سِرُّ الإنسان... بهذا اللسان

 

ياسر المالح

 

بسم الله الرحمن الرحيم
"الرحمان. علَّمَ القرآن. خلَقَ الإنسان. عَلَّمَهُ البيانْ"
صدق الله العظيم

اسمحوا لي أن أقص عليكم قصة اللسان، بلسان شهريار ملك الزمان. فقد قصت شهرزاد عليه بلسانها المعسولْ، ما جعله كالمسطول.

ألف ليلة وليلة يا ظالمة؟ كنتِ تسهِّرينه حتى الصباحْ، ثم تسكتين عن الكلام المباحْ؟

الآن جاء دورُه. وأمر أن تنصتي فلا بدَّ أن يَنفُذَّ أمرُه. فلستِ وحدَكِ البارعة في فنون الكلام. وقد آن الأوان أن ينتقِمَ لنفسِه خيرَ انتقام. فاستمعي يا شهرزادُ إليه. وليس لك أن تعترضي عليه.

قالت شهرزادُ وقد اقتنعت بعض الاقتناع. وهي تعلم أنه لا سبيل إلى الامتناع. قالت لشهريار العنيدْ: "حدثني أيها الملكُ السعيد. ذو الرأي الرشيد. عن هذا اللسان. منذُ أن كانْ. في سالف العصر والأوانْ".

قال شهريار:

اللسان في اللغة

في القاموس المحيط للفيروزبادي وردت للسان المعاني التالية:

اللسان المِقوَل (أي آلة القول وعضو الكلام) ويؤنث (أي يقال هذا اللسان وهذه اللسان[1]. ولا يكون إلا مؤنثًا إذا كان بمعنى اللغة أو الكلمة أو الرسالة). واللسان: المتكلمُ عن القوم. واللِّسْنُ: الكلامُ واللغة واللسان. واللَّسَنُ الفصاحة وهو لَسِنٌ أي فصيح. والملسون الكذاب.

أما لسان الحمَل ولسان الثور ولسان العصافير ولسان الكلب ولسان السَبع فنباتات يُتداوى بها، والقاموس يورد الأمراض التي تشفى بها.

ولسان النار شعلتها.

وفلان ينطق بلسان الله أي بحجته.

ولسان العرب أحد أوسع معجمين للغة العربية[2] صنَّفَه جمال الدين محمد بن مُكرّم الأنصاري المعروف بابن منظور، وهو لغوي وُلِدَ بطرابلس الغرب وتوفِّيَ بالقاهرة سنة 1311م. ولسان العرب يقع في عشرين مجلدًا.

واللسان العربي مجلة دورية للأبحاث اللغوية تصدر عن المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي بالرباط.

قالت شهرزاد: ما سرَّني من كل ما ذكرت، وبالصواب نطقت، أن اللسان يؤنَّث ويُذكَّر. لكنه في التذكير عضو لا أكثر. أما في التأنيث فهو عضو ولغة وكلمة ورسالة وسكَّر.

ومدَّت شهرزاد لسانها كأنما هي تشتفي وتسخر.

اللسان تشريحيًا

لا أدري إذا كان بعض الناس يحرِصون على مدِّ ألسنتهم لينظروا إليها في المرآة كل صباح. أنا في الحقيقة مغرم بلساني، أتفقده في كل يوم، ليس لأنه حلو معسول. بل لأكتشف ما له وما عليه. ومن ينظر إليَّ وأنا أمدُّ لساني أمام المرآة فقد يظن أنني أسخر من نفسي بمد لساني لشخصي. وليس لدي تعليل لارتباط اللسان بالسخرية.

حين أنظر إلى لساني أرى فيه قطعة من اللحم حمراء. هي في الحقيقة مكونة من آلاف الألياف العصبية، تتخللها جزر صغيرة من الخلايا الدهنية. وتسري في هذه الأنسجة الشرايين والأوردة، والأعصاب الحركية التي تحرك العضلات. ويغطي اللسان غشاء مخاطي. وعلى السطح العلوي تبدو لي نتوءات كثيرة العدد تسمى الحليمات. وهي مختلفة الأشكال والأحجام، وفيها تكمن براعم التذوق المتصلةُ بالخيوط العصبية التي تنقل الطعوم إلى المخ فنحسُّ بها، وندرك الاختلاف بينها. والطعوم الأساسية التي نميزها هي: الحلو والحامض والمرُّ والمالح[3]، أما التكهنات العديدة التي نميِّزها فهي مزيج من هذه الطعوم بنسب مختلفة. على أن اللسان قادر على تمييز درجات الحرارة والبهارات الحارة والهادئة. ويساعد على التذوق حاسة الشم، فالروائح تدعم إحساسنا بنوعية الطعام وجودته أو فساده. ولهذا يخفف تذوق من أصيب بزكام، أو من سدَّ أنفه بإصبعه ليتناول دواءً غير مستحب كشربة زيت الخروع مثلاً[4].

فإذا رفعت لساني إلى أعلى رأيت على سطحه السفلي الغدد اللسانية، وبطانة شفافة تشف عن الأوردة والشرايين. وتحت اللسان أرى غشاء يصل اللسان بأرضية الفم يسمونه الإسار. ولعله هو الذي يشد اللسان فلا يُفلَت!!

ونظرتي إلى لساني يوميًا هي نظرة الفاحص، فإذا كان مُخمليَّ الملمس ورديَّ اللون، ليس فيه تشقق أو تقرح، اطمأنت نفسي إلى أنني في صحة جيدة، فأبتسمُ وأحمَدُ الله تعالى. وإذا رأيته مكسوًّا بمادة بيضاء أو شديدَ الاحمرار أو متقرِّحًا فإني غالبًا ما أعرضه على طبيب ليرى فيه رأيه.

ويرى العلماء أن للسان وظائفَ ثلاثاً هي: التذوق، وتحريك الطعام في الفم لطحنه، ومن ثم تشكيله بعد طحنه في شبه كرة لبلعه. وهذه الوظيفة هي بداية عملية الهضم. والوظيفة الثالثة هي الكلام. فاللسان يتخذ بحركته أشكالاً تساعد على نطق الأصوات المختلفة. وأود أن أضيف وظيفة رابعة مشتقةً من الكلام، وهي الغناء. فاللسان والحنجرة بما فيها من حبال صوتية هي الأساس في الغناء. ويبدو أن هذه الوظيفة قد اكتشفها الناس حديثًا، وهي قديمة، فصار كل منهم يغني، حتى صار عدد المطربين والمغنين في زمننا يتجاوز قدرة الكمبيوتر على إحصائه. ولا أستبعد في القرن الحادي والعشرين أن ينقلب الناس كلهم مغنين. ولا أستبعد أن ألقي عليكم هذه المحاضرة مستقبلاً مغناةً بصوتي الرخيم.

وأحب أن أضيف أيضًا وظيفةً خامسة للسان، وهي ترتطيب الشفتين بلحسهما بين حين وآخر، لينزلق منهما الكلام رطبًا لا جفاف فيه.

ولعلكم إن تفقهتم في حكمة خلق اللسان أن تضيفوا إليه وظائف أخرى؛ ربما كان منها تبليلُ طرف الظرف المصمَّغ أو لحسُ خلفية الطابَع البريدي على سبيل الإلصاق. وهي من العادات الضارة التي قد تجرح اللسان وتحمِّله جراثيم كانت ملتصقة بالصمغ، فتؤدي إلى أذى طفيف أو شديد.

قالت شهرزاد: قبل أن تحلِّق بالحديث إلى فوق، حدثني، والله يرعاك، عن اللسان والذوق.

اللسان والذوق

رأينا عند الحديث عن اللسان تشريحيًا أنه مكسو ببراعم أو حليماتٍ متصلةٍ بأعصاب خاصة، تُشعر أصحاب اللسان بالطعوم المختلفة.

والناس مختلِفون في إدراك الطعوم باختلاف عدد الحليمات على ألسنتهم واختلاف العمر والعادات الغذائية عند الأقوام، فما هو طيب مستساغ عند قوم قد يكون كريهًا ممجوجًا عند آخرين[5].

وسيدة البيت تحرِص الحرص كله على تجويد طبخها ليكون أطيب ما يكون عند زوجها بخاصة. فهي تمسك به من لسانه الذوَّاق، ومعدتِه المهلِّلةِ للأطايب، فلا يفلت منها. وقد قيل: "معدة طريق إلى قلبه" ولعله ترجمةً للمثل الإنكليزي: "The way to an English man's heart is through his stomach". وتعبر السيدة الدمشقية عن ذلك بقولها: "طبخت لجوزي محاشي، على قد ما حبها أكل أصابيعو وراها". وعلى ذكر الأصابع، فالذين يتذوقون المأكولات، وهي تعدُّ لمعرفة ما ينقصها من ملح أو حمض، يتخذون أصبعَ السبابة وسيلة للتذوق فيلتقطون برأسها شيئًا من المتبَّل أو المسبَّحة، ويلحسون ما التُقط، ويتلمظون به ثم يقررون زيادة الملح أو الحمض أو الاكتفاء بما هو مقدر، وكثير من الناس يلحسون أصابعهم إذا هي مست شيئًا حلوًا. وعادة اللحس هذه، كما أفادت زوجتي في كتابنا سهرة في بيتنا عادة غير حضارية، وهي تثير التقزز والاشمئزاز. لكننا لا ندري إذا كان الطباخون في المطاعم يلحسون أصابعهم في أثناء إعدادهم الطعام. فإذا كانوا يفعلون فنكون عندئذ قد (أكلنا كمًّا) وليس أكلة خالية من اللحس. وخير الطعام عندنا، زوجتي وأنا، ما كان بريئًا من اللحس و(اللغوَصَة). فاللحس عدا ما يثير من اشمئزاز يؤدي إلى انتقال الجراثيم من فم اللاحس إلى فم الآكل.

وإذا كان اللسان هو أداة الذوق. فالذوق لا يعني الإحساس بالطعوم فقط، وإنما يعني الإحساسَ المرهفَ بالأشياء. فأنا مثلاً ذواق للجمال والشعر والموسيقا والطبيعة، ولا يعني هذا أنني ذقت هذه الأشياء بلساني وإنما ذقتها بوجداني. وفلان ذو ذوق أو (يذوق) كما يقول العامة أي يتصرف بكياسة ولباقة، فهو يُهدي زوجته مثلاً في عيد ميلادها خاتمَ ألماس أو عقد لؤلؤ. لكنه يكون أكثر ذوقًا إذا أهداها سيارة (بي. إم) مثلاً. وبعض الزوجات الطيبات ترى أن زوجها في غاية الذوق لو أهداها وردة حمراء بلون الحب.

ومن هذا اللون من الذوق تنشأ فروع عديدة، منها ما يتصل بالذوق الشخصي كالحرص على الأناقة في الثياب، والانسجام في قطع الأثاث من حيث ألوانُها وحجمُها وكاختيار الموسيقا الملائمة لكل جو ووقت، ومنها ما يتصل بالذوق العام كالحرص على النظافة العامة والتقيد بآداب الحديث، ومراعاةِ آداب الطعام مع الآخرين، والالتزام بالتقاليد في المحافل العامة، وبالطقوسِ في الأماكن الدينية. والحرصِ على خُلُق التواضع واللطف في التعامل مع الناس.

ذلك هو الذوق الذي لا صلة له باللسان، لكنه قد يكون أهمَّ من تمييز الطعوم، مع العلم أن المنبع للذوقين واحد: إن المعيار الدقيق لما هو طيب في الطعوم والسلوك. وهذا المعيار ساكن في النفس التي تحمل كل جميل.

قالت شهرزاد: حدثني يا ملك الزمان عن النطق باللسان. فاللسان، كما يبدو لي، آلته. فما هي حكايته؟

اللسان والنطق

إذا كان اللسان هو العضو الرئيس في جهاز النطق بل هو مركزه، فإن كل ما يحيط به مسخر من أجله. فهو يقع في تجويف الفم كمطلوب مختبئ في مغارة. يحيط به حنك متحرك بمعيار مدروس متدرج، يبلغ أقصى حركة له حين ينفتح الفم في حالة التثاؤب، والحنك كما لا يخفى يتحرك بعضلات بقدر الحاجة إلى النطق. والأسنان جدار من لؤلؤ تتحكم بلفظ بعض الحروف، فإذا سقط هذا الجدار اللؤلؤي كله أو بعضه سقط معه النطق السليم. وهذا التجويف الفموي يؤلف المجال الحركي للسان، والمجَسَّات التي يحط عليها لتكوين لفظ الحروف والأصوات. فإذا رحلنا في عتمة الحلق صادفتنا الحنجرة والحبال الصوتية، وهي التي تهب الصوت نغمته، فيكون من ذلك نغمةٌ رقيقة ناعمة هي صوت المرأة، أو يكون من ذلك نغمة غليظة جشَّاء هي صوت الرجل. فإذا أوغلنا في رحلة الظلام بدت لنا الرئتان ودروبهما المتفرعة، في حركة حيوية دائمة بين شهيق وزفير. والكلام في المحصِّلَة زفير يسبقه شهيق بالقدر الذي يحتاج إليه.

وجهاز النطق هذا بدءًا بالرئتين وانتهاء بالشفتين يحتاج إلى فتحتي تهوية يضمنهما تجويف الأنف والمنخران، فإذا سدت هاتان الفتحتان بزكام أو نحوه خرج الصوت أخنٌّ، واحتل لفظ الميم على وجه الخصوص، كقولك "ممنون" في حال الزكام.

هل حاولتم يومًا أن تعرفوا الحروف التي يتحرك بها اللسان؟ جربوا أن تنطقوا الحروف العربية بدءًا من الهاء، وانتهاءً بالباء. تُرى أي الحروف هي الحلقية؟ وأيها هي اللهوية؟ وأيها هي اللثوية؟ وأيها هي الشفوية؟

علماء اللسانيات والصوتيات عرفوا ذلك في وقت مبكر[6]. والخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب أول معجم في العربية وهو معجم المعين رتب معجمه على مبدأ تدرج نطق الحروف من أقصى الحلق إلى الشفتين. وعدَّ حرف العين أول الحروف الحلقية.

قال الخليل في هذا: العين والحاء والهاء والخاء والغين هي حروف حلقية لأن مخرجها من الحلق. والقاف والكاف لهويتان نسبة إلى اللهاة. والجيم والشين والضاد حروف شجْرية نسبة إلى شجْر الفم إلى مفرجه. والصاد والسين والزاي أَسَلية نسبة إلى أَسَلة اللسان وهي مستدق طرفه. والطاء والدال والتاء نِطعية نسبة إلى النِطع وهو سقف الفم المحزَّز. والظاء والذال والثاء لِثوية نسبة إلى اللثة وهي منغرز الأسنان. والراء واللام والنون ذَلقية نسبة إلى ذلق اللسان وهو حد طرفه[7]. والفاء والباء والميم شفوية نسبة إلى الشفة[8]. والياء والواو والألف والهمزة هوائية لأنه لا يتعلق بها شيء.

هذا هو ترتيب الخليل العالم الجليل وعلى أساسه وضع معجم العين.

ولكن يسمح لي أستاذنا الخليل بأن أخالفه في ترتيب بعض الحروف لا تطاولاً على علمه بل مراعاة لواقع اللفظ.

عندي أن الهاء تسبق العين فهي تخرج مع النفس من مكان أعمق من الحلق (هاء) والهمزة (أ) تلي العين في الحروف الحلقية وليست من الأحرف الهوائية[9].

وأرى أن الضاد لا تدخل في الأحرف الشجرية كالجيم والشين، فهي تشابه في مخرجها مخرج الطاء النطعية. والحروف الذَلقية الراء واللام والنون تسبق الحروف اللثوية في المخرج، ونسبة الحروف إلى اللثة غير مستقرة إذ لا علاقة للثة بهذا إلا إذا كان المتكلم بلا أسنان، عندئذ يخرج لسانه من بين لثتيه وينطق الظاء والذال والثاء والأجدى أن تنسب إلى السن فنقول الحروف السنية لأن اللسان حين يلفظها يطل من بين الأسنان، لكننا لا نغير ما أقره السلف، مادمنا نعتقد بأنهم عمالقة ونحن أقزام.

غفرانك أيها الخليل على هذه المخالفة، فقد يكون ما قلته تجديفًا في حق العربية، لكني أقول رأيي ولو كنت على خطأ، حتى يظهر الصواب. على أني لست الوحيد الذي تصدى للخليل وتتبع عثراته فقد صنف العلماء كتبًا مختلفة في تصحيح ما وقع في معجم العين من أغلاط. وقال أبو بكر بن دريد:

ألَّف عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي رضوان الله عليه كتاب العين فأتعب من تصدى لغايته. ولكنه رحمه الله ألف كتابه مشاكلاً لثقوب فهمه وذكاء فطنته وحدة أذهان أهل دهره.

وحروف العربية ليست ثمانية وعشرين حرفًا فقط كما نرى في المعجمات، وإنما هي واحد وثلاثون حرفًا. والحروف الثلاثة المضافة إلى حروف المعجم هي الألف اللينة الممتدة صوتيًا مصاحبة حرفًا قبلها مثل (يا). والواو الممتدة صوتيًا مصاحبة لحرف قبلها مثل (فو). والياء الممتدة صوتيًا مصاحبة لحرف قبلها مثل (لي). فإذا همزت الألف وظهرت عليها الحركات والسكون صارت همزة، وإذا قبلت الواو والياء الحركات والسكون فهما كغيرهما من الحروف. ولا أريد أن أدخل في اختلاف لفظ الحركات باختلاف مواقعها فذلك يخرجنا إلى علم الصوتيات[10].

وهذه الحروف والحركات هي التي تؤلف اللغة. وبعض علماء اللغة يميزون بين الكلام واللسان واللغة. ويرى فرديناند دي سوسير مؤسس علم اللغة البنيوي أن الكلام La parole هو ما ينتجه أي متكلم بأي لغة. أما اللسان La Langue فهو الكلام الذي يشترك بالتفاهم به مجموعة من المتكلمين. وأما اللغة Le Langage فهي اللغة أي لغة في أي مكان وزمان تمثل المظهر الرسمي الموروث وهي ذات قواعد ومعايير. وبكلمة أوضح الكلام فعل، واللغة حدود هذا الفعل ومعاييره ونظامه. والكلام يحس بالسمع، واللغة فهم وتأمل للكلام. وقد يكون الكلام فرديًا. لكن اللغة لا تكون إلا اجتماعية.

أما علم الكلام الذي ظهر في العصر العباسي فهو علم الجدل والمحاجة الذي تبنته بعض الفرق الدينية كالمعتزلة والأشعرية، ويسمى علم الكلام أيضًا بعلم التوحيد لأنه يثبت الوحدانية لله في الذات والفعل. ويسمى المشتغلون بهذا العلم "بالمتكلمين". وهم متأثرون بالمذاهب الفلسفية الشائعة في ذلك الزمن.

وإنما ذكرنا علم الكلام استطرادًا حتى نستكمل ما يؤلفه الفكر وينطق به اللسان.

قالت شهرزاد: أود أن أسألك عن أمر يحيرني شائق. هل الإنسان، كما يقولون، حيوان ناطق؟

الإنسان حيوان ناطق

حين ميَّز الفلاسفة الإنسان بالنطق من مجمل المخلوقات فإنما ميزوه بالعقل. فالإنسان عندهم حيوان ناطق. أي حيوان عاقل. وبالعقل يتميز، وقالوا عنه أيضًا: إنه حيوان ضاحك وحيوان متديِّن، لأن الضحك والتديُّن صفتان من صفات العقلاء. والكائنات الأخرى ليست عاقلة فهي لذلك لا تنطق، أي ليس لها لغة فكر وتواصل، وكل ما يحركها الفطرة والغريزة.

وأنا لا أود أن أنفي ما اتفق عليه الفلاسفة أو اختلفوا فيه، لكني أريد أن ألفت الانتباه إلى وجود اللسان لدى طائفة من الحيوانات نخصُّ بالذكر منها الحيوانات اللبونة وبعض الزواحف والبرمائيات والطيور.

غير أن الببغاء وحده من الطيور هو الذي يستطيع تقليد كلام الإنسان بشيء من التدريب لما يتمتع به من ذكاء وذاكرة من دون الطيور.

ومن الناس من يهوى أن يكون كالببغاء يردد ما يسمع دون تحريف، ومع ذلك يدَّعي العلم ويصنف نفسه في المبدعين!! فيا سبحان الله!!

والحيوانات ذوات الألسنة قد تكون لها لغاتُها التي تتفاهم بها فيما بينها، وهي تصدر أصواتًا متميزة في مواقف مختلفة. لكننا لا نستطيع أن نعد الحمار مطربًا لأنه ينهق، إلا إذا كان يغني في حفلة منوعات، ولا نستطيع أن نعده أديبًا وحكيمًا إلا إذا كان كحمار توفيق الحكيم. ولا تحسبوا نقيق الضفادع يمت بصلة إلى نق الزوجة التي تردد كل يوم طلباتها على مسامع زوجها بالطريقة نفسها حتى يعافّ حياته، وحكاية (بكره النق) مشهورة يتفكه بها الناس.

لكن القرآن الكريم يؤيد أن يكون لبعض أنواع الحيوان لغةٌ ومنطق. ففي سورة النمل يقول تعالى: "ولقد آتينا داودَ وسليمان علمًا، وقالا الحمدُ لله الذي فضَّلنا على كثيرٍ من عباده المؤمنين. وورثَ سليمانُ وداودَ وقال: يا أيها الناسُ عُلِّمنا منطقَ الطيرِ، وأوتينا من كلِّ شيء، إن هذا لهو الفضلُ المبين. وحُشر لسليمانَ جنودُه من الجنِّ والإنس والطير فهم يوزَعون[11]. حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة: يا أيها النملُ ادخلوا مساكنكم، لا يحطمنَّكم سليمانُ وجنودُه وهم لا يشعرون. فتبسَّم ضاحكًا من قولها وقال: ربِّ أوزعني[12] أن أشكرَ نعمتك التي أنعمتَ عليَّ، وعلى والديَّ، وأن أعمل صالحًا ترضاه. وأدخلني برحمتِكَ في عبادِك الصالحين".

هذا حديث النمل، أما حديث الهدهد، فيعقب حديث النمل، ويحدِّث سليمان عن ملكة سبأ ذات العرش العظيم. فيبعثه سليمان بكتاب إليها يدعوها إلى الإيمان بالإله الواحد. والقصة مبسوطة في سورة النمل لمن أراد أن يتمتع بقراءتها.

فها هنا حوار بين نبي يفهم لغة النمل والطير وبين الطير السفير. لكننا لا نعرف ماهية هذه اللغة والقرآن الكريم يذكر في سورة الإسراء، أن كل ما قد خلقه الله تعالى في السماوات السبع والأرض يسبح بحمده. قال تعالى: "وإن من شيء إلا يسبِّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليمًا غفورًا". والتسبيح لابد أن يكون بلغة ما، لكنها ليست لغتنا التي نتكلم بها. وإلاَّ لكنا فهمنا الوردة حين تفوح بشذاها، وفهمنا لغة الحفيف بين الغصون، ولغة الأزيز بين جماعات النحل حين ترقص[13].

ولكن مما لاشك فيه أن الإنسان قد ميَّزه الله منذ البداية بلغة ليست لغيره من المخلوقات. فقد علم الله آدم الأسماء كلها[14]، وهو علم كان محجوبًا عن الملائكة أنفسهم، وخصَّه بالعقل، فولَّد من اللغة لغات، وصار الحوار لعبتَه المفضلة، كما زوده بآلة النطق وهي اللسان والشفتان. قال تعالى: "ألم نجعل له عينين ولسانًا وشفتين؟" فاكتملت بذلك أسباب الكلام وآلاته، فتنوع ما شاء الله أن يتنوع. وامتلأ الفضاء بملايين الأصوات، وامتلأت المكتبات بملايين الأطنان من الكتب، ومازال الإنسان يبدي ويعيد ويبدع ويضيف إلى ما شاء الله ليؤكد سمته المميزة في النطق والكلام والعقل.

ويبقى سؤال: إذا كان الإنسان المتميز بالنطق والعقل عاجزًا عن فهم لغة الحيوان الأعجم، فكيف نعلل فهم بعض الحيوانات الأليفة لغة الإنسان من خلال استجابتها للنداء والزجر والطلب؟

وكيف نعلل استجابة بعض أنواع الشجر للموسيقا وهي لغة ليست كاللغات؟ ترى هل للأشجار لغتها الخاصة تتفاهم بها فيما بينها كما تفعل الحيوانات؟

في عام 1983، توصل علماء أمريكيون في جامعة واشنطن إلى أن لأشجار الصفصاف لغةً فيما بينها إذا داهمتها العناكب أو يرقات الفراشات لتتغذى على أوراقها الخضراء. ولحماية نفسها تفرز مادة كيميائية، تجعل أوراقها منفرةً غيرَ شهية، لتبعد عنها أذى الغزاة. وهي تنذر جاراتها من شجر الصفصاف بغاز تطلقه في الجو تصل رائحته إلى بُعد سبعين مترًا، فإذا بأشجار الصفصاف التي بلغها الإنذار تفرز المادة الكيميائية المنفردة لتحمي ورقاتها أيضًا.

ألا يمكن أن نعد هذا الاتصال نوعًا من اللغة الخاصة بين أشجار الصفصاف؟

قالت شهرزاد: ما سمعته منك هو العجب العجاب. وأكثر ما أعجبني منك استشهادُك بآيات الكتاب. أفلا حدثتني أيها الملك المليح، عن صفات الرجل الفصيح؟

صفات الفصيح

جاء في فقه اللغة للثعالبي:

إذا كان الرجل حاد اللسان قادرًا على الكلام فهو ذرِب اللسان وفتيق اللسان فإذا كان جيد اللسان فهو لَسِن، فإذا كان يضع لسانه حيث أراد فهو ذليق. فإذا كان فصيحًا بيَّنَ اللهجة فهو حُذاقيٌّ. فإذا كان مع حدَّة لسانه بليغًا فهو مسلاق. فإذا كان لا تعترض لسانه عقدة ولا يتحيَّفُ بيانَه عجمةٌ فهو يصقَع. فإذا كان لسانَ القوم والمتكلم عنهم فهو مِدْره.

وجاء في كتاب نُجعةُ الرائد، وشِرعةُ الوارد، في المترادف والمتوارد لإبراهيم اليازجي في الفصاحة والكلام الفصيح:

هذا الكلام فصيح، محبَّر (منمَّق)، متراصف النظم، متناسب الفِقَر، متشاكل الأطراف، متخيَّر الألفاظ، منتخَل الأساليب، مهذب اللفظ، منقَّح العبارة، مطرد الانسجام. محكم السبك، أنيق الديباجة، غض المكاسر (لين سلس).

وجاء في امتداح الكلام الجميل:

هو كالدرر المرصوف، واللؤلؤ المنضود، والتبر المسبوك، ومطارف اليمن (ثوب والخزِ اليماني (الحرير) والديباج الخُسرواني (الحرير المنسوب إلى كسرى خُسرشاه) والوشي الفارسي. وكلام فلان كان لفظه مناغاةُ الطير، أو ممرُ الصَّبا على عَذَبات الأغصان (المتدلي منها). وهذا كلام ما لحسنه نهاية.

قالت شهرزاد: الله الله ما هذا الوصف الجميل؟ لقد أعطيتني على جمال اللغة العربية الدليل. لكني أود أن أسألك عن البيان. أهو فصاحة اللسان أم أنه أي كلام يتحدث به الإنسان؟

البيان باللسان

الأصل في اللسان أن يبين المقصود أي يوضحه بكلام لا زيادة فيه ولا نقص واللسان العربي المبين هو لغتنا العربية الفصحى الجميلة التي نزل بها القرآن الكريم. وأمراء البيان هم الأدباء الذين يصوغون أفكارهم وعواطفهم في أجمل صورة.

والبيان العربي حافل بالمحسنات اللفظية والمعنوية والرمز مما يكسبه جمال الموسيقا وروعة التصوير.

ومن المفروض أن يكون البيان تعبيرًا عن واقع الحال بمحسنات أو بغير محسنات. غير أن الخيال المبدع قد يخرجه من واقع الحال إلى عالم مسحور. وقديمًا قيل: "أعذب الشعر أكذبه" يقصدون هذه النقلة من الواقع إلى الخيال. ولئن كان الكذب مما يستحسن في الشعر، وكان الخيال مما يستحسن في بعض الفنون الأدبية الأخرى. فإن البيان المتداول بين الناس في يومياتهم يفترض فيه الصدق ومقابلة الواقع. غير أن الحياة الاجتماعية قد تفسد هذا الصدق بما يتطلبه السلوك الاجتماعي من مجاملة أو نفاق أو كذب. والمجاملة خلق يختلف عن النفاق والكذب فهي نوع من السلوك الاجتماعي يعتمد على نظرية الكلام وامتداح الآخر دون السقوط في النفاق والكذب.

والمشكلة التي يعانيها الإنسان هو اضطراره إلى إخفاء حقيقة مشاعره نحو الآخر، وقلَّ من الناس من يستطيع أن يواجه الآخر ويقول رأيه فيه، وهذا في رأيي من المداراة المشروعة. ترى ماذا يحدث لو أن كلاً منا صرح للآخر برأيه فيه؟ في اعتقادي أن العلاقات الاجتماعية ستؤول إلى دمار، وينفرط عقد كثير من الصداقات والارتباطات.

وإذا كان البيان هو الإفصاح عن شيء. فإن الصمت في بعض الأحيان يكون أبلغَ من الكلام. ولاسيما صمت الحكيم. ولهذا عُدَّ الصمت من الفضائل. لكنه لا يكون فضيلة دائمًا إلا إذا استخدم في الوقت المناسب. يروى عن سقراط أنه كان يحاور تلاميذه مرة، وحين انفض المجلس تقدم أحد تلامذته قائلاً: أنت لم تتوجه إلي بأي سؤال. وكنت تحاور زملائي وأنا صامت. فقال له سقراط: تكلم حتى أراك. والصمت ذميم إذا كان يخفي عيبًا أو يمنع مصلحة. وهو جريمة إذا كان صمتًا عن فساد أو خيانة. والجرأة في القول في هذه الأحوال هي الخلق المطلوب، وتاريخنا حافل بالمصلحين الذين أنكروا الخطأ للوصول إلى الصواب.

قالت شهرزاد: كلامك والحق يقال فيه راحة للقلوب. أفلا حدثتني يا طويل العمر عما يطرأ على النطق من عيوب؟

عيوب النطق

الأصل في اللسان أن يكون سويًا لا عيب فيه، لكن أحوالاً تطرأ عليه خَلقيةً أو مرَضية تحول دون استوائه، وتؤدي إلى عيوب في النطق.

والعيوب نوعان: نوع يتصل بجملة الكلام فلا يتضح للسامع ولا يكاد يفهم. ونوع يتصل بنطق بعض الحروف على غير وجهها.

فمن النوع الأول العِيُّ وهو عدم الإبانة في الكلام فلا يُهتدَى إلى معناه لضعف في اللسان. وهو على مراتب تتدرج من حالة العِيِّ البسيطة إلى التكَم، وهو العِيُّ الأعظم.

يقال رجل عَيّ وعَيِيّ، ثم حَصِرٌ وهو من أحس بضيق إذا همَّ بالكلام[15]، ثمَّ فهٌّ وفهيهٌ، وهو من كان مع عِيِّه ضعف ووهن. ثم مُفحَم وهو من كان مغرقًا في العِيِّ، ثم لجلاج وهو من كان ثقيل اللسان مترددًا في كلامه. فإذا بلغ الغاية في العِيِّ فهو رجل أبكم.

ومن العِيِّ اللّفَفُ وهو البطء في الكلام مع عدم الإبانة، فالرجل ألَفُّ، ومنه اللَّيَغُ وهو تردد الياء في الكلام مع عدم الإبانة فالرجل أَليَغ.

ومما يتصل بجملة الكلام من عيوب الخنخنة، وهي أن يتكلم الرجل من لدن أنفه فهو أخنٌّ. ومنه المقمقة وهي أن يتكلم الرجل من أقصى حلقه فهو مُقامق.

أما النوع الثاني الذي يتصل بنطق الحروف على غير وجهها فقد ذكر الثعالبي منه عددًا من العيوب منها:

الرُتّة: وهي حُبسةٌ في لسان الرجل وعجلة في كلامه، فهو أرتّ أو هي العَجمة والحُكلة. اللُكنة والحُكلة: وهي عقدةٌ في اللسان وعجمة في الكلام فهو ألكنُ وأحكل.

الهتهتة والهثهثة: وهي حكاية التواء اللسان عند الكلام. ورجل هتهات كثير الكلام سريعه.

اللُثغة: وهي أن يصيِّر الرجل الراء لامًا في اللفظ. ويضيف الفيروزبادي أو غنيًا أو ياءً أو أن يصيِّر لفظ حرف بدل حرف. أو أن يصيِّر السين ثاء.

وأضيف عيبًا ظهر في عصرنا وهو تصيير الراء (ڤاءً) أي (V) باللغة الأجنبية.

الفأفأة: أن يتردد الرجل في الفاء.

التمتمة: أن يتردد الرجل في التاء.

تلك هي عيوب النطق التي قد تطرأ على اللسان العربي. أما العِيُّ فهو شِرْكة مع ألسنة البشر في أنحاء الأرض. فالأعياء (ج. عَيّ) لا تكاد تخلو منهم أمة.

ولعله من حسن الحظ أن يتجاوز بعض الرجال عيبهم النطقي، فيعوضهم الله قدرة أخرى تكون سببًا في ارتفاع مكانتهم وشهرتهم عبر التاريخ.

والمعروف أن موسى عليه السلام كان عييًا، في لسانه عقدة. فلما بعثه الله نبيًا إلى فرعون وشعبه في قوله تعالى: "إذهب إلى فرعون إنه طغى" "قال رب اشرح لي صدري ويسِّر أمري واحلل عقدةً عن لساني يفقهوا قولي." فأنتم ترون أن عِيَّ موسى لم يحل بينه وبين النبوة، فقد كان مؤهلاً لها بما يمتاز به من قوة روحية وقوة عقلية وقوة بدنية. لكنه التمس من ربه أن يرسل معه أخاه هارون لأنه أفصح لسانًا فاستجاب له.

وديموستينس الخطيب اليوناني العظيم، كان عييًا أيضًا، وكان يكسب عيشه من كتابة الخطب للمتنازعين في المحكمة. لكنه أبى إلا أن يتغلب على عِيه بزيادة تعقيده، فكان يملأ فمه حصى، ويقف عند الشاطئ يخاطب البحر بكلام عسير النطق، أو كان يصعد الجبل ويخطب بصوت عالٍ والحصى في فمه، واستمرَّ على ذلك سنين حتى تغلب على عِيِّه، واستغنى عن الحصى وحرر منه لسانه، فصار من أعظم خطباء اليونان ومن ألمع المحامين في عصره.

وقد اشتهر من العرب في العِيِّ رجل من ربيعة يدعى باقلاً، ضرب به المثل فقيل (أعياء من باقل). وقد بلغ من عِيِّه أنه اشترى ظبيًا بأحد عشر درهمًا، فمرَّ بقوم فسألوه: بكم اشتريت الظبي؟ فمدَّ كفيه ودلع لسانه يريد أحد عشر درهمًا، فشرد الظبي وكان تحت إبطه، فكان بذلك عييًّا أحمق. وقد ذكره المعرَّي في شعره فقال:

إذا وصف الطائيّ[16] بالبخل مادرٌ[17]                 وعيَّر قُسًّا[18] بالفهـاهةِ[19] بـاقلُ
فيا موتُ زُرْ إن الــــــــــــــــحياةَ  ذمــــــيــمــــةٌ                 ويا نفس جِدِّي إن دهرَكِ هـــــــــــــــازلُ

وفي العصر العباسي اشتهر واصل بن عطاء، وكان من المعتزلة، بأنه ألثغ بالراء، قبيح اللثغة. فكان يخلِّص كلامه من حرف الراء فلا يكون فيه. ومما يروى عنه أن بشار بن برد كان قد هجاه، فقال لأحد أصحابه: "أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله؟ أما والله لولا أن الغيلة (الاغتيال) خلق من أخلاق الغالية (فرقة اشتهرت بالاغتيال) لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه". فقال هذا الأعمى ولم يقل بشارًا، ولا ابنَ برد، ولا الضرير، وقال من أخلاق الغالية، ولم يقل المغيرية، وقال لبعثت إليه، ولم يقل لأرسلت إليه، وقال على مضجعه، ولم يقل على فراشه، ولا مرقده، وقال يبعج ولم يقل يبقر. فخلَّص كلامه كله من حرف الراء. فتأملوا.

وفي عصرنا هذا قيل إن أحمد شوقي أمير الشعراء في عصره لم يكن يلقي شعره في المحافل لحَبسةٍ في لسانه. ومحمد عبد الوهاب الذي لزم شوقيًا ولحن من قصائده عددًا كان ألثغ بالسين يحولها إلى ثاء، فتظهر اللثغة في غنائه حينًا وتخفى حينًا فلا يفطن إليها السامع.

وممن كان في لسانه رُتَّة أي حُبسة صديقنا الفنان الراحل عبد القادر أرناؤوط، وكان من ظرفاء دمشق، إذ حضر مجلسًا ملأه حديثًا ومرحًا، فكان الفصحاء يستمعون إليه دون أن ينازعوه الحديث، لعلمهم أن حديثه على الرغم مما يعتوره من عيب نطقي أمتع وأفصح من أحاديثهم، وكان رحمه الله، يلقي نوادر ذوي الرُتَّة واللجلجة بأدائه الطبيعي فتأتي آية في الإبداع والإضحاك[20].

وقد اشتهر صديقنا الفنان ياسر العظمة بتمثيل الشخصيات التي في ألسنتها عيوب نطقية فأتقن ذلك إتقانًا يدعو إلى الإعجاب. وقد سبقه إلى ذلك الممثل الراحل سليم حانا الذي بنى شخصيته الكوميدية على تمثيل شخصية الأرتِّ الذي يتلجلج في كلامه. على أني لست من أنصار الذين يجعلون من المعوقات عمومًا مجالاً للإضحاك. فذلك يسيء إلى المعوَّقين ويجعل منهم ضُحْكة[21]، ولابأس من استخدام ذلك في الكوميديا بحذر شديد حتى لتبدو الإعاقة طبيعية، وليست هي المقصودة بالضحك منها، وإنما يكون الضحك من موقف مصاحب.

وكان يُستظرف من الجارية أن تلحن في كلامها زمنَ شيوع الجواري في العصر العباسي. واللحن هو الخطأ لغةً ونحوًا أو صرفًا مما كان شائعًا على ألسنة الروميات. قال الشاعر[22]:

منطق صائب وتلحن أحيا               نًا وخير الحديث ما كان لحنا[23]

كما تستظرف اللثغة من المتكلم بالفرنسية أو المرأة الپاريسية حين تقول: Mon amour toujours toujours dans mon cœur.

وليس خطأ الجواري ولثغة المتكلمين بالفرنسية من عيوب النطق وإنما هما مما يستحب ويستظرف.

سألت شهرزاد: وماذا تقول في البَكَم؟ وما صلته بالصمم؟ فعندك من العلم ما لا أعلم.

البَكَم

البكم هو اللانطق وفقدان القدرة على الكلام والإبانة. وارتباط البكم بالصمم وثيق. والقرآن الكريم يورد هذا الارتباط بين العاهتين للدلالة على صفات المنافقين والمكذبين والكافرين.

فالمنافقون كما ورد في القرآن الكريم "صمٌّ بكمٌ فهم لا يرجعون".

والمكذبون قال تعالى عنهم: "والذين كذبوا بآياتنا صمٌّ بكمٌ في الظلمات" أما الكافرون فهم صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون".

والبكمُ قد يكون خلقيًا، إما لتلف في مركز النطق في الدماغ أو تلف في الجهاز السمعي. ويصح الأطباء أن يُفحص الطفل الذي تأخر في النطق في وقت مبكر لا يتجاوز عامه الثاني، فإذا تبين أن السبب ضعف في الجهاز السمعي أمكن علاجه.

وقد يكون البكم إثر حادث يتعرض فيه مركز النطق إلى خلل نتيجة نزف أو جلطة أو تلف. وقد يحدث هذا إثر ارتفاع الضغط الشرياني أيضًا. وقد يرافق البكم شلل في الوجه وبعض الأطراف.

أما البكم الذي يكون بسبب صدمة نفسية فهو البكم الهستيري التحوُّلي، وعلاجه أسهل لأنه غير ناشئ عن سبب عضوي. ويكفي أن يكتشف الطبيب النفسي السبب فيعالجه بطرائقه العلمية فإذا الأبكم بعد حين يعود إلى حالته الطبيعية ويتكلم كسحبان وائل، وبه يضرب المثل في الفصاحة والطلاقة.

وقد انتشرت المدارس الخاصة في الوطن العربي منذ حوالي أربعين سنة لمعالجة الأطفال الصم البكم وتعليمهم لغة الإشارة، وهي لغة عالمية تستخدم حركات اليدين والأصابع في التفاهم. وقد انتشرت هذه اللغة في أنحاء العالم. وبعض محطات التلفزيون تحرص على تخصيص زاوية من الشاشة، يظهر فيها خبير يزود الصم البكم بالتعليق على ما يعرض على الشاشة، فيفهمون المقصود ولا يفوتهم من المعنى شيء. وكأنه يترجم لهم اللغة المنطوقة باللغة الإشارية ترجمةً فورية.

ولعل الحالة التي تمثل إرادة الأصم الأبكم على التعلم وتجاوزه عاهته، هي حالة هيلين آدامز كيلر، الكاتبة الأميركية التي ولدت عام 1880. وأصيبت بالصمم والعمى وهي في الثانية من عمرها. وفي سن السابعة عُهد بها إلى المربية الأمريكية آن سوليڤان ميسي، وكانت آن كفيفة أيضًا منذ صغرها، فتعلمت في معهد بيركنز للعميان الأبجدية اليدوية. وقد تحسن بصرها فيما بعد إثر عمليات جراحية متعاقبة.

وتعلمت هيلين كيلر الكثير على يدي آن سوليڤان. فقد كانت تنقل إليها المعلومات بيديها بلغة الأبجدية اللمسية متى تخرجت هيلين في كلية رادكليڤ عام 1904 وأصبحت معلمة وكاتبة، ولها كتب نالت شهرة عالمية منها: قصة حياتي، والعالم الذي أعيش فيه، ونشيد الجدار الحجري، وديانتي.

وقالت شهرزاد مفاخرة: أنت تعترف إذًا بعبقرية حواء التي تجلت بهيلين كيلر الصماء العمياء. فاذكر لي اسم واحد من الرجال كانت حاله هذه الحال.

فسكتَ ولم يجب. فذلك هو البكم الإرادي. وهو بَكَم الصابرين والحكماء عملاً بالحكمة الهندية المتمثلة في ثلاثة قرود يمثلون أوضاعًا تقول ثلاث جمل:

لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم. لكنني والحق يقال، لا أدري ماذا يبقى من الإنسان إذا تمثل حكمة القرود؟ خير له، والحق يقال، أن يمضي إلى رحمة ربه ولا يعود.

قالت شهرزاد: حديث البَكَم المقموع. يجر إلى الحديث عن اللسان المقطوع. فهل لديك عنه من الكلام شيء. يا مرحوم الأم والبيْ؟

اللسان مقطوعًا

لا ريب في أن اللسان في بعض الأحيان يكون عضوًا مؤذيًا ليس في ذاته، بل في الكلام الذي يصدر عن الفكر ويتحرك هو به ويترجمه. فإذا تحرش هذا اللسان بالسلطة أي سلطة أو تمرد على ما هو شرعي فلابد من إسكاتِه من أجل الصالح العام. وسبيل إسكاته على وجوه؛ فإما أن يلقي بصاحبه في السجن تمهيدًا لمحاكمته ومحاسبته، أو ينفى إلى مكان قصيٍّ، أو يهدر دمه. وليس في الحدود الشرعية حدٌّ يوجب قطع اللسان إذا تعمد لأذى، والحدُّ الشرعي هو الجلد لمن قذف محصنة أي: تعرض لزوجة محصنة في أخلاقها واتهمها بالزنى دون بيِّنة. وهذا إيذاء شخصي واجتماعي يحاسِب عليه الشرع بالجلد. والشاعر يقول:

لسانك لا تذكر به عورة امرئ             فإنك عورات وللناس ألسن

غير أن قطع اللسان كان يلجأ إليه أحيانًا وبقسوة خلال جلسات التعذيب في أوروپا في العصور الوسطى.

وفي العامية المصرية يقول الرجل لمن يفشي سره: (أنا حقطع لسانك من لغاليفه). أي من أصله. وتقول إحداهن لخصيمتها إذا احتدم بينهما خلاف: (اخرسي قطع لسانك). وهذا من الدعاء. وقطع اللسان بمعنى إسكاته قد يكون بغير آلة حادة. بل على العكس قد يكون بالإحساس إلى صاحبه. وغالبًا ما يبدل الإحساس الناس فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.

ومما يروى أن ليلى الأخيلية معشوقة توبة بن الحميّر قد قصدت الحجاج ومدحته بقصيدة، فطرب الحجاج وقال لغلام عنده: اذهب يا غلام إلى فلان وقل له أن يقطع لسانها. فطلب الغلام حجَّامًا صَنْعتُه قطع الألسنة، وكان في الغلام غفلة. فقالت له ليلى الأخيلية: ثكلتك أمك، إنما أمرك سيدك الحجاج أن تقطع لساني بالصلة.

ولا يخفى أن هذه الحكاية موضوعة ملفقة. فليس من الطبيعي أن يطلب الحجاج من غلامه قطع لسان ليلى بالصلة كما قصد وقد مدحته بقصيدة. فالمنطق أن يستزيدها من المديح لا أن يسكتها، إلا أن يكون مازحًا وهو يدرك غفلة غلامه.

قالت شهرزاد: أود أن تحدثني يا شهريار عن اللسان المأكول. بحديث سلس معقول.

اللسان مأكولاً

هذه القطعة الحمراء الشهية (الهبرة بلغة القصابين) هل يرغب في أكلها إنسان؟ في الحق أن لسان الإنسان قد يكون الأطيب مذاقًا عند أكلة لحوم البشر، ولاسيما إذا كان اللسان حلوًا أي ينتج دائمًا الكلام معسولاً!! غير أن اللسان من جماعتنا، أعني الذين لا يأكلون لحوم البشر، يأكل ألسنة الخرفان بعد أن تسلق ويذهب لونها، وبائعو (النيفا) و(الرؤوس) خبيرون بإعداد شطائر الألسنة مع البصل والمقدونس والمخللات.

والناس يصفون الرجل الصامت الذي لا يتكلم في الموقف الذي يوجب الكلام بأن لسانه أكله القط. وتقول الزوجة السليطة لزوجها: (شبك ساكت؟ شو بالظاهر لسانك أكله القط؟) وقد ذكرت ذلك في محاضرتي عن اللامعقول في التعبيرات الدمشقية؛ إذ ليس من المعقول أن يهجم قط على إنسان وينتش لسانه من فمه المفتوح ويذهب به ناحية ليأكله، فهذه صورة غريبة تنفرد بها اللهجة الشعبية.

قالت شهرزاد: بقي أن تحدثني عن اللسان في القرآن الكريم والحديث الشريف والأقوال. ولا تنس أن تذكر ما ورد عن اللسان في الأمثال.

اللسان في القرآن الكريم

ما ورد في القرآن الكريم من آيات كريمة ذكر فيها اللسان، كان معظم معانيه "اللغة" كقوله تعالى:

"وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسانِ قومِه ليُبَيِّنَ لهم". وكقوله تعالى: "لسان الذين يُلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربيٌّ مبين". وكقوله تعالى: "ومن آياتِه خلقُ السماوات والأرض، واختلافُ ألسنتِكم وألوانِكم". وأما اللسان بمعنى آلة الكلام وعضو النطق فكان وروده أقل. كقوله تعالى: "يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم". وكقوله تعالى أيضًا: "يوم تشهدُ عليهم ألسنتُهم وأيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون".

ومن معاني اللسان في القرآن الكريم الغيبة والنميمة والأذى كقوله تعالى: "فإذا ذهبَ الخوفُ سلقوكم بألسنةٍ حِداد".

ومن معاني اللسان إذا أضيف إلى كلمة (صدق) الذكر الحسن. كقوله تعالى: "وهبنا لهم من رحمتنا، وجعلنا لهم لسانَ صدقٍ عليًّا".

اللسان في الحديث الشريف

روى عبد الله بن سفيان عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم. قال: قلت: فما أتقي؟ فأومأ بيده إلى لسانه.

وقال عقبة بن عامر: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعْك بيتُك وابكِ على خطيئتك.

وقال الرسول (ص): إن لسان المؤمن وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه. وإن لسان المنافق أمام قلبه فإذا همَّ بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبَّره بقلبه.

وقريب من هذا الحديث قول لعلي بن أبي طالب سيأتي ذكره.

لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه. ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه.

والبوائق جمع بائقة وهي الشر. والقلب حيثما ورد يعني العقل.

في نصحه لمعاذ قال (صلى الله عليه وسلم): يا معاذ، أنت سالم ما سكتَّ. فإذا تكلمت فعليك، أو لك. وقال أيضًا: رحم الله من قال خيرًا فغنم أو سكت فسلم.

قال الرسول (ص) لعمه العباس: يعجبني جمالك. قال العباس: وما جمال الرجل يا رسول الله؟ قال: لسانه.

سألني أبو موسى الأشعري الرسول (ص): يا رسول الله أي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم الناس من لسانه ويده.

من أقوال عليّ (كرّمَ الله وجهه) في اللسان

قال علي (ك): تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه.

وقال أيضًا: لسان العاقل وراء قلبه وقلب الأحمق وراء لسانه. وقد علق الشريف الرضي على هذا بقوله: وهذا من المعاني العجيبة الشريفة، والمراد به أن العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مشاورة وروية، ومؤامرة الفكرة. والأحمق تسبق سقطات لسانه وفلتات كلامه مراجعة فكره.

وقال أيضًا: قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه.

وقال أيضًا: بكثرة الصمت تكون الهيبة.

اللسان في الأقوال

من الأقوال التي تزخر بها كتب الأدب، اخترت لكم منها بعض ما قيل في اللسان. وهي تصلح أكثر ما تصلح مع ما اخترت من أمثال وأبيات شعر لتقويم الهاشمي فعساه يجعلها في أوراق الأيام. قالوا:

-       ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان

-       واترك نهمة الدنيا تسترح من الغم، واحفظ لسانك تسترح من المعذرة.

-       احفظ لسانك إلا من أربعة: حقٍ توضحه، وباطلٍ تدحضه، ونعمةٍ تشكرها. وحكمة تظهرها.

-       كم من كلمة جافة أضرمت نيران فتنة. وكلمةٍ حلوة لينة طيبة أطفأتها وأخمدتها.

-       رب كلمة واحدة يتوقف عليها مصير إنسان وسعادة عائلة وحياة دولة ومستقبل أمة بل وتغيير وجه العالم.

-       اللسان عضو صغير، به يكشف الأطباء عن أمراض الجسد، والحكماء عن أمراض النفس.

اللسان في الأمثال

جاء في مجمع الأمثال للميداني بعض الأمثال التي تتصل باللسان في الجاهلية وبعد الإسلام. فمن ذلك قولهم:

-       إن البلاءَ موكَّل بالمنطق

-       مقتل الرجل بين فكَّيه

-       اللسان مركب ذلول

-       المرء مخبوء تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه

-       لسان المرء من خدم الفؤاد

-       لسان التجربة أصدق

-       لسان الباطل عِيُّ الظاهر والباطن

-       لسان من رُطَب ويد من خشب

-       إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب

اللسان في الشعر

وكائن ترى من صامت لك معجِبٍ       زيادته أو نقصه في التكلُّمِ

لسان الفتى نصف ونصف فــــــــؤاده        فلم يبق إلا صورةُ اللحمِ والدمِ

احفظ لسانك لا تقولُ فتُبلى      إن البلاءَ موكَّل بالمنطَق[24]

احفظ لسانك أيها الإنســانُ       لا يلدغنَّك إنه ثعبانُ

كم في المقابر من قتيلِ لسانِهِ   كانت تهابُ لقاءه الشجعانُ

لعمرك إن الحِلم زين لأهله      وما الحِلم إلا عادةٌ وتحلّمُ

إذا لم يكن صمت الفتى عن ندامةٍ       وعِيّ فإن الصمتَ أولى وأسلمُ

وسمعَك صُنْ عن سماع القبيـــــــــــــحْ        كصون اللسانِ عن النطق بهْ

فإنك عند سماع القبيحْ   شريكٌ لقائله فانتبهْ

وكم أزعج الحرصُ من طالبٍ    فوافى المنيةَ في مطلبه[25]

يعطيك من طرف اللســــــان حـــــلاوةً        ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ

اللسان في التعبيرات الدارجة

يدور على الألسنة في يوميات الناس كلام يُذكَر فيه اللسان ليس على سبيل المثل وإنما على سبيل الوصف والمجاز. فمن أقوالهم:

-       فلان لسانه طويل. أي هو جريء أو ثرثار أو سليط أو شتَّام. وقد يعبر عن طول اللسان بتعبيرات أكثر تعقيدًا وغرابة. فهم يقولون:

-       فلان مسحوب من لسانه (وهو شائع في مصر) أي أن القابلة حين تناولته سحبته من لسانه فصار لسانه طويلاً منذ الولادة. أو يقولون في التعبير عن الطول:

-       فلان لسانه بيكتف حرامي. أي لطوله يقوم مقام الحبل في تقييد الحرامي.

-       فلان لسانه بسبع شطلات أي بسبع فروع أي كثير التلون والمراوغة.

-       فلان لسانه كيف ما دارو بيندار. ويعني القدرة على الكلام في أي اتجاه أراد.

-       فلان لسانه مثل المبرد أي أن يخدش ويؤذي الآخر بما يصدر عنه.

-       فلان لسانه مثل مقص السكافي أي يخوض في الأحاديث التافهة أو المزعجة أو البذيئة.

-       ويقولون عن الخجول المؤدب الذي يغلب عليه الجبن، فلان لسانه قصير أي آكله القط.

-       ويقولون عن الذي يجامل ويزوق الكلام: لسانه حلو مثل العسل. أو لسانه بينقط شهد.

-       ويقولون إذا أرادوا التأكيد على صحة نقل الكلام عن فلان: فلان قال لي هالكلام بعضمة لسانه. والمعروف أن اللسان لا عظمة فيه، غير أن إسناد العظمة للسان يضيف معنى الثقة والقوة لناقل الخبر.

أما في الأمثال العامية فإنهم يقولون:

-       اللسان الحلو بيطالع الحية من وكرها، يضرب للحث على الكلمة الطيبة.

-       إذا كان صاحبك عسل لا تلحسه كله.

-       لسانك حصانك. إن صنته صانك وإن خنته خانك. يضرب للحث على التروي في إصدار الكلام وإحكامه حتى لا يتورط فيما لا تحمد عقباه.

قالت شهرزاد: قد تكلمت فوفَّيت. ومن شوارد الكلام الحسن أعطيت. لكن يظل السؤال: أيهما أعذب لسانًا النساء أم الرجل؟

لسان المرأة ولسان الرجل

هذا التفريق بين لسان المرأة ولسان الرجل يوحي بأن هنالك اختلافًا حادًا بين اللسانين. ترى هل هنالك اختلاف حقًا؟

في الطول مثلاً أيهما أطول؟ لسان المرأة أم لسان الرجل؟

وفي الحركة أيهما أكثر حركة وأعظم انطلاقًا؟ لسانها أم لسانه؟ وفي اللون أيهما أشد احمرارًا من خجلٍ أو نحوه؟ لسانها أم لسانه؟ وفي الذوق أيهما أفضل ذوقًا؟ لسانها أم لسانه؟ وفي الكلام أيهما أسبق إلى الكلام وأقدر عليه؟ لسانها أم لسانه؟

هذه الأسئلة قد توحي بالانحياز المسبَّق للرجل، فطرح الأسئلة في هذه الصيغة كأنما يوحي بموقف لا يطمئنُّ إليه. لكن إجابتي قد تنفي هذا الإيحاء إيثارًا للسلامة وتوخيًا لروح العلم. ففي طول اللسان بالمعنى القياسي، لا بالمعنى المجازي، يختلف طول اللسان وعرضه من إنسان إلى إنسان دون النظر إلى جنسه ذكرًا أو أنثى. وفي مجال حركة اللسان فالمرأة أقدر على تحريك لسانها من الرجل، ويكفي أن ننظر إلى لسانها وهي تزغرد في عرس أو من فرح لنتحقق هذه المهارة الحركية المتميزة، وقدرة المرأة على تحريك لسانها بحذاقة ينسحب على مهارتها في الكلام وتقليب الطعام تمهيدًا لابتلاعه. أما احمرار اللسان فمسألة تتصل بالصحة والمرض ولا علاقة للخجل باحمراره. فالخجل يورِّد الوجنتين وهو من سمات المرأة الفاضلة والبنت المهذبة. وفي مجال الذوق والتذوق لا بد من معيار. وليكن إعداد الطعام. فإذا كانت المرأة هي التي يوكل إليها إعداد الطعام في مملكتها، فإن الرجل هو الأكثر مهارة في هذا الإعداد والأقدر على إتقانه وضبط مقاديره. والدليل على ذلك أن الرجل هو المتصدر في حرفة الطبخ في المطاعم. ربما لأنه أكثر تذوقًا!!

أما في الكلام فقد اطلعت على دراسة عن الفروق بين الجنسين لكريستين جورمان[26] في مجلة Time العام 1992 توضح فيها أن مراكز اللغة الرئيسة تتجمع في المخ عند الجنسين في النصف الكروي الأيسر من الدماغ لكن بعض الدراسات تدل على أن النساء يستخدمن كلا الجانبين من المخ حتى عند أداء أبسط المهام اللفظية مثل تهجي الكلمات. وعلى هذا فإن قدرة المرأة على الحديث اليومي تدعمه المدخلات من مناطق المخ المختلفة. وأن ما تتحلى به المرأة من قدرة على استخدام عمق المخ وتخيلاته يفسر لنا لماذا تبدأ البنات الصغيرات الكلام قبل الذكور على الأغلب، وهنَّ أقدر على التعبير من الذكور لما لديهن من حصيلة أوفر من الكلمات.

وفي مجال عيوب القراءة نجد أن عدد الأطفال الذين يعانون من الفأفأة أربعة أمثال عدد البنات، وفي دراسات أخرى وجد الباحثون أن الذكور في المتوسط أقلُّ طلاقة في الكلام من الإناث، لكن هذه الظاهرة تختفي المدارس المتوسطة ويتعادل الإناث والذكور في طلاقة اللسان، غير أن الذكور يتفوقون على الإناث في اختبار القدرات اللفظية من أجل الالتحاق بالجامعة. هذا في أمريكا[27]. أما الحال في بلدنا فأنتم به أعلم، والملاحظة كفيلة بأن تتيح المجال أمام الباحثين لإثبات أن المرأة هي الأقدر على الكلام المستمر من الرجل. والحوار الهاتفي بين النساء وحوارهن في جلساتهن الخاصة بعض ما تمكن ملاحظته لإثبات هذا التفوق الساحق. وقد أجريت تجربة من خلال لعبة لفظية في إحدى السهرات بأن طلبت من شاب وشابة أن يواجه أحدهما الآخر وأن يبدآ الكلام معًا دون توقف بأي كلام لمدة دقيقة. فسكت الشاب أمام الشابة بعد عشرين ثانية واستمرت هي تتدفق في الكلام والساهرون يضحكون. وقد كررت هذه التجربة في سهرات أخرى فكانت النتائج مشابهة. أما في حالتي، وهي حالة شاذة، فأنا أتكلم أكثر من زوجتي بمئة ضعف، وأسأل الله أن يعينها على تحملي، إلا أن تكون مستمتعة بذلك، فأسأل الله أن يديم علي نعمة الكلام.

قالت شهرزاد: أمتعتني بحديثك عن اللسان. وحديثك مختلف عن حديثي الذي يقص حكايات الإنس والجان. أفلا حدثتني عن الحب عند الحيوان والإنسان؟

قال شهريار: ذلك حديث له غير هذا الأوان. فقد حل الظلام، ولا بد أن أسكتَ عن مباح الكلام. والسلام.

*** *** ***


 

horizontal rule

[1] كثير من الكلمات في العربية تُؤنثُ، وتُذكَّر مثل: الطريق والسبيل والدار.

[2] والمعجم الثاني الأوسع هو تاج العروس للزبيدي.

[3] شاع خطأ بين الناس أن في اللسان مناطق معينة تستجيب لمذاقات معينة فقالوا: يُعرف الحلو بطرف اللسان والحامض والمالح بجانبي اللسان والمرُّ بمؤخرة اللسان. والحق أننا نتذوق الطعوم باللسان كله. (ليندا باراتشوك – الشاهد العدد 124/كانون الأول 1995)

[4] وللطب رأي في التذوق، يتلخص في أن التقدم في العمر لا يضعف حاسة الذوق لدى الإنسان وإنما يضعف حاسة الشم، فيخيل إلى بعضهم أن الإحساس بالمذاق يضعف.

[5] يختلف عدد براعم الذوق بين إنسان وآخر. وعددها في المتوسط بين 100 – 150 برعمًا في كل 2سم2 وعلى هذا تختلف شدة التذوق تبعًا لاختلاف العدد. وفي كل برعم من 40 – 60 خلية استقبال ليفية. وهي تتجدد كل عشرة أيام. (الشاهد – العدد 124/كانون الأول 1995).

[6] علم اللسانيات هو علم يدرس اللغة الإنسانية دراسة تقوم على الوصف ومعاينة الوقائع وفق طريقة منهجية بعيدًا عن الأسلوب التعليمي. وهو علم حديث ظهر في أواخر القرن التاسع عشر.

[7] وقد تسمى الأحرف الذَولقية. والأحرف الذُلق أو أحرف الذلاقة ستة هي الذولقية والذلقية.

[8] وقد تسمى الذَّلقية، بدلاً من شفوية. والذلاقة في الأصل حدة اللسان وسرعة النطق.

[9] وقد أحس الخليل بذلك فقال: الهمزة صوت مهتوت في أقصى الحلق والهتّ العصر فإذا رُفّه عن الهمز صار نفسًا يحوّل إلى مخرج الهاء. ويرى سيبويه أن الهاء حرف مهتوت لما فيه من الضعف والخفاء.

[10] فالضمة في (ينعُمُ) هي غيرها في اللفظ في (أنتُمْ). والكسرة في يَعِدُ غيرها في اللفظ في ملِكْ. فالسكون في الحرف الأخير هو الذي غير لفظ الضمة والكسرة.

[11] يوزعون: يرتبون فئة بعد فئة.

[12] أوزعني: ألهمني.

[13] ثبت أن للحيوانات والحشرات لغات خاصة تتفاهم بها.

[14] جاء في سورة البقرة: "وعلم آدم أسماء المخلوقات جميعها، ثم عرضَهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماءِ هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك لا علمَ لنا إلا ما علَّمتنا. إنك أنت العليم الحكيم. قال: يا آدمُ أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم. قال: ألم أقل لكم إني أعلم غيبَ السماواتِ والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟".

[15] كان موسى يحس هذا الضيق بقوله: "ويضيق صدري ولا ينطلق لساني."

[16] الطائي هو حاتم الطائي المشهور بالكرم.

[17] مادر رجل اشتهر بالبخل.

[18] قسّ هو قسّ بن ساعدة الإيادي وكان مشهورًا بالفصاحة.

[19] الفهاهة: مصدر فَهِهَ أي عَيِيَ.

[20] نادرة المذيع عادل خياطة أيام الوحدة في صوت العرب. (كان مترددًا في كلامًا سويًا في أداء نشرة الأخبار لمن العامة/ص24)

[21] رجل ضُحْكة أي يُضحك منه، رجلُ ضُحَكة أي من يضحك على الناس.

[22] هو مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري والبيت السابق له:

وحديث ألذُّه هو مما          ينعت الناعتون يوزن وزنا

[23] وللبيت كثير من التفسيرات اللغوية لكلمة (لحنا)

[24] وهو نظم للمثل الجاهلي: إن البلاء موكل بالمنطق

[25] وهذا يشبه قولهم: منية الإنسان في أمنيته.

[26] الثقافة العالمية. العدد 56 يناير 1993.

[27] أما في فرنسا فهنالك مثل فرنسي يقول: سلاح المرأة لسانها. فكيف تدعه يصدأ بعدم الاستعمال؟ وهنالك مثل بولندي يقول: امرأة وحيدة في مدينة تحدث جلبة أكثر من مئة رجل.

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني