاية أحب أن أضيف كلمة نهائية قد لا تبدو، للوهلة الأولى، ذات صلة وثيقة بموضوعنا.

إن عقائدنا وأفكارنا وعلومنا ومناهجنا كلها تقوم على أننا مخلوقون في صورة تامة، وأننا وجدنا ضمن الحد الأقصى لإمكانياتنا. فنحن على مثال كامل في الأرض إنما نمونا وتكاثرنا، وعلى صورة الإله كنا! إن ذلك ليس صحيحاً إلا بمقدار ما نحن عليه من كونية ديناميّة قادرة دائماً على بذل نفسها على مذبح الإبداع والتجدد.

لسنا كاملين في بنياننا الجسمي والنفسي والعقلي إلا بمقدار ما نحقق ارتقاءنا المتناغم مع الارتقاء الطبيعي، وبمقدار ما نكون حلقة آنيَّة محدودة في سلسلة لانهائية أزلية.

إن هذه الفكرة المزروعة فينا منذ آلاف السنين، أننا البشر المسلَّطون على الطبيعة، هي السبب الحقيقي فيما يبدو لي من تراجع نفساني نشعر به ومن تدهور بيئي نعيشه. لأن ما يلجمنا عن التطور والتفتح والإبداع، أي عن تحقيق التوازن، هو هذا الشعور بأننا وجدنا في إطار وشكل منتهيين من القدرة والطاقة على التجدد والتطور.

إن معرفتنا وشرائعنا وسلوكنا كلها غير نهائية وغير مكتملة بعد. وعندما نحدُّ أنفسنا بأي منهج فإنما نحدُّ من قدراتنا على النمو والإبداع، ونحد من تفتح لاوعينا الذي يستقي من لاوعي جمعي، هو لاوعي كوني في جوهره.

إن توازننا يكمن في حريتنا من أي شكل مسبق، وبالتالي، من أي شكل محدث أيضاً تفرضه علينا أطر مجتمعنا الحديث. وبهذا فقط إنما تكمن نجاتنا ونجاة بيئتنا على المدى البعيد. وربما كان هذا هو بالذات معنى العبارة التي قيلت في القديم: "اعرف الحق والحق يحررك."

*** *** ***

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود