الــنــعــيــب

 

الفاهم محمد

 

للطفولة مذاق خاص عندي يرتبط بالصلصال، كلما عادت بي الذكريات إلى الوراء كلما شعرت بطعم الصلصال عالقًا بحلقي، لا أدري ما هي العلاقة البعيدة التي تقوم وراء هذه السببية، ولكن ربما يعود الأمر إلى أنني كنت ألتهم هذه المادة الطينية العجيبة كلما كتبت شيئًا فوق اللوح الصغير الذي حفظت فيه أولى سور القرآن الكريم.

لقد لازمتني هذه العادة دائمًا، ما أكتب به أتذوقه في نفس الوقت. أتذكر أنني مرة شربت مقدار كأس من المداد الأزرق، فاضطرت المعلمة إلى عرضي على مدير المؤسسة الذي استغرب من هذا السلوك الطائش، فأخبر والدي بذلك فاضطر هذا الأخير إلى أداء ثمن قنينة المداد كاملة.

كانت الكتابة في بداية عهدي بها تتم بالريشة والمحبرة، لذلك كان لساني دائمًا أزرق كحرباء سامة. أما بعد ظهور الأقلام العصرية فقد اكتفيت بقضم سداداتها. الآن ما يضيرني في الكتابة بواسطة الحاسوب هو أنه لم يعد لي ما أتذوقه أو أقضمه عدا أصابعي. كيف يمكنك أن تكتب دون أن تتذوق طعم الكتابة. هذا على ما أعتقد هو ما يدعونه بالكتابة بالدم. إذا أردنا أن نكتب لا بد لنا أن نشعر ونحس ونتذوق ما نكتبه. هل هناك سبيل ما كي أتوصل إلى تسوية مرضية لهذه المسألة. حتى أسلافنا البدائيين عندما كانوا يخطون رسوماتهم فوق جدران الكهوف، كانوا يطلون وجوههم بالأصباغ ويوقعون أعمالهم بهذه الطريقة. كل كتابة صادقة وجب أن تكون كتابة بالجسد، نوعًا من الوشم كنا نضعه فوق أجسادنا والآن نخطه فوق البياض.

في عالم السينما يمكن للممثل أن يتقمص أية شخصية تعرض عليه ولكن بعد نهاية الفيلم يعود إلى حياته الطبيعية، أما في مجال الكتابة فليس هناك أدوار نلعبها أو وظائف نتقمصها. ليس هناك حياة أخرى نعيشها بعيدًا عن الكتابة. الكتابة هي الحياة، والخروج من الحياة، تعرفون معنى ذلك، هو نهاية الكتابة. من يختار الكتابة يختار الحياة وليس الموت، مثلما هي الفلسفة انتصار للحياة وليس للموت كما قال سبينوزا، كذلك الكتابة هي حفر في جذور معنى الحياة.

لا أستطيع أن أفهم كذلك لماذا كان المعلم في المدرسة الإبتدائية ينعتني بالبومة، كان هذا الطائر يرعبني ويخيفني. كانت جدتي كلما سمعته ينعب في الليل فوق سطح من سطوح أحد البيوت تعتبر أن ذلك نذير شؤم، وأن نهاية أحدهم قد اقتربت. لذلك أن ينعتني المعلم بالبومة/موكة معناه أنني مثل قابض الأرواح، وهذا شيء كان يؤلمني لأنني طالما عشقت الحياة واعتبرتها - وما زلت - أعظم هبة جاد بها القدير في هذا الكون.

بقيت دائمًا خلال طفولتي أترقب كيف أرد الصاع صاعين لهذا المعلم، وقد واتتني الفرصة خلال درس النحو، فبعد أن أنهى شرحه لأحرف النداء في اللغة العربية وطرق استعمالها، طلب منا أن نركبها في جمل من اختيارنا، وهكذا بدأ التلاميذ يقدمون جملاً من مثل يا الله ، ويا رسول الله إلى غير ذلك. وحينما لاحظني أنكمش ببنيتي الهزيلة في الطاولة، أراد أن يعرف عما إذا كنت قد فهمت درس أحرف النداء جيدًا، فتوجه إلي بأصبعه: "أنت يا موكة أليس لك جملة تتضمن حرفًا من أحرف النداء؟". فأجبته بحدس طفولي اختلطت فيه البراءة مع الشقاوة المميزة للطفولة: "يا عدو الله".

تسمر المعلم في مكانه لا يعرف ما أصابه، ولا ما هو رد الفعل الذي يتوجب عليه القيام به في مثل هذه الحالات، فالجملة صحيحة من الناحية اللغوية ولكن معناها يتجاوز سياقها النحوي. بقي هكذا واجمًا للحظة وبعد أن تيقن ربما أن الدلالة أقوى من السياق، وأن معنى الجملة يفوق التركيب رد بغضب: "عدو الله هو أبوك أيها الشقي أصمت عليك اللعنة".

البومة، لما وجب علينا أن نمقت هذا الطائر في ثقافتنا، ألأنه يقض مضجعنا في الليل، يزعج طمأنينتنا حيث تهجع أحلامنا الهادئة. تقول البومة ما ينبغي أن يسمعه الجميع، النعيب الذي تصدره هو بمثابة جرس الإنذار، وكذلك الكتابة على ما يبدو لي، هي بشكل أو بآخر نوع من النعيب.

الآن وبعد كل هذه السنين الطويلة استرجع صورة ذلك المعلم وأترحم على روحه الطيبة. نعم لقد رأى ما يخصني فما أنا إلا نعاب. لقد قيل في الأثر أنه لكل إنسان من اسمه نصيب، ونصيبي أنا هو النعيب.

الكتابة بالنسبة إلي جرس إنذار مبكر، ليست مهمتها تقديم الأقراص المسكنة بل الضغط على الجرح.

كل كتابة صادقة وجب أن تكون تشخيصية وتنبؤية بالضرورة وليست مجرد كتابة وصفية. الوصف يعني التشخيص وإلا فإنها ستتحول إلى نوع من المساحيق، كتلك التي تضعها المومسات من أجل إخفاء بؤسهن.

أكره الأسلوب الجميل، يبدو لي مثل ذلك الكلام المنمق الذي تلجأ إليه المومس التي صادفت زبونًا غنيًا، ولكن لسوء حظها تكون في حالة طمث.

أما الذين يعتنون بالمنطق فأقول لهم : المنطق هو الجنة المليئة بالقوارض والأفاعي والعقارب السامة.

أكره كذلك البحث عن الأضواء، الذين يبحثون عن الأضواء عليهم أن يتوقعوا انقطاع التيار الكهربائي. أفضِّل دائمًا نور الشمعة على مصباح أديسون.

الكتابة وشم بالدم في بياض الليل، كل كتابة هي قول ما يخبرنا برسالة، يحمل نبوءة، يشير إلى جرح؛ نعيب فوق الأطلال.

يبقى فقط كيف يمكن أن نقول هذا المقيل. البعض يختار الشعر، آخرون يتجهون نحو التفكير النظري، والبعض الآخر يرون أن الرواية تمتلك اليوم الريادة، وهي قادرة على ضم كل الأجناس الأخرى داخلها. نعم السرد هو احتفالية الحياة، شريطة أن يكون هذا السرد مركبًا ومفتوحًا. الآن ونحن نعيش تشظي اللغة وانفجار الأجناس، نعيش في الآن ذاته حصاد هذا الشتات، السرد المركب، أو السرد التعددي. هذا هو الحدث البلاغي لعصرنا، آخر الأجناس الأدبية.

وإذا كنت أنعب فذلك لأني أقف كبومة فقدت ريشها فوق أطلال الزمن الحاضر، أطلال الحداثة، أطلال الإنسان. أطلال حضارة التقنية.

الكتابة هي الخطر إذ تعلن عن الخطر، مع ذلك أنا أفضل أن أكون بومة على أن أكون نسرًا ينهش الجيف، أفضل أن أكون جرس الإنذار على أن أكون الكارثة.

*** *** ***

 

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني