قطوف من شجرة الحياة 24

 

د. اسكندر لوقــا

 

أن يتخطى الإنسان حاجز احترام الآخر وصولاً أحيانًا إلى حدِّ احتقاره، فإن هكذا سلوك لا يقل بشاعة عن إشهار السلاح في وجهه. وتزداد بشاعة هذه الصورة حين يكون مسندها مشاعر شخصية مردها الغيرة أو حبُّ الذات. إن الاحتقار في سياق العلاقات الإنسانية–الإنسانية، لن يجدي نفعًا في وصول أحد من هواة هذا السلوك إلى ما ينشده، وخصوصًا عندما يكون الآخر خارج مربع المنافسة أو تسجيل موقف. هذه الإشكالية تبقى مرتبطة بظروف نشأة المرء وخبراته في حياته وأيضًا بمدى إيمانه بأنه ليس وحيد زمانه بل هو فرد بين أبناء البشر. تراه فقدان معرفة الإنسان بحقيقة سبب هذه الإشكالية؟

***

أحيانًا يقع الإنسان فريسة التردد في مواجهة اتخاذ قرار حول موقف معيَّن. في هذه الحالة هو يقارب صورة راكب دراجة عجلاتها تدور في الفضاء مكتفيًا بتحريك قدميه. والتردد، كما هو معروف، يلعب دورًا بالغ الأهمية في سياق تفاعل الإنسان سواء مع الفرد أو مع المجتمع الذي ينتمي إليه، وفي غضون ذلك يفقد القدرة على اتخاذ موقف من قضايا قد تعنيه وقد لا تعنيه. وفي أحيان كثيرة يحاول إقناع نفسه بأنه قادر على فرض حضوره في الأماكن التي يختارها حتى وهو لا يزال يراوح في مكانه إلى أن تحط عجلات دراجته على الأرض. من هنا مصيبة البشرية بمن يعتقد أنه مركز العالم وفوق الجميع وما عليهم سوى الدوران حوله. وغالبًا ما يكون سقوط هكذا إنسان في خندق الوهم. تلك هي صورة المدعي بأن لا أحد قبله ولا أحد بعده.

***

يصعب على المرء أن يرضى عن كل ما يراه أو يسمع به، ومع ذلك فإن قبوله أو عدمه لا يغير شيئًا من هذا الواقع لأن ثمة أمور لا يملك الإنسان القدرة على تغييرها كليًا أو حتى جزئيًا، ومن هنا النصح بأن يتجنب الإنسان ما لا يرضيه حتى لا يصاب بخيبة أمل وخصوصًا من قبل أشخاص كان يعتقد أنهم الأقرب إليه وتبين له أنهم ليسوا كذلك. ومعروف أنه عندما تتغير مواقف إنسان كنت تحترمه نحو الأسوأ فذلك مؤشر على أنه لم يكن أصلاً صاحب مبدأ وأن مصالحه كانت تسيِّره وتقربه منك وبزوال حاجته إليك سرعان ما تغير. وبطبيعة الحال فإن حالة كهذه لا بدَّ أن تترك أثرًا بالغًا في صلب العلاقة بين الإنسان والإنسان، وحين لا يدرك أحدنا تبعات هذه المعادلة فإنه لن يشعر يومًا بالهدوء. وفي الحياة أمثلة لا تعد ولا تحصى عن أناس جمعت بينهم الثقة، ومن ثم تبين لهم، لسبب أو لآخر يتصل بمصالحهم الشخصية، أنهم لم يكونوا يستحقون شيئًا من الثقة.

***

أحيانًا يرغب المرء أن يبقى يتحدث ويتحدث إلى أن يكتشف هو نفسه أنه لم يكن لديه شيء يستحق الحديث فيلزم الصمت في الوقت المناسب. والبعض من أمثاله يستمرون في الحديث ولا يأبهون بمن يصغي إليهم أم لا. هذه الإطالة في الكلام مرض العصر العربي إن صح التعبير. نلاحظ ذلك في سياق تكرار المصطلحات، وخصوصًا في المجال السياسي وذلك عندما يبدأ المحلل السياسي بتوضيح قضية ثم لا تكاد تمضي دقائق قليلة حتى يعود إليها كأن المستمع إليه ليس قادرًا على استيعاب رأي الآخر. وينطبق هذا القول على المتحدث في المجال الأدبي والفني والعلمي وسوى ذلك. في سياق الاستماع إلى متحدثين من هذا النوع، يتمنى المرء أن يعامل المحلل السياسي كما يعامل المشارك في أمسية فكرية بالطلب إليه ألا يطيل مشاركته أكثر من دقائق معدودات، لأن تخطي هذه المعادلة تفقد المتحدث قدرته على إقناع المستمع إليه لانشغاله بهواجسه التي تؤرقه ولعجزه عن المتابعة، وخصوصًا في زمن غياب الأحاديث المشوِّقة وتكرار المصطلحات.

***

من الأمراض الشائعة في مجتمعاتنا العربية تحديدًا أن يحاول الفرد، بغض النظر عن بلده أو جنسه أو لونه أو حتى عمره، أن يحاول التعريف بنفسه، وعادة في حضور الآخر، كأنه فريد زمانه في ممارسة العمل الذي يؤديه، كأن سواه لم يخلق لأداء مثل العمل الذي يؤديه أو أنه ليس جديرًا بالقيام به. وبطبيعة الحال فإن مأخذًا في علم النفس يؤخذ على أمثال هؤلاء الناس بأنهم لو كانوا واثقين من أنفسهم لما اختاروا هذا التعريف، ذلك لأن أي مجتمع، وخصوصًا المجتمع العربي المعاصر، لم يلد حتى اليوم أحدًا يمكن أن يقال عنه، بملء القناعة لا الثقة فحسب، إنه أحدث فتحًا في رحاب المعرفة العالمية، وإن كان تاريخنا العربي حافلاً ولكن في الأزمنة القديمة – القديمة جدًا - بمن يستحق أن يكون مثلًا في هذا السياق اليوم وغدًا. في أيامنا هذه، قد لا نبذل جهدًا كي نجد من يميزه عن سواه حسن التآمر، وبمنتهى الإتقان، حتى على أهل بلده استجابة لترهيب أو ترغيب ومع ذلك يحاول الظهور بمظهر من لا شبيه له معتدًا بنفسه. وتلك هي مصيبة المجتمعات الهشة القابلة للاختراق بسهولة. وللأسف باتت مجتمعاتنا العربية في الوقت الراهن ساحات تجارب على مدار الساعة من هذا النوع ولهذا السبب ندفع الثمن غاليًا

*** *** ***

 

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني