الصفحة التالية                  الصفحة السابقة

العينان هما مرآة النفس*

 

ألكسندر لوِون

 

التواصل البصري

في الصفحات الأولى من الكتاب الوجيز في طب العيون الذي درستُه خلال سنتي الدراسية للطب، كان مكتوبًا: "العينان هما مرآة النفس". حيث أصبحتُ أتساءل وأنا متأكد، بأنني كنتُ قد سمعتُ بذلك سابقًا، وأنا متلهِّف لكي أتعلَّم أكثر بخصوص الوظيفة التعبيرية للعينين. ولكنني أُحبِطتُ بعمق، فالكتاب لم يكن يحتوي على أية إشارة للعلاقة بين العينين والنفس، أو بين العينين والمشاعِر. فالتشريح، والفيزيولوجيا، وعلم أمراض العيون كانَت موصوفة على نحوٍ مستفيض بشكلٍ آليٍّ، كما لو أن العينين كانتا عبارة عن ماكِنة كآلَة تصوير فوتوغرافية، على عكس أعضاء الشخصية التعبيرية.

أظن أن الباعِث الذي جعل طب العيون يتجاهل هذا المظهَر للعينين، هو أنه يلعب دورًا في نظام بدقة علمية، عليه أن يعمل كقاعدة وفقًا لمعطيات موضوعية. فالوظيفة التعبيرية للعينين ليسَت انفعالية لعدَسَة مرئية، كما أنها ليست عرضةً للقياسات. ولكن هذا يطرَح السؤال التالي: هل تستطيع منظورية العدسة العلمية أن تفهم بشكل كامِل وظيفة عينَي الكائن الإنساني على هذا الأساس؟ لا يستطيع الأطباء النفسيون، والدارسون الآخَرون للشخصية أن يسمحوا لأنفسِهم باستخدام منظور ضيِّقٍ إلى هذا الحدِّ. علينا اعتبار الشخص في طبيعتِه التعبيرية، والطريقة كما رأيناها لا تُحَدِّد فقط كيفيةَ فهمِنا لها، ولكن كيف تستجيب لنا أيضًا.

تعتمِد لغة الجسد على حكمة السنين. فليس لديَّ أدنى شك حول التأكيد في شأن العينين بكونِهما مرآتَي النفس، وإنه لأمرٌ حقيقي. وهذا هو انطباعُنا الذاتي عندما ننظر إلى بعض العيون، وأعتقِد أنها تتوافَق مع التعبير الذي نراه. وهذه النوعية الإحيائية واضِحَة بشكل خاص في عيْنَي كلب أو بقرة. فعيونهم الكستنائية، والحلوة هي مثل الأرض عندما تكون هذه الحيوانات غير منقبِضة. وتعبيرها الروحي مشترَك في رأيي بالتواصل بمعنى الملاءمَة ومشاركة الحياة في الطبيعة والكون. مثلما وصفت في الفصل الثاني.

كل نوع من الحيوان لديه نظرة خاصة تعكس نوعيته الخاصة. فعَيْنَي قطٍّ على سبيل المثال، لديهما نوعية من الاستقلالية والابتعاد. وتلك التي لطير مختلفة أيضًا، على الرغم أن عيون الحيوانات كلها قادِرَةٌ على التعبير عن مشاعرِها. عندما نملك قطًّا أو طيرًا لبعضٍ من الوقت، فإننا نشعر بأننا قادرون على تمييز تعبيرات مختلِفَة لها. ومن الممكن القول إنه عندما تصبِح العينان ثقيلتيْن من النعاس، أو لامِعَتيْن من الاستثارة. فإذا كانت العينان هما مرآة النفس، إذاك فغنى الحياة الداخلية للكائن الحي، لابد أن تنعكِس في سلسلةٍ من المشاعِر المرئية في العيْنَيْن.

نستطيع القول بطريقةٍ أكثر اعتيادًا بأن العينين هما كمثل نافذتين للجسَد، لكي تُظهِرا المشاعِر الداخلية. ولكن، بإمكانِهما أن تكونا مفتوحتين أو مُغلقتَيْن مثلهما مثل كل النوافذ. وفي الحالَة الثانية، تكونان غير قابلتيْن للنفاذ: فبادئ ذي بدي، يمكن رؤيةَ الشخص هكذا من الداخِل. بوسعِهما أن تكونا بعيدتين، وهما تجولان في الفراغ. تعكس عيون تجول في الفراغ الانطباع بأنه "ليس ثمة أحد هنا"، فهذا النظر شائع عند الأشخاص الفصاميين. عندما يُنظَر في صميم هذه العيون يتولَّد انطباع بفراغٍ داخلي. فالعيون النائية تشير إلى أن الشخص بعيد. وبوسعِنا إعادته إلى الواقِع بجذب انتباهِه. وعودته تتوافَق مع اتصال يترسَّخ بين عيونهم وعيونِنا، وإذاك يركزون بؤرة عيونِهم علينا.

عندما يكون الشخص مستثارًا فإن عينيْه تشتعِلان، وعندما تخور عزيمة الاستثارة الداخلية فإنهما تنطفئان. وعندما نتصوَّر العينين كنافذتين (إنهما لاشك أكثر من ذلك، كما سنرى تاليًا) لدينا على سبيل المثال حالات ندَّعي فيها لأنفسِنا بأن النور الذي يتلألأ فيهما هو عبارة عن شعلة داخلية تصدر عن قلبِ منفتِحٍ تتَّقِدُ فيه هذه النار داخلية. ثمة أيضًا عيون ضاحِكَة، وعيون يتطايَر الشرر منها، وعيون برَّاقَة، وأنا قد رأيت نجومًا في عينَيْ أحد الأشخاص. إلا أن الأكثر شيوعًا أن نرى الحزن والخوف في عيون أغلبية الناس عندما تكون ستاراتُها مكشوفة. بالرغم من أن المظهَر التعبيري للعيون لا يمكن فصلَه عن المنطقة الدائرية للعينيْن والوجه ككل، فالتعبير محدد بشكل أساسي من خلال ما يحصل في العين نفسها. لقراءة هذا التعبير لابد من النظَر بنعومة في عيْنَي الشخص، وليس على نحوٍ ثابت، ولا بطريقة ثاقِبَة، وإنما بالسماح بأن ينبعِث التعبير تلقائيًا. وعندما يحصَل هذا، يتولَّد انطباع لشعور ما، يشعر المرء بالشخص الآخَر. نادرًا ما أناقِش انطباعاتي، لأنني أومن بمعطيات حواسي.

من بين المشاعر التي قد رأيتُ فيها عيون أشخاص تعبِّر عنها هي التالية:

توسُّل: "أرجوك، أحبَّني"

رغبة: "أريد أن أحبَّكَ"

حذر: ""ما الذي تنوي فعلَه؟"

ريبَة: "لا أستطيع الانفتاح عليك"

ايروسية: "أنتِ تثيرينني"

بغض: "إنني أكرهك"

تشوُّش: "لا أفهَم"

رأيتُ زوجًا من العيون منذ سنوات طويلة، ليس بوسعي نسيانهما في حياتي أبدًا. حيث كنتُ أنا وزوجتي نمشي في محطة المترو (أي القطار الكهربائي السريع، وهو عمومًا يمر تحت الأرض وفوق الجسور وأحيانًا على الأرض المنبسطة في رحلته الطويلة عبر عدة محطات يتوقف فيها ضمن المدينة ومركزها وصولاً إلى خارجها) وكلانا نظرنا بتزامن واحِد إلى امرأة كانت جالِسة أمامنا. وتواصلي مع عينيها أعطاني إحساسًا بصدمَة فقد كانت لعينيها هيئة شيطانية لدرجة جعلَتني أكاد أرتجف هلَعًا. حتى زوجتي شعرَت بالشعور نفسِه: وعندما ناقشنا الحالَة مؤخَّرًا، اتَّفَقنا على أننا كلانا لم يسبق له رؤية عيون شيطانية إلى هذا الحد أبدًا. قبل هذه التجربة، لم أكن أعتقِد بأن العيون تستطيع أن تظهر شيطانية. وهكذا، استدعَت هذه الحادِثَة ذكرى قصةٍ كنتُ أسمعُها خلال الصِّبا، فيما يتعلق بـ"عين الشيطان" مع قدراتِها الغريبة والمخيفة.

إن السياقات الفيزيولوجية التي تحدِّد تعبير العين غير معروفة[1]. ما نعرفه فعلاً هو أن البؤبؤين يتَّسِعان عندما يشعر الشخص بالألَم أو الخوف، وعلى العكس فهما ينكمشان مع الشعور باللذة. إن إغلاق البؤبؤ يساعِد في تركيز بؤرة العين. الامتداد يوسِّع من حقل الرؤية المحيطية بينما يقلِّص من دقَّة البؤرة. إن ردود الأفعال هذه تم قياسها من خلال نظام عصبي مستقلٍّ، ولكنه لا يفسِّر الظواهِر الدقيقة الموصوفَة أعلاه.

لدى العينين عمَلِيًا وظيفةٌ مزدوجة: عضوا الرؤية، والتواصل أيضًا. عندما تتلاقى عينا شخصين، فثمَّة إحساس بتواصل جسماني فيما بينهما. ونوعيته تكون متعلِّقَة بالتعبير الخاصِّ بالنظَرات. ويمكن أن تكون فظَّة جدًا وقوية لدرجة أن الإحساس يكون صفعةً في الوجه أو ناعِمًا جدًا لدرجة يظهَر فيها على أنه ملاطَفَة. ويمكِن أن يكونَ ثاقبًا أو تعريةً للشخص، وبعدة أشكال أخرى. ويمكن النظَر إلى شخص من خلالِه أو من فوقِه أو حواليه. إن فعل النظر يشمل مركَّبًا عدائيًا أو فعَّالاً يمكن وصفه بالعبارة التي يكررها كثيرون "أكلتُها بعينيَّ". فالتواصل وظيفة للنظَر. ومن جهة أخرى، الرؤية هي سياق أكثر انفعاليةً حيث يسمح للتحريض البصَري أن يدخل عبر العيون، ويعطي أصلاً لصورة فقط. وعندما ينظر، فالشخص يعبِّر عن نفسِه عبر العينين بشكل فعَّال.

التواصل البصري هو أحد الأشكال الأكثر حميمية وقوة للتواصل فيما بين شخصين، لأنه يشمل تواصل المشاعِر على مستوى أكثر عمقًا مما هو للتواصل الشفهي: فالتواصل عبر العيون هو شكل من أشكال التلامس. ولهذا السبب، يُمكنُ لهذا النوع من التقرُّب أن يصبح أكثر إثارة. فعلى سبيل المثال، عندما تلتقي عينا رجل بعيني امرأة، فمِن المُمكِن للاستثارة أن تكون قوية جدًا لدرجة يشعر فيها المرء باستثارة في أعلى البطن وفيما بعد في الأعضاء التناسلية. توصف هذه التجربة كما "الحب" من أوَّل نظرة. فالعينان مفتوحتان، وتدعوان الآخَر، والنظَر له نوعية إيروسية. فأيًا كان الشعور المنتقِل بين زوجين من العيون، فيكمن تأثير لقائهما في تنمية الفهم بين هذين الشخصين.

التواصل البصري بشكل مرجَّح هو العامِل الأكثَر أهمية في العِلاقَة بين الآباء والأبناء، وبشكل خاص في العِلاقَة بين الأم والطفل. ومن المُمكِن ملاحظة طفل وهو يرضَع من ثدي الأم كيف ينظر بانتظام إلى أمه لكي يدخل في تواصل مع عينيها. وإذا أجابَت الأم بحب، فثمَّةَ مشاركة بلذَّةِ التقرُّب الجسماني الذي يدعَم الإحساس بالأمان والثِّقَة عند الطفل. ومع ذلك، فهذه ليسَت الحالَة الوحيدة التي يسعَى فيها الأطفال للتواصل البصري مع أمَّهاتِهم. ففي كل مرة تدخل فيها الأم إلى غرفة طفلِها، فإن عيني هذا الأخير تتوجهان لكي تتلاقيا مع عينيْ والدتِه، في استباق الكثير من المتعة بالمقدار نفسِه الذي يكون فيه خائفًا مما سوف يجلبه هذا التواصل. إن الحرمان من التواصل بسبب واقع أن الأم لا تترك عينيها تتلاقيان مع عيني ابنها، فهذا الأمر يختبِره الطفل للأسف على أنه رفض له، آخذًا الإحساس به إلى الشعور بالعزلة.

أية كانت الطريقة التي ينظر الوالِد من خلالها إلى ابنِه، فسيؤثِّر النظر على مشاعر الطفل، متمكنًا على التأثير بعمق في سلوكِه. فالنظرات كما قلت سابقًا أكثر قدرة بكثير من الكلمات. من الشائع تكذيب الكلمات. فبإمكان الأم أن تقول لابنها إنها تحبه، ولكن فيما إذا كان نظرها باردًا وبعيدًا، وكان صوتها قاسيًا أو بدون رنة، فالطفل لن يشعر بما تسمِّيه الأم بالحب. فمن الممكِن ضمنًا الشعور بالضبط بالنقيض. وهذا سوف يعطي مجالاً لحالة من التشوُّش التي سوف يجد حلاً لها بطريقة عصابية، إذ إن الطفل، وهو قلق في اعتقاده بما يُقال له ذلك القول الذي يتناقض في الوقت ذاتِه مع أحاسيسِه نفسِها. ليسَت النظرات التي تحمل فقط كراهية تضرُّ بشخصية الطفل، فنظَرَات أحد الوالدين، والتي تغوي، تكون مواجهتُها أيضًا أكثر صعوبة. لا يستطيع الطفل أن يغضَب بسهولة من هذا النوع من النظَر لأن الأب أو الأم بوسعهما تبريره على أنه مودَّة. والنظرة التي تغوي أو النظرة الإيروسية لوالِد نحو الطفل تثير جنسانية هذا الأخير، وتجعله يكوِّن رابطًا من نوع غشيان المحارم (سفاح القربى) بين كليهما. لدي اليقين من أن أغلبية العلاقات ذات طابع غشيان المحارم في عائلة تقوم على أساس النظرات أكثر من الأفعال.

يتجنَّب أشخاص كثيرون التواصل البصري لكونهم يخشون مما يمكن لنظراتهم أن تؤدي إليه. فيصيرون مرتبكين عندما يدَعُون شخصًا آخَر ينظر عما هي عليه مشاعرهم، وهكذا يتجنَّبون نظرة الآخَر أو ينظرون بشكلٍ ثابت. يكاد تثبيت العينين أن يجعلهما كما لو أنهما زجاجيتان، فهو شكل من عدم الحثِّ على التواصل. النقطة المهمَّة في القضية هي عدم وجود تواصل ما لم يوجد تواصل أو تبادل للمشاعر بين كلا الطرفين. فمن الممكن عَدَمَ التعرُّف من خلال الشعور على الآخَر كفرد. وعليَّ بهذا الخصوص أن أشير إلى بعض الأشخاص البدائيين الذين يستعمِلون تعبير "إنني أنظر إليك" كشكل للتحية، بما أن التواصل البصري هو شكل من الحميمية، قد يؤدِّي إلى تورُّط جنسي خصوصًا عندما يكون الشخصان من الجنسين المختلفين. لا يمكن الاعتراف بفرد آخَر ما لم يتحقَّق ويقبل بجنس الآخَر كفرد.

أمام واقع كون العيون الطريق لمقدار كبير من الأهمية من أجل التواصل، فكثير من الأنماط الأكثر حداثة في العِلاج الجماعي تحثُّ على التواصل البصري بين المشتركين. وذلك من خلال تمارين خاصَّة. استخدمنا تمارينًا مشابِهَة في المنهَج الحيوي الوظيفي الطاقي للعِلاج الجماعي. يعتبِرُها أغلبيةُ المرضى نافعة جدًا لأنها تجعل عيونَهم تستطيع الشعور، وهذا ما يجعلها تشعر بأنها أكثر امتلاءً بالحياة. وعندما يكون الأشخاص منطوون على ذواتِهم فإن عيونَهم في حدِّ ذاتِها تكون مغلَقَة، ولا تتَّخِذ الوسَطَ المحيط ضمن كيفية حسَّاسة. من الواضح أنها ترى الوسط المحيط، ولكن هذا النظَر مجردٌ من الاستثارة والشعور.

التواصل البصري هو أمرٌ أُجهِد نفسي باستمرار لترسيخِه مع المريض. ليس فقط لمساعدتي على معرفة ما يحصَل من لحظة إلى أخرى، بل أيضًا من أجل تزويد الآخَر بالشعور بالأمان العميق بأنني حاضِر بجملتي معه. وعندما يُستخدَم التواصل البصري كجزء من تمرين جماعي أو من علاج فردي، فيجب تحقيقه مع شيء من العفوية للضمانة بأن تعبيرَه نزيهٌ. وهذا ممكن التوصل للقيامِ به كما لو أن التواصل قصير الأمد. فإن نظرة، ولمسة، ولحظة فهم، وبالتالي ينتبِه الشخص إلى الجانب الآخَر. والمحافظة على التواصل البصري متجاوزًا لفترة قصيرة الأمد، عدا عن كونِه كذلك فسوف يكون الأمر ضد الطبيعة، ومتصنَّع، كما تصبِحُ حركة النظر إكراهًا وتنحو إلى شكل آلي.

العينان والشخصية

العينان مرآة النفس لأنهما تعكسان مباشرةً، وللحال، السياقات الطاقية للجسم. وعندما يُحمَّل شخص بالطاقة، تلتمِعُ عيناه، مما يشير إلى حالتِه الصحية الجيِّدة. وأي اكتئاب على المستوى الطاقي للشخص يُضعِف من ضِياءِ عينيه. وعند الوفاة، تنقلب العينان إلى أعلى. وهناك أيضًا عِلاقَة بين حمولة طاقة العينين والجنسانية. إنني لا أتكلم عن الإثارة الجنسية التي لها بدورها تأثيرها في العينين. فالجنسانية ظاهرة جسمانية كلية، وتشير حتى إلى أية درجة يكون فيها الشخص متطابقًا مع وظيفتِه الجنسية. فالشخص الذي يتمتع بدرجة عالِيَة من الجنسانية تمثِّل تيارًا من الطاقة الكامِلَة، وتكون النقاط المحيطية للاتصال مع العالَم هي أيضًا في حالَةٍ من الحمولة. وكما قد أشرتُ سابقًا، فهذه النقاط المحيطية هي العينان، واليدان، والعضو التناسلي، والقدمان. وهذا لا يعني القول بأن العضو التناسلي يكون مستثارًا. فهذا يحصل فقط عندما تنتقِل المشاعِر أو الطاقة لتتركَّز في هذا العضو. إن الارتباط بين العيون والجنسانية يجري التعبير عنه في هذا المَثَل الشعبي البرازيلي: "بريق في العينين، ونار في الردفين" بما يعادله في الإنكليزية الأميركية حيث يقولون: "bright – eyed and bushy – tailed".

أن يكون المرء متواحدًا مع جنسانيِتِه نفسِها هو مظهَر لكون اتصاله بالأرض ثابت grounding. وأي نشاط أو تمرين يوطِّد الشعور بأن يكون المرء على اتصال ثابِت مع الأرض يساعِد في الرفع من مستوى الحمولَة الطاقيَّة للعينين. وبوسعِنا التأثير في العمل العام للعينين عند تعزيز اتصال الشخص مع ساقَيْه، ومع الأرض. فالتمارين التي نمارسها للاتصال بالأرض grounding مفيدة جدًا في هذا الخصوص. حكى لي عدة مرضى بأنه بعد عمَل مكثَّف على الساقَيْن، فإن رؤيتَهم قد تحسَّنَت إلى درجة أن أغراض بيوتهم أصبحَت تبدو أكثَرَ وضوحًا، ولمَعانًا. وعندما لا تكون قدما الشخص على الأرض، فإنه لا يبصِر بوضوح ما يحدث حولَه – فيبدو كما لو أنه أعمى بسبب أوهامه.

ترتكِز هذه الاعتبارات على افتراض أن مقياس قوَّةِ الأنا يُمكِنُ تحديدُه من خلال كمية الطاقة التي تحتويها العينان. فالفرد ذو الأنا القوية لديه إمكانية النظَر مباشرةً في عينيِّ شخص آخَر. ويمكنه القِيَام بذلك بسهولة لأن لديه الثقة في نفسِه. فالنظَر إلى شخص آخَر هو كيفية لتأكيد الذات بالطريقة نفسِها التي ينظر فيها إلى نفسِه، وهي إظهار للتعبيرية الذاتية (التلقائية). كلنا واعون بشكل طبيعي لهذه الأفعال، إنه إذن أمر مخذِل بألا توجد إشارات كافية فيما يتعلق بالعيون في معظم النقاشات التي تدور حول الشخصية.

الخطوة التالية في فهمِنا للعلاقات بين العينين والشخصية هي اشتراكها في تعبير العينين عن مختلَف أنماط الشخصية. فثمَّة في بنية الطبع تعبير نموذجي لا يمكن أن يدرِكَه ملاحِظ ما بشكلٍ دائم، ولكن هذا لا يعني أن يُترَك تعبير العينين بأن يكون اعتياديًا كفايةً لكي يفيد كقاعدة للتشخيص. فهذا الأمر يجدي بشكل مؤكد على سبيل المثال في حالةٍ كفرد شيزوفريني ذي نظَر لديه سِمَةٌ جنونية. كان رايش قد علَّقَ بهذا الخصوص، وأنا وصفتُه في كتاب الجسد المُخان O corpo traido وعلينا فقط أن نعثر على هذا التعبير في عَينيْ شخص ما لكي ندرك بأنه "خارج التناغم" أو أنه من الممكن أن يكون "ليس حاضرًا معك وإن كان موجودًا معك في جسمه".

عليَّ الإيضاح في هذا الوصف المجمَل بأن أقدِّم ارتباط طريقة النظر مع أنماط الطبع المتنوِّعَة، ومن الجدير ذكره بأن هذه الأنماط من الطبع ليست حاضرة بشكل دائم، وبأن نَظَرًا عرضيًّا ليس معنيًا بهذا الخصوص. إننا في بحث فعلي عن النظر النموذجي.

الطبع الفصامي: من الممكِن أن نصِف النظَر النموذجي كما لو أنه فارغ أو غير تعبيري. ذلك أن غياب الشعور من العينين هو الذي يحرمه من ميزة الشخصية لأن الشعور هو الذي يضفي هذه الميزة على هذه الشخصية. فعندما ينظر فصامي إليك فإنك تشعر للحال بعدم وجود أي تواصل.

الطبع الفموي: النظر النموذجي عنده هو الاستعطاف، إنه التماس الحب والدعم. ويمكنه وضع قناع من خلال حالة استقلالية زائدة، ولكن النظر المستعطِف، يأتي إلى السطح بتواتر كافٍ لكي تصبِحَ هذه الشخصية واضحة.

الطبع المعتلُّ نفسيًا: ثمة نموذجين من النظر عند الفرد المعتل نفسيًا، وهما متلائمان مع طريقتي المعتل نفسيًا حيث نعثر فيهما على الحالتين اللتين تميزان المعتل نفسيًا. فالنظر الذي يُجبِر أو النظر النافِذ يكون حاضرًا لدى أولئك الذين هم بحاجة للسيطرة والهيمنة على الآخَرين. فعيون أشخاص كهؤلاء تثبِّت الناس كما لو أن إرادة المعتل نفسيًا تُفرضُ عليهِم. والنموذج الآخَر لنظر المعتل نفسيًا يكون ناعمًا، ومغويًا، أو أنه ببساطة يتآمر على الآخر أو يغوي الشخص الذي يتوجَّه في سبيل الاستسلام بين ذراعَيْ المعتلِّ نفسيًا.

الطبع المازوخي (الذليل): النظر النموذجي لهذا النمط هو المكابدة أو الألَم، إلا أنه يُعثَر عليه غالبًا مغطَّى بتعبير مرتبِك. فالمازوخي أي (الذليل) يشعر بنفسِه أنه مضحِك، أو أنه في اتصال أعظم مع هذا الشعور مما هو مع الحس الكامن للعذاب. ففي الشخصية السادية – المازوخية، أو بعبارة أخرى، لدى الأشخاص الذين يحملون عنصرًا ساديًا مؤثِّرًا في ملامحِهم النفسية، تكون العينان صغيرتين وقاسيتين. وهذا يمكن تفسيره على أنه انعكاس للنظر المازوخي الطبيعي، الحزين والمهذَّب.

الطبع الصلب: بشكل عام، لدى الفرد الحامل لهذا النمط من الشخصية عيون قوية ولامعة نسبيًا. فعندما تكون الصلابَة واضِحَة، تصبِحُ العينان قاسيتين بدون أن تفقدا بريقَهما. فتوحُّش النظَر هو دفاع الحزن الذي يكمن تحت سطح الطبع الصلب، والذي يتعلَّق بالشعور بعذاب ذي طبيعة عاطفية. وبخلاف عن الفرد ذي الطبع المازوخي (الذليل)، فالصلب يتوازن من خلال حالة عنيفة وعدائية تسطَعُ في عينيه وبقدر ما تفعل في كينونته فهي كذلك تنعكس أيضًا في عينيه.

بوسعي في هذه اللحظة، إضافة بضعة تعليقات حول عينيَّ الخاصَّتيْن، اللتيْن بإمكانِهما أن تكونا إيحائيتين. فقد فكرتُ دائمًا بأن عيني اليمنى كانت الأكثر قوة، لأن لديها تعبيرًا أكثر تحديدًا مع تلك التي أتطابق معها. فمنذ بضعة سنوات، بمناسبة قيامي بفحص الرؤية لنيل شهادة قيادة دراجة نارية، اندهشتُ عند الإثبات بأن العين اليُسرَى كانت الأكثر ضعفًا. فرؤيتي اليُسرى، كانَت تظهر دائمًا بالنسبة لي ضعيفة لأنني كنتُ أبكي بسهولة أكثر، وغزارة أكبر في وضع حزين أو عندما كانت تهبُّ الريح بقوة. أدركتُ الآن بالضبط بأن هذه الصفة للعين اليسرى التي كانَت قد حافظَت على قدرتِها في التقليل من أهمية التحريضات البصرية، على قدر ما كانت عيني قوية ظاهريًا، وكانت اليمنى تعاني مجهودًا في الدفاع عن نفسها من المشاعِر الداخلية للحزن التي كانت تعبِّر عن ذاتِها من خلال العين اليسرى دون عقبات. كانت تجربةً شخصية أفسحَت لي المجال لأن أفهم كم أن التعبير عن المشاعِر من خلال العيون له علاقة بالوظيفة البصرية ويؤثِّر فيها بشكلٍ حميمي.

لم أستخدِم النظارات أبدًا، ومازلتُ أرفضُها على الرغم من أنه قد مرَّ وقت طويل على عمري حيث كانت فيه النظارات إجبارية عليَّ افتراضيًا. وعندما كنتُ في الرابعة عشرة من عمري نصحوني باستخدام النظارات. كان فحصًا روتينيًا للنظَر في المدرسة، وأخطأتُ في قراءة واحدة أو اثنتين من الحروف في السطر تحت اللافتة. جعلوني أقوم بفحصٍ بَصَري صارِم في العيادَة، ومن هنا تسبَّب بوصفة طبية لِزَوْجٍ من النظَّارات. وأبدًا لم يحكوا لي ما هي المشكلة. لم أُعانِ أبدًا أيّةَ صعوبة في المدرسة أو أي مكان آخَر. وأشكُّ في أن مشكلتي كانت "طول النظَر". فهذا يتوافق مع ما أعرفه عن شخصيتي. ولكنه كان يعرقِل العمَل عن كثب.

اشتريتُ النظارات، ولكنني رفضتُ استخدامَها باستثناء عند القراءة. وكنتُ أحمِلُها معي في حقيبتي. عارضتُ بشدَّة فكرة استخدامي للنظارات، لأنني أثناء صبايَ كنتُ قد نلتُ علامةً سلبية. فالأشخاص الذين كانوا يستخدمون النظارات كنا نُطلِق على كل منهم تسمية "له أربعة عيون". أفترض أنه بنتيجة موقفي هذا حصل أن فقدتُ نظاراتي على الفور في الأسبوع الأول. وأمي التي كانت قلقة بشكل زائد في شأن صحتي، ألحَّت عليَّ كي أحصل على زوجٍ آخَر من النظارات. لم أكن أستطيع التوصُّل لإقناع والدتي بأنني لستُ بحاجة للعَدَسَات، ولكن كان عليها أن ترسل للتوصية على تهيئة نظارات أخرى لي. لم أستطع الاعتياد عليها مثل الزوج الأول من النظارات. فهذا الزوج أيضًا اختفى خلال فترة أسبوع. وبما أن والديَّ لم يكن بإمكانهما دفع ثمن زوج آخَر لي، وعلى الرغم من قلقهم كلِّه، فإنهما قد أذعنا، وأخيرًا تنازلت أمي عن فرضِها عليَّ استخدام النظارات.

أوعز رؤيتي الحالية الجيدة إلى عادة القراءة والدراسة تحت ضوء الشمس، ناهيكم عن المساعدة التي حصلتُ عليها خلال العلاج عندما صرتُ قادرًا على البكاء والتعبير عن المشاعِر على نحوٍ أكثر انفتاحًا. أحببتُ الشمس، وضوء يوم مشمس. اعتدتُ اللعِب كثيرًا بكرة المضرب في مساحات مربَّعَة من الحصَى، حيث كنتُ أتعرَّض لضوء الشمس المنعكِس. لم أكن أدرك قيمة هذا حتى تعلَّمتُ منذ بضعة سنوات بأن النظَر إلى الشمس، وتخيُّل نفسي (بعينين مغلقتين) في جو مشمس، وممتِع. وهي تقنيات يستخدمها بعض ممارسي تقنية باتِس Bates من أجل علاج قِصَر النَّظَر. وأدركتُ باستعراضي للماضي بأنه كانت لدي حاجة الرؤية بشكلٍ واضِح وجليٍّ. وبالنسبة لي، أن أرى يعني أن أؤمن، ومن هنا كان بوسعي التوصل لوصفي كشخص موجَّه بصريًا، الأمر الذي بوسعِه تفسير اهتمامي بالتعبير الجسماني.

مشاكل الرأس والعينين والمنهَج الحيوي الطاقي

إن قِصَر النظر هو إحدى المشاكِل البصَرية الأكثَر انتشارًا، وهي شائعة جدًا لدرجة أنها تكاد تكون طبيعية إحصائيًا. وفي هذا المعنى، يمكن أن تقارَن بالوَجَع في القسم السفلي للظهر وللاكتئاب اللذين تعتبِرهما الهيئات المسؤولَة أمرين طبيعيين بالنسبة لمجتمعِنا، طالما أنها لا تسَبِّب عمليات بتر. يبدو لي أننا أصبحنا مشوَّهين جدًا انفعاليًا وفيريقيًا لدرجة أننا ننزع لاعتبار الصحة أمرًا كما لو أنه شاذ. لسوء الحظ، الصحة في صيرورتها للندرة.

لدى كثير من الأشخاص الذين يستخدمون نظَّارات، وعي في أنهم فضلاً عن كونِهم ينتفعون من وجهةٍ آلية، فهم يعانون تداخلاً أو انحصارًا على مستوى التواصل، والتعبيرية البَصَرية. وعندما أعمل مع مرضايَ أسألهم دائمًا لماذا لا ينتزعون نظَّاراتِهم، على نحوٍ يسمحُ لي قراءةَ تعبير عيونِهم، والدخول في اتصال معهم. بيد أنه في بعض الحالات ينظر إليَّ المرضى كبُقعةٍ فقط، وهذا يخلقُ مشكلة على مستوى الواقع. أقترح معهم اتفاقًا، تارِكًا المريض يستخدم النظارات عند الضرورة، ويقوم بانتزاعِها عندما نقوم بالعمل على المستوى الجسماني. فعَدَسَات التواصل لديها نفس التأثير الذي للنظارات، ولكن بطريقة أقل وضوحًا.

إنني على قناعة بأن قِصَر النظر هو اضطراب وظيفي، يصير منظومًا في الجسم كتزيُّغ في حدقتي العينين. وهو ليس مختلِفًا عن تشوُّهات الجسم الناجِمَة عن التوترات العضلية المُزمِنَة. وفي حالاتٍ كثيرة، فإن هذه التشوُّهات تتناقض على نحوٍ ذي معنى بقدر ما أن التوترات ليسَت منقبِضَة. عايَنتُ سابقًا تغييراتٍ مُعتبَرَةً في جسم الأشخاص مع تمارين وعلاج المنهَج الحيوي الوظيفي الطاقي. أعرف شخصًا على الأقل تجاوز بشكل كامل حالتَه في قِصَر النظَر من خلال منهَج باتِس Bates. إن إحدى صعوبات العمَل مع عينٍ تعاني قِصَرًا في النظر هي أن العضلات البصَريَّة المتوتِّرَة ليسَت سهلةُ البلوغ للمس أو للضغط. فالصعوبة مع منهج باتِس Bates هي أنه يتطلَّب الالتِزام ببرنامج مكثَّف لتمارين الرؤية حيث تبدو أغلبية الأشخاص عاجِزةً عن تنفيذِها. فإذا أخذنا هذه الصعوبات العملية بعين الاعتبار، نَجِدُ أن واقع قِصَر النظر ممكنٌ تحسينه. رأيْتُ برنامجًا لهذه الصعوبات يحصَل خلالَه التحسُّن المُكتسَب ولكنَّه لم يدمْ على المستوى نفسِه. وعلى الرغم من هذا، فالكثير من المرضى يحكَوْنَ لي عن بعض تحسُّناتٍ في الرؤية التي تتوطَّد كنتيجة لعلاج المنهج الحيوي الطاقي.

يتعامل المنهج الحيوي الطاقي مع البنية الجسمانية، ويعمل على فهمها ديناميكيًا، وفقًا للقوى التي تخلقها. أكَّد رايش أن البنية هي تحرُّكية مشلولة، وناهيكم عن كون هذا المفهوم واسع وفلسفي، فلتطبيقه العملي في الحالات حيث تتطور البنية كنتيجة لما ندعوه بالصّدَمَات النفسية. وينطبِق هذا على مشكلة "قصر النظَر"، حيث تكون العينان جاحظتين، وثابتتين. فثمَّة القليل من سهولة تحرك حدقة العين. فالعضلات البصرية منكمِشَة، ومتوتِّرَة. فإذا استطعنا استعادة حركية العين المعنية، فلسوف نستطيع التقليل بشكل جوهري من حالَة "قصر النظر". ومع ذلك، فلكي نتوصَّل إلى ذلك، يجب علينا أن نفهم تعبيره. فالعين الجاحِظَة، وحَدَقَة العين البارزة بشكلٍ خفيف هما نموذجيِّان "لِقِصَر النظَر"، ويُعبِّران عن الخوف. فالخوف في حدِّه الأقصى بإمكانِه أن يتسبَّبَ بنفس هذا النوع من النظَر عند أيِّ شخص. فالشخص الذي يعاني "قصر النظر"، ومع ذلك، لا يشعر بأي خوف، ولكنه واعٍ أيضًا لأي ارتباط بين عينيه وهذا الشعور. والباعِث هو التالي: يكون قصر النظر في حالة من الصدمة الجزئية حاصِرًا على هذا النحو إظهار أي انفعال من خلال هذا العضو للرؤية.

ليس صعبًا تفسير الخوف، فعندما يلاقي الطفل نظرةَ غضب أو كراهية في عينيِّ أمِّه، فلسوف يشعر جسمُه بصدمةٍ جزئية في العينين. وينطبِقُ الأمرُ نفسُه على نظرةٍ كهذه عند الوالِد حيث تكون هذه النظرة كصفعَة على الوجه. تصِلُ أمَّهاتٌ كثيراتٌ خصوصًا إلى عدم الإدراك بشكلٍ واعٍ للنظَر الذي يوجِّهْنَه إلى أبنائهِنَّ. شاهدتُ أمًا في عيادتي، وهي تنظر إلى ابنتِها بغضَب حادٍّ في عينيِّ هذه الأخيرة التي راودَها شعورٌ بالخوف. لم تنتبِهِ الفتاة: فمن الممكن بالنسبة لها أن يكون حدثًا عاديًا جدًا، كما بالنسبة للأم التي لم تُبدِ أيضًا إدراكها لنَظَرِها، ولكن كان بمقدوري تخيُّل كيف أن مشكلة شخصية ابنتها كانت متعلقة بهذه النظرات. وكانت الفتاة تعاني "قصر النظر". فقد كان عليها منذ وقتٍ طويل أن تحصر كل احتياز لوعي تعبيرات أمِّها، ولكن عينيها كانتا قد جحظتا من الخوف.

كل خوف هو صدمة لحظية في الجسم. سواءً الخوف أو الصدمة فكلاهما يؤدِّيَان إلى انكماشٍ عضوي. وبشكل عام، يتحرَّر الجسم في هذه الحالَة من الانكماش بواسطة شيء ما من خلال انفجار عنيف كالبكاء، والصراخ، أو نوبة غضَب. فردود الأفعال هذه تحرِّر الجسم من الصدمَة، ومن الخوف، وتستعيد العينان حالتَهما الطبيعية. ولكن ما الذي يجري إذا لم تستعِد العينان حالتَهما الطبيعية؟ يمكِنُ لهذا الوضع أن يحدث في حالة من الغضَب، أو الكراهية الأمومية لكونِها لا تزال مُعَرَّضَةً أكثر للاستفزاز بسبب بكاء ابنتِها، وصراخها، أو بسبب نوبة غضب طفل، أو في حال من عدائية الأم التي يعايِشُها الطفل بشكلٍ مُتكرِّر.

اختبرتُ شخصيًا صدمةً مثل هذه في الشهر التاسِع من عمري، وكما قد ذكَرْتُ سابقًا، فهذه الحالَة كان قد استمرَّ تأثيرُها في شخصيَّتي. لحسن الحظ، لم يكن شيئًا ما قد حصَل مرةً ثانية. فقد كانت أمي تنظر بتعبير من العطف بشكل رئيسي لأنني كنت "الصبية الصغيرة في عينيها". وبالطبع فليس لدى كل الأطفال هذا المصير. وإذا ما استبق الطفلُ باستمرار نظرةً عدائية من قِبَلِ أحَدِ الوالِدَيْن، فلسوف تستمر عيناه جاحظتين، ومذعورتين بشكلٍ ثابِت. وكما قد قلتُ سابِقًا، فالعينان الجاحظتان تفتِّحان حقل الرؤية الخارجية، ولكنهما تُنقِصَان من الرؤية المركزية. ولكي يستعيد الطفل حدة بصره، فعليه أن يجعل عينيه تنكمشان قهريًا، مستنبطًا حالةً من الصلابَة والجهد. فثمة عنصر آخَر أيضًا. فالعينان المذعورتان تنزعان إلى الدوران نحوَ الأعلى. وعلى هذا الميل أيضًا أن يُعاش من خلال مجهود واعٍ، لكي يتوصَّل الطفل على إبقاء إمكانيته في التمركز، بيد أن توتر هذه الجهود ليس بإمكانها أن تُدعَم بشكلٍ غير محدَّد. ففي لحظة ما لابد أن تتعب عضلات العينين، ويتخلَّى الطفل عن قيامِه بالمجهود في بقائه يقِظًا.

يحصل قصر النظر عندما يفشل هذا التعويض. فهذه اللحظة تتعلَّق بعوامل كثيرة، خصوصًا بكمية الطاقة المتوفِّرَة من قبَلِ الطفل، وبكمية التوتر الذي يعيشه في منزلِه. ففي حالات كثيرة، يبدو اللاتعويض فيما بين عمر العاشرة والرابعة عشرة عامًا، وذلك عندما تكون الجنسانية التي تنمو عند الطفل قد أخذت تبعث من جديد بصراعات قديمة تتخلَّى عن مكانِها لصراعات جديدة. وتقع أرضًا المحاولَة في الإبقاء على رؤية حادَّة، وتصير العينان جاحظتيْن مجددًا بسبب الخوف، ولكنه خوف من طبيعة لا نوعية. ويُبنَى دفاع جديد في مستوى أدنى: العضلات عند قاعدة الرأس، وبشكل رئيسي في المنطقة القذالية (العظم القذالي)، وحوالي عظم الفك، فتصير متوتِّرَةً، ومنكمِشَة لكي تتمكَّن من إلغاء تيار المشاعِر بالنسبة للعينين. وهذه الحلقة من التوتر يُعثَر عليها في جُملةِ حالات قصر النظر. يلتجئ الطفل نفسيًا إلى فراغ لا يزال صغيرًا، وأكثر انزواءً تاركًا في خارج جدرانه العناصِر المشوِّشَة من العالَم الخارجي.

إن واقِع كون العين قصيرة النظر فهذا يعني أنها قد عانَت حالةً من الصدمة. والتمارين الخاصة للعيون مثل تلك التي لمنهج باتِس Bates، ومع أنها ضرورية، ومفيدة، فهي ليسَت الإجابَة الكامِلَة للمشكلة. وتزداد قيمتُها بشكلٍ معتبَر مع انحلال التوترات، الأمر الذي بمقدوره أن يسمحَ بطاقةٍ أكثر، واستثارةٍ أكبر، تنسابان حتى العينين. يكمن العنصر الأكثر أهمية في استدعاء الخوف الكامِن تحت سطح الواعية، بطريقة يستطيع فيها المرء اختبارَه وإطلاقَه. هذه هي قاعدة علاج المنهَج الحيوي الطاقي لقصر النظر، لكونه محدود فقط بسبَبِ واقع أن لدى غالبية المرضى الكثير من المشاكل الأخرى، وتوترات متلائمَة مع نوعية هذه المشاكِل، وتتطلَّب انتباهًا ليس ممكنًا إعطاؤه لمشكلة العينين الوقت الذي يمنحها حقَّها.

بما أنني علمتُ سابقًا فيما يتعلَّق بمختلَف المواقف الدفاعية، فيجب أن يبقى واضِحًا بأنه ثمة حالات حيث لا يحصل فيها قصر النظر، على الرغم من تواجُدِ الشروط نفسها التي تؤدي إلى مشكلةٍ كهذه. قمتُ بفحص مرضى اشتملَت تجارب حياتِهم على صفات مساوية أو أعظَم من الخوف المعهود لدى أولئك الذين طوروا مشكلة قصر النظر، ومع ذلك فهؤلاء ظلوا على ما هم عليه من سلامة النظر. لا أعتقد بأن الاختلاف يعود إلى الوراثة. وعندما تكون صدمة العدائية أو رفض الأبوين للطفل شديدًا جدًا، يعاني الجسم كله من هذا الرفض، فيطوِّر شلَلاً إلى درجة ما يُنقِص من المشاعِر في مستوى أكثر عمقًا، ويحدُّ من كل أشكال تأكيد الذات. هذا هو إشراط الأشخاص الفصاميين. فمستواهم الطاقي منخفِض، وتنفُّسُهم محدود بشدَّةٍ، وحركيَّتُهم العامَّة ضعيفة. والصراع في منطقة العينين ينزاح نحو الجسم كله. والعينان محفوظتان ظاهريًا لأن الشخص يستثني كل عالمِه ما بين الأشخاص، وليس فقط عالمه البصري. ولكن، وبالرغم من أنهم يستطيعون ألا يكونوا قصيري النظر فإن لعيني الفصامي أيضًا حمولة من الطاقة لكنها ليست بذات قيمة. إن وظيفة الرؤية يُبقَى عليها من خلال انفكاكِها عن وظيفتِها التعبيرية الانفعالية.

إن العلاج الحيوي الوظيفي الطاقي بالنسبة لمشكلة الرؤية بقدر ما هو عام فهو كذلك نوعي. وعامَّةً، وعلى النحو كما يحصَل مع مشاكل الحركية والتعبيرية الصوتية. فعلى كمية طاقة المريض أن تزداد مع تنفُّس أكثر امتلاءً وعمقًا. وهذا يرفَع فقط من مستوى الأحاسيس والمشاعِر في الجسم، كما يضمن أيضًا سياق الطاقة الضروري لكي يجري تحميل النقاط المحيطية للتواصل مع العالَم، بما في ذلك العينين. ولدى التنفس تأثير إيجابي على العينين. فبعد مرحلة من التنفس العميق والمديد خلال عدة تمارين للعينين. ولدى أغلبية المرضى الرؤية ظاهريًا أكثر وضوحًا وبريقًا. فالمرضى أنفسهم يحكَون لي كيف تحسَّنَت رؤيتُهم، كما قد ذكرتُ سابقًا. فتمارين الاتصال بالأرض grounding تساعِدُ أيضًا في عملية الشفاء.

إن العلاج النوعي للاضطرابات البصرية يقتضي معرفة مسارات الطاقة حتى العينين. فثمة اثنين من هذه الطرق التي سأصفها تاليًا، موضحًا ذلك من خلال رسم. أحد الطريقين وهو أماميٌّ، يجري من القلب وحتى الحنجرة، والوجه، ومن خلال العينين في الداخِل. والمشاعِر المشتركَة مع هذا التيار هي الرغبة في التواصل، والامتداد في سبيل السعي للتواصل من خلال العينين للشعور، واللمس مؤديًا إلى ولادة تعبير مستعطِف وحنون. والمسار الثاني للطاقة يشمل الظهر، ويصعد من خلال أعلى الرأس، حتى يبلغ الجبهة والعينين. يمنح هذا التيار مركَّبًا عدائيًا للنظَر. ويمكن فهمه بشكل أفضل من خلال التعبير الدارج "أكَلَه بعينيه". وفي النظر الطبيعي، يكون هذان المركبان حاضرين بدرجات متنوِّعَة. فإذا كان مركَّب الحنوِّ متعلِّقًا بالرغبة قد تم استثناؤه، فسيكون النظر قاسيًا لا بل حتى عدائيًا. ومن الممكن أن يكون شديدًا جدًا لدرجة ينتهي فيها إلى دفع الآخَر بعيدًا. وإذا كان المركَّب العدائي ضعيفًا فلسوف يتحوَّل إلى استعطاف، ولكنه لن يتوصَّل إلى بلوغ الشخص الآخَر. إن كلا المركَّبَيْن ضروريَّان من أجل تواصل بصري جيد.

إن الصورة التالية توضِّح المسارَيْن الموصوفَيْن أعلاه، فضلاً عن مسار ثالِث يتموضع في قاعدة الدماغ، الأمر الذي يربط مركزَيْ الرؤية بشكل مباشَر مع شبكة العين. ناهيكم أنه لا يوجد حاليًا أي برهان موضوعي لوجود مسارات الطاقة هذه، فإن وجودها يتلقَّى إثباتًا من التجربة الذاتية، ومن الملاحَظَة السريرية. يقول الكثير من المرضى إنهم يشعرون بحركة الحمولة الطاقية باتجاه العينين وفقًا لهذه المسارات، وبنتيجة عدة طرق عمل المنهَج الحيوي الطاقي. وهذه الأحاسيس مثبتَةٌ من خلال رؤية عَينَي المريض وهما تصيران أكثر لمعانًا، وأكثر تحميلاً وأكثر حضورًا للتواصل. وعندما تكون هذه المسارات طليقة، وتنساب الحمولة بحرية، وبشكل كامل حتى العينين، فإنها تصبح غير منقبضة. ويكون الفرد في حالَةٍ من السرور الذي يظهَر من خلال جبهةٍ ملساء، ومن خلال حاجبين مسترخيين، وبؤبؤين منكمشين، ورؤية واضِحَة.

نرى في الرسم البياني التالي ابتعاد الطاقة عن العينين نحو موضِعٍ آخَر من الجسم بسبب الخوف. ويشكِّل هذا الابتعاد للطاقة، النظر النموذجي للخوف. وبقدر ما ينسحِبُ المركَّب العدائي على طولِ مسارِه، ينتصِب الحاجبان، وتجحظ العينان. وإذا كان الخوف شديدًا جدًا، فمن الممكن الشعور بقشعريرة الجلد، وتوتُّر قفا الرقبة. وعندما يبتعِد المركَّب العاطِفي، فالذقن تهبط، وينفتِح الفم. إذا كانت التجربة لحظية، فالطاقة تعود للانسياب رجوعًا إلى العينين، ويسترخي الوجه. ولكن إذا ما أصبح الخوف منظومًا في الجسم في حالَةٍ من الخوف المزمِنَة، تظلُّ الطاقة محبوسةً في حَلَقَة من التوتر تطوِّق قاعِدةَ الرأس. وإذَّاك فالشخص عليه الآن أن يبذل مجهودًا واعِيًا لكي يركِّز عينيه في بؤرةٍ واحدة، الأمر الذي يفرض مجهودًا منهِكًا بالنسبة لحدَقَتَي العينين، وبالنسبة لعضلات العينين. ويشتمل جزء من هذا المجهود على تصلُّب في الذقن لكي يتجاوز الإحساس بالخوف. وعند القِيَام بذلك فالشخص يقول: "لن أسمح لنفسي بالشعور بالخوف". إلا أن هذا المجهود يخلق صراعًا داخليًا بين الشعور والحالَة التي تكثِّف التوتُّر العضَلي.

اشتغلتُ منذ بضعة سنوات خلال وقتٍ قصير على فتى كان يعاني حَوَلاً في عينِه اليُمنى. وكان ينظر فقط من خلال عينِه اليُسرى. وفضلاً عن كونِ رؤية العين اليُمنَى طبيعية لكنها كانَت ملغاةً لكي يتجنَّب رؤية صورة مزدوجة لأنه لم يكن يستطيع التوصُّل إلى التركيز على بؤرةٍ واحدة بكلتا العينين. وخضع الفتى إلى عمليتين جراحيتين لكي يجِدَ حلاً لهذه المشكلة، ومع ذلك فهاتان العمليَّتان لم تكونا قد توصَّلتا إلى تحقيق تحسُّنات دائمة. فالعين اليمنى كانت تميل إلى الخارج، وكان الجانِب الأيمن من وجهِه ملتويًا بشكل خفيف. يُظهِرُ اللمس تشنجًا عضليًا شديدًا للجانب الأيمن من المنطقة القذالية. فهذا الفتى كان ابنًا لعالِم نفس كان يشارك في تدريب لمهنيين في المنهج الحيوي الطاقي. وكان قد ذهب للقيام بمراجعة طرق العمل التقنية. كانت مداخلتي تجريبية. فقد كنتُ مهتمًا في التحقُّق إذا كان ممكنًا التوصل أو لا إلى التدخُّل في حَوَلِه عن طريق تحريره من انقباض التوتر للقسم الخلفي من رأسِه. طبَّقت ضغطًا قوي العزم بأصابعي على العضلات المتشنجة لمدة راوحت ثلاثين ثانية، وأحسست بأنني تمكنتُ من إرخائها. وكان عدة أطباء يشاهدون الجلسة، بينما كان الفتى مستلقيًا على السرير، وقد اندهشوا لرؤيتِهم عَيْنَي المريض قد عادتا إلى مكانِهما الطبيعيِّين. اتَّجه الفتى إليَّ وقال لي إنه كان يرى شيئًا واحِدًا فقط بكلتا عينيه. وأنا أيضًا رأيتُ بأن عينيه كانتا متمركزتين في بؤرة واحدة فقط. كان التغير قويًا، لكن ويا للأسَف فإن ذلك لم يدم طويلاً. فقد عاد التشنج من جديد، وعادَت العين اليمنى تميل إلى الخارج.

لا أدري إذا كان ممكِنًا للتحسُّنِ أن يدوم مع علاج مستمر. ولكنني ما عدتُ رأيتُ الفتى البته، وإطلاقًا لم تمر معي حالةً مشابِهَةً للمشكلة نفسها، ولكنني انتقلت إلى تبني تلك كطريقة عمل روتينية في كل الأحوال. فالإنقاص من توتر المنطقة القذالية من خلال ممارسة ضغط إيثارية على العضلات، في الوقت نفسِه حيث كان المريض يركِّز عينيه على بؤرة واحدة في السقف، واكتشفت بأن هذه الحركة لديها تأثير إيجابي على العينين بشكل عام.

تكمن المهمة العلاجية الرئيسية في العمَل على العينين في إطلاق الخوف المنحصِر الذي يختبئ فيهما. فلكي أتوصل إلى ذلك، كنت أقوم باستخدام طريقة العمل التالية: يستلقي المريض على سرير مع ركبتيه مثنيَّتَيْن، والرأس مائلَة إلى الوراء. وأطلب منه أن يقومَ بالتعبير عن الخوف، رافِعًا حاجبَيْه، جاحظًا بعينيه، وفاتحًا فمه على ملئه. وتبقى اليدان في الهواء أمام الوجه على بعد حوالي خمسة وأربعين سنتيمترًا منه، وراحتا اليَدَيْن متجِّهتان إلى الخارج، والأصابِع مفتوحَة في وضع حماية. وتاليًا، أنبطح فوق المريض، وأطلب منه أن ينظر بشكل مباشَر في داخل عينيَّ، بينما أنا نفسي أصير على بعد حوالي ثلاثين سنتيمترًا منه. وعلى الرغم من واقع كون المريض في وضعية قابليَّةٍ للعَطَب، وفي قيامِه بالتعبير عن الخوف، فقلَّةٌ هم الذين يسمحون لأنفسِهم الشعور بالفزع. إنهم غالبًا ما ينظرون إليَّ، وهم يبتسِمون، كما لو أنهم يقولون لي: "ليس ثمة سبب لكي أكون خائفًا. إنك لن تفعل لي أي أذى لأنني صبي صغير وطيب القلب". ولكي أتمكَّن من أن أحلَّ مشكلة هذا الإنكار الدفاعي، أقوم بالضغط بالإبهام على العضلات المسؤولة عن الضحك في كلا جانبي فتحتَيْ الأنف. وهذا يمنع المريض من الضحك، وبالتالي أنجح بانتزاع القناع عن وجهِه.

إذا ما تم تطبيق هذا العمَل بشكلِه السليم (وعليَّ الإضافة بأنها حركة تتطلَّب حذاقةً وخبرةً مرموقتين)، فطريقة العمل سوف تجلب إلى السطح شعورًا بالخوف. وربما حتى أنه يُطلِق صرخةً، كما لو أن الدفاع ضد الخوف قد زال. فالعمل على أن يُصدِر المريض صوتًا قبل أن يُطبَّق عليه ضغط يساعِد في التسبُّب بإطلاق الصرخة. أتخلَّى عن القيام بالضغط عندما تبتدئ الصرخة، وفي حالات كثيرة، ستدوم الصرخة حتى بعد سحب يديَّ من ممارسة الضغط، في حين تظل عيناه جاحظتين. ربما يتذكَّر القارئ ما حصل معي أثناء جلستي الأولى مع رايش. فهو لم يتوَجَّب عليه استخدام أي ضغط من أجل إطلاق الصرخة. ومع ذلك، فثمة قلة من المرضى الذين يقاوِمون عفويًا الخوف من خلال صرخة. والبعض منهم لا يقاوِمون ولا حتى عندما أمارس عليهم الضغط. وفي هذه الحالات، فللدفاع ضد الخوف جذور في غاية العمق.

نفترِض من وجهة نظر المريض بأن عينيَّ تبدوان قويَّتيْن، وربما حتى قاسيتين أثناء ممارستي للضغط. فأشعر بأن العينين تلينان عندما يبدأ المريض بالصراخ لأنني أدخل في حالة تواحد معه. فبعد الصراخ، أطلب عامةً للمريض بأن يَمُدَّ ذراعيه، ويلمس وجهي بكلتا يديه. اكتشفت بأن الصراخ يُطلِق الخوف، ويفتح طريقًا لمشاعر الحنان والحب. فعندما ينظر أحدُنا للآخَر، فإن عيني المريض تلينان، وتمتلئان بالدموع، بينما الرغبة في التواصل معي (في نوعية البديل للأب أو الأم) تتضخَّم في صدرِه. تنتهي طريقةُ العمَل بشكلٍ طبيعي في احتضان شديد، والمريض آخذ في الانتحاب بعمق.

كما قد أشرتُ فإن طريقة العمل هذه لا تعمل دائمًا. فكثير من المرضى هم في حالة هلع بشكلٍ زائد لدرجة أنهم لا يستطيعون السماح لخوفهم الخاص بالوصول لسطح الواعية. وعندما يحصَل ذلك، فتأثيره يكون دراميًا. لقد روَت لي مريضة بأنها حينما كانَت تصرخ، رأت عينيْ والدِها وهو ينظر إليها بغضَب في دنوِّه منها لضربِها. وقال آخر إنه رأى العيون الحانِقَة لأمِّه، في تذكر كان يؤرِّخ مرحلةً لم يكن يتعدَّى فيها السنة من العمر. وأحسَّت امرأة باسترخاء هائل من خلال تفريغ خوفِها لدرجة أنها قفزَت من السرير، وخرجَت وهي تركض لكي تذهب وتعانق زوجَها الذي كان معها في داخل الصالَة. ومنذ بضعة من الوقت كان رجل في علاج أحسَّ على نحوٍ ما بارتعاش كبير من خلال اختبارِه لذعرِه الخاص، لدرجة أنه خرج من عيادتي في حالة انحطاط. وذهب للحال إلى منزلِه، ونام لمدة ساعتين. وحالما استيقظ اتصل بي، وقال لي على الهاتف إنه كان يشعر بفرح لدرجة هائلة كما لو أنه لم يشعر بمثيل له في حياتِه أبدًا. وكان الفرح نتيجة تفريغ الذعر الذي كان هو فيه.

ثمة عدة طرق عمل أخرى من الممكن استخدامها لتعبئة المشاعر في العينين. من الأهمية بمكان أن أصف إحداها: محاولة إحضار المريض إلى الخارج بواسطة العينين، وجعله يتواصل مع عينيَّ. ففي طريقة العمل هذه، يكون المريض أيضًا مستلقيًا على السرير، وفي الوضعية نفسِها. أنبطح فوقه، وأطلب منه أن يمدَّ الذراعَيْن، ويلمس وجهي بيديه. وأضع إبهامَيَّ عند حاجبيه، وبحركة دقيقة، ومهدِّئة أحاول تفكيك بعضًا من ظهور القلق أو الهم الذي أعثر عليه عرضيًا، وهذا القلق أو الهم قادران على تسبُّب توتر في هذه المنطقة. وعند النظر بنعومة في داخل عينَي المريض، فإنني أرى بشكل عام طفلاً صغيرًا يعيرني انتباهَه ولكن كما لو من خلف جدار، أو من خلال مغلاق، مع الرغبة بإفلاته إلى الخارِج. لكن وبدون المجازفة في أن يفعل ذلك. هذا هو الطفل الذي يبقى مختبئًا من العالَم. أستطيع أن أقول له: "تعالَ خارجًا، وتسلَّ معي. فكل شيء يجري على ما يرام ههنا". إنه لأمرٌ أخَّاذ التحقُّق بأن الاستجابة المعطاة وذلك عندما تسترخي العينان، وينساب الشعور إليهما، ومن خلالِهما يصِلُ هذا الشعور إليَّ. فذلك الطفل الصغير يرغب على نحوٍ يائس بالخروج والتسلية. ولكنه يموت خوفًا من أن يُجرَحَ شعورُه، وأن يتمَّ رفضه، أو أن يُسخَرَ منه. فالطفل الصغير يحتاج إلى دعمي لكي يشعر بالأمان، ويقوم بالمغامرة، وبشكل خاص، أن يُلمَسَ بحُبٍّ. وكما أن الخروج جيد فاكتشاف الذات مرحَّبٌ به.

سيكون بمقدور تجربةٍ كهذه أن تكون للمرة الأولى، وذلك خلال فترةٍ طويلة من الزمن، حيث كان المريض قد أظهر وتعرَّفَ على الطفل الذي يختبئ في داخلِه. ولكن ما أن يتمَّ التواحد على المستوى الواعي، فالطريق يصبح مفتوحًا للتحليل ولتضافر كل القلق والمخاوف التي تُجبِرُ الطفل على الاختفاء عن الأنظار، ودفنِه لحبِّه. فلأن الطفل مُحبٌّ، وهذا هو الحب الذي لا يتجرَّأ على التعبير في الفعل من خلال العينين مع أصواتِنا وأجسامِنا.

تمَّت الإشارة إلى كل هذه العلاقات ومناقشتها، وهي أفضل حبَّة للمطحنة العلاجية بقدر ما هي تجارب مباشرة وقوية الحجة. ويتعلق بشكل واضح بحساسية المعالِج، وحريَّتِه في القيام بالتواصل، وفي أن يَلمُسَ ويُلمَسَ، وبشكل رئيسي بقدرتِه في الحفاظ على نفسِه مجردًا من أي تورُّط انفعالي مع المريض. بوسع حالَةٍ من هذا النوع أن تحمل المعالِج بسهولة لتفريغِ حاجتِه الخاصَّة للاتصال على المريض. وإذا ما حصل هذا فلسوف يكون غلطًا تراجيديًا. فكل مريض لديه ما يستطيع فعله بالنسبة للموافقة ومعالَجة حاجاته، ومشاعِرِه الخاصَّة. فعليه أن يتعامل مع المشاعر الشخصية لمعالج يضيف عقبةً مستحيلة لاسترجاع ضبط الذات. فسوف يستجيب المريض لمشاعر المعالِج من أجل إخفائه تلك التي من نفس طبيعة مشاعر المعالِج، وسيجد أن حاجات المعالِج هي أكثر أهمية من حاجاتِه نفسِها، وفي النهاية سوف يستطيع الإحساس بنفسِه، كما حصل حينما كان طفلاً. وأنه فرض على نفسه سجنه الخاص في شبكة الصراع بين حاجاته وحقوقِه، وتلك التي لوالديه. فالمريض يدفع لكي يتلقَّى الجلسَة العِلاجيَّة، الموجَّهَة فقط نحوَ مشاكلِه، كما أن الأمر يتضمَّن سوء استعمال للثقة التي منحها المريض للمعالِج، وذلك من خلال استغلال هذا الأخير للحالَة لمنفعتِه الشخصية.

كما عليَّ أن أقدِّمَ سلفًا تحذيرًا آخَر، حتى ولو كان مكررًا. بصرف النظَر عن أن المريض الذي يَنكصُ خلال جلسة إلى حالةٍ طفوليَّة، فهو راشِد أيضًا وبوعي كلي لهذا الواقِع. فاللمس بين الراشدين دائمًا يحمل معنى ضمنيًا شبقيًا أو جنسيًا. إننا لا نلمس جسمًا حياديًا: بل نلمس رجلاً أو امرأة. وهذا ببساطة أمر طبيعي. ولكن إذا كان لدينا وعي لجنس الشخص فإننا واعون أيضًا لجنسانيتنا الخاصة. ومع ذلك، فالجنسانية لا تعني التناسلية. إن لدى أغلبية المرضى وعي تام بأنني رجل عندما يقومون بلمسي. والبعض منهم يتمثَّلون هذا الإدراك بعمق، ولكن ليس بسبب ذلك يعزفون عن استمرار تواجدهم هناك. إذن، كيف عليَّ أن أواجه هذا الوضع؟

إنها قضية مبادئ بالنسبة لي، وقاعدة في داخل علاج المنهَج الحيوي الطاقي يفرض عدم وجود انجذابات جنسية مع المرضى. وهذا سهل حدوثه جدًا بطرق في غاية الدقة، وأحيانًا بشكل صريح علانيةً. فعلى المعالِج أن يكون ساهرًا باستمرار تجاه حدوث هذا الاحتمال، وعدم السماح له بأن يحصل. أعرف مرضى كثيرين طوَّروا مشاعر لها طبيعة جنسية تجاهي. وكثيرات هنَّ اللواتي صرَّحنَ لي فيما يتعلَّق بهذا الخصوص. ولكن لم يتجاوز الأمر هذا الحد. فمشاعري ليسَت تحت تصرُّفِهنَّ، وقد يكون خطأ فظيعًا أن أتركَهنَّ يستَحْوِذْنَ بشكلٍ غيرِ مشروع على الجلسة العلاجية. إذا كان ممكنًا فبوسعِنا التكلم عنهن، ولكن إذا لم أحتفظ بذلك فقط بالنسبة لي فلن أستطيع القيام بعلاج ناجع. على المعالِج أن يكون قادرًا على احتواء مشاعره، أو بعبارة أخرى، أن يتميز بضبط النفس.

تكلَّمْتُ بخصوص ترك الأمر يذهب من تلقاء نفسِه. فالاحتواء هام بدورِه، وأيضًا مشدَّدٌ عليه في المنهج الحيوي الطاقي. وسوف يكون إحدى مواضيع الفصل القادم والأخير. فالاحتواء يكون إراديًا وواعيًا. الأمر الذي يقتضي قدرةً على التخلص منه. وإذا لم يستطع الشخص إطلاقه فلأنه يكبت على نحوٍ لاواعٍ، ويكون هذا الكبت منظومًا في داخِل الجسم، وبالتالي لا يمكن التكلُّم عن الاحتواء كتعبير واعٍ في حد ذاته. فالشخص هنا لا يتوصل للاحتواء كونه هو نفسه قد تم احتواؤه.

أوجاع الرأس

إن طرح موضوع أوجاع الرأس يلائم هذا الفصل الذي نتناول فيه بشكل أساسي التعبيرية الذاتية (التلقائية) لأن بعض هذه الأوجاع يسبِّبُه التوتُّر في العينين. وفي رأيي، فهذه كلها مرتبطة بانحصارات في التجلي الذاتي (التلقائي). لا أدَّعي لنفسي مرجعية أية كانت في شأن أوجاع الرأس، ولكنني قد جمَّعتُ خبرةً معتبَرة خوَّلَتني معالجَةَ هذه الأوجاع عند مرضايَ، وعند أشخاص آخَرين. إن المقاربة واسعة الإدراك في المنهَج الحيوي الطاقي للتوتر تزوِّدنا بقاعدةٍ جيِّدة من أجل محاولة فهم المشكلة.

أظهرتُ وَسَطَ الجمهور في مناسبات عديدة، كيف يكون ممكنًا لي أن أسكِّنَ وجعًا في الرأس بإرخاء التوترات العضلية. ففي محاضراتي، كنت أسأل دائمًا فيما إذا كان أحد الجمهور يعاني وجعًا في الرأس. وبشكل عام، فثمَّةَ على الأقل شخص، فأطلب منه الصعود إلى خشبة المسرح أمام الجميع بطريقة أستطيع فيها المحاوَلَة بتخليصِه من وجعه في الرأس. إن طريقة العمل بسيطة جدًا. يجلس الشخص على مقعد: أبدأ بجسِّ التوتُّر في قاعدة رأسه عند المنطقة القذالية، وفي قمَّةِ القحف، وفي المنطقة الجبهية. إذاك أمسك جبهتَه باليد اليسرى، وأقوم بتدليك العضلات المتوترة من الناحية الخلفية للرأس، وفي المنطقة القذالية، باليد اليمنى. وبعد دقيقة تقريبًا، أقوم بعكس استخدام اليدين، حيث أقوم بإمساك رأسه باليد اليسرى من الناحية الخلفية للرأس، وأعمل على جعل المنطقة الجبهية غير منقبضة باليد اليُمنى. وفي الخطوة التالية: أطوِّق بكلتا يديَّ فروة رأسه، باسِطًا أصابعي على قمة القحف (الجمجمة)، وأقوم بتحريك فروة رأسه من جانب إلى آخَر بنعومة. وفي هذه اللحظة، أشرح للحضور بأنني أنزع بشكل لولبي السِّداد (يُطلَق هذا الاسم على صمام القارورة، وهنا يستخدمه المؤلف بما أن التوتر يتشكَّل في هذه المنطقة على هيئة صمام، وسوف يتكرر معنا كثيرًا هذا المُصطَلَح في هذه الفقرة معبِّرين عنه بكلمة سِداد) المشدود الذي يتمَوضع فوق رأس الشخص. ولم تفشَل هذه الطريقة حتى هنا البته، ويعلِّق الشخص دائمًا في الإجابة على أسئلتي بأن وجع رأسه قد زال.

تعمَلُ مع ذلك هذه الحركة على وجَع الرأس المتوتِّر فقط. فالشقيقة (ألم منتصَف الرأس) لها وضع مختلِف، وتتطلَّب علاجًا مختلِفًا. سأشرح الاختلاف بعد قليل.

اكتشفتُ هذه الحركة الموصوفة أعلاه على نحوٍ كافٍ وبشكلٍ عرضي. فمنذ أعوام كثيرة كنتُ في زيارةٍ لبعض الأقارب الذين لم أكن قد رأيتُهم منذ وقتٍ طويل. وكانوا مهتمِّين بنوعية العمل الطبي النفسي الذي كنتُ أمارِسُه، والذي يتضمَّنُ الجسم. شرحتُ لهم دور التوتر العضلي في المشاكل الانفعالية، ولكنني وجدتُ بأنه من المفيد أكثر إذا ما أظهرتُ طريقتي في العمَل. فبعدما عقَّبتُ لهم بأن لدى أغلبية الأشخاص توتر هائل عند قفا الرقبة، وفي أعلى قاعدة القحف (الجمجمة). توجَّهتُ إلى ابن خالي، ووضعتُ يديَّ على رأسِه، ودلَّكتُ هذه المنطقة بلطافة. وأظهر في هذه المنطقة القليل من التوتر، ولم يقم بإشارات نوعية في هذا الخصوص. وكان هذا كل شيء. وعندما عدنا إلى المنزل، أرسلَت زوجتي لصاحب الدعوة عربون شكر. بعد أسبوعين، استلمتُ إجابة: "لا أدري ما الذي فعلتَه لزوجي، فلقد استطعتَ إراحتَه من وَجَعٍ في رأسِه كان يعذِّبه منذ خمسة عشرة سنة".

إن التوتر في قاعدة القحف (الجمجمة) يُقارَن بتوتر القسم السفلي من الظهر. نلاقي هذين النوعين من التوتر في الشخص نفسه بالشكل الطبيعي، ويعبِّر كلا التوترين عن الحاجة إلى البقاء ضمن السيطرة. فالتوتر الأعلى هو المعادِل الجسماني للأمر النفسي: "لا تفقد صوابَك"، وهذا يعني: "لا تدَع مشاعِرَك تفلت من سيطرتِك إطلاقًا". أما التوتر الأدنى فلديه المعنى نفسه فيما يتعلَّق بالجنسانية، الأمر الذي يجعله يتجاوَب مع الأمر التالي: "لا تدع نفسَك تؤخذ بالنار المشتعِلَة في الأسفَل". إن أغلبيتنا مُلزَمَةٌ بالسيطرة. دعوني الآن أسترجِع الرسم التصويري للفقرة السابِقَة لإظهار أفكاري بخصوص السبب لبعض أوجاع الرأس.

تُظهِر الصورة مسار تيار الطاقة أو الاستثارة من خلال قفا الرقبة وهو يصعد حتى قمة الرأس. وصولاً إلى العينين لا بل حتى أيضًا للأسنان في الأعلى، وعلى الرغم من أن هذا لم يُوضَّح. وهذا التيار مسؤول عن مركَّب عدائية المشاعِر كلها، والضرورية لعدة أفعال، كتلك التي للنظَر بانتباه، أو التكلُّم بحرية. فإذا وضعنا سِدادًا فوق عدائياتِنا، فسوف نراكِم على نحوٍ لا يمكن تجنُّبَه ضغطًا في الاتجاه المعاكِس للسِّداد، مُفسِحًا المجال أمام الوجَع في الرأس.

السِّدادة هي مفهوم تصويري، ولكن، في بعض الأحوال، يكون أعلى الرأس كله متوترًا، وكما لو أنه بالفعل سِداد (صمام، كما كنا قد أشرنا أعلاه). يمكن الشعور بألم في الرأس كله عند هؤلاء الأشخاص. وفي حالات أخرى، ثمة حلقة من التوتر حول الرأس، على مستوى ارتفاع الجبهة، والذي يحصُر الدوافع العِدائية لوصولِها إلى السطح. يتركَّز الضغط حول هذه الحلقة، ويتمُّ الإحساس بالألَم بشكل عام في الجبهة، وأحيانًا في الجزء الخلفي من الرأس. وعندما تُطلَق هذه التوترات فألَم الرأس يزول من تلقاء نفسِه.

إن إزالَةَ وَجَعِ الرأس ممكنٌ أيضًا من خلال التعبير عن المشاعر المكبوتة. ومع ذلك، فنادرًا ما يعرف الشخص الذي يعاني وجعًا في الرأس ما هذا الذي يزعجه. وعندما يكون الصراع واعيًا، يتوفر لديه معرفة الشعور، وماذا يعني ذلك الذي بلغ سطح العقل. من الممكن أن يكون لدى الرأس شعور بالضيق، ولكن هذا مختلِف عمن يكون لديه وَجَعٌ في الرأس. وهذا بسبب القوى اللاواعية: سواء كان الشعور أو كان التوتر الذي يحصُر الشعور فكلاهما يكونان تحت مستوى الوعي. فما يشعره الشخص في أقصى حد هو ألم الضغط، الأمر الذي يفسر لماذا وجع الرأس كحالة ابن خالي بوسعها الاستمرار لزمن طويل إلى هذا الحد.

ضمن خبراتي، تنجم الشقيقة عن انحصار الشعور بالرغبات (التلهُّف، الرغبة الشديدة) longing. فهذا الشعور يمتلئ حيوية بشكل أساسي عبر الشرايين. كنت قد أشرت في كتابي الأول بأن الشهوة – الإيروس (نسبة إلى "إيروس" إله الحب والجنس) مرتبطة بانسياب الدم الناقل لمشاعر القلب إلى الأجزاء الأخرى من الجسم. يُعرَفُ طبيًا بأن الشقيقة، على المستوى الشرياني للرأس، تحدث بسبب تضييق ما، وبأن ضغط الدم هو الذي يسبِّب ألمًا شديدًا له طبيعة نبضية.

لكن، إذا ما كان الشعور الإيروسي بالرغبة القوية ينساب عبر الأقنية الدموية، فإن الدفق لن يتحدَّد بها. إن حمولة الاستثارة أو الطاقَة تنتقل إلى أعلى من خلال الجزء الأمامي للجسم، كما يُرى في الصورة، خلف ظهورِها الحقيقي من خلال العينين، والفم، وحركة التقاء اليدين. اكتشَفتُ بأنه يوجَدُ في هذه الحالَة منطقة شديدة التوتر العضلي في أحَدِ جانبي الرقبة، بالضبط تحت ناحية الفك. إن ضغطًا خفيفًا في المكان يؤدي إلى وجَعٍ بسبب الصدمة الحادَّة في عمق العَيْن. فهذا التوتر غالبًا ما يتمَوْضَع إلى جانب وَجَع الرأس، ولكنني لا أعلَم لأية علَّة يتمركز فقط في جانب واحد.

تُظهِر أمراض الشقيقة سرعة التأثُّر بالعلاج النفسي. فقد اشتغلتُ على مريضة كانت تعاني من الشقيقة منذ سنتين، وتوَصَّلتُ أولاً إلى تقليص تواتر وحدَّة أوجاع الرأس، وفيما بعد ألغيتُ التواتر وحدَّة الأوجاع نفسِها بشكل كامل. وأحيانًا كنت أتوصَّل لتخليصِها من أزمة حادَّة بمساعدتِها على تفريغِها للمشاعِر من خلال البكاء والصراخ. وفي مرات أخرى، حينما كانت الهجمة تدوم لساعاتٍ طويلة، فإن طريقة العمل هذه كانت تقلِّص من الشدَّة، ولكنها لم تكن تزيل وَجَعَ الرأس. ومع ذلك فبعد ليلةٍ من الراحَة على أثَرِ الجلسة، فإن وَجَعَ الرأس كان قد اختفى بشكل دائم. كان ضروريًا دائمًا بأن يأتيَ البكاء مُرفقًا بالدموع لكي يزول الوَجَع من وراءَ العينين.

كان لهذه المريضة صعوبة كبرى في التعبير عن أي شعور بالرغبة في الحميمية والتواصل. كانت تظل مرتبكة، وبخوف من أن تَلمُسَ وجهي بيديها بطريقة لطيفة وحسَّاسَة. وكانت تعاني أيضًا كبتًا جنسيًا هائلاً، فما الذي سنتوقَّعُه منها بعد انحصار كهذا حول إظهارها للرغبة. اعتادَت على أن تحصل لها هَجَمَات مما ذكرناه قبل الخروج مع أي فتى، وفي حال شعرَت تجاهَه بأي شعور. فالهجمات كانت أكثر شدَّةً في كل مرة كنتُ أتغيَّب فيها بسبب رحلةٍ ما أو عُطلةٍ. كانَت مساعدة بالنسبة لها التكلم عبر الهاتف، فقد اعتادَت الاتصال بي هاتفيًا حيث كنتُ أتواجد، وبتواتر ما. من الواضح أنه كان قد حصل معها تحويل شديد بخصوص مشاعرها بالنسبة لي، والتي كانت تغذِّيها من خلال والدِها، والتي لم يكن لديها الشروط الكافية لقبولها. فكان ضروريًا استحضار التحويل على نحوٍ تحليلي، وفتح الطريق أمام إظهار رغبتها بالحميمية مع والدِها، لكي تستطيع إزالة أوجاع الرأس. ولكن ذلك كان ممكنًا فقط عندما تتوصَّل إلى اكتساب القدرة في التعبير عن مشاعر كهذه من خلال عينيها وصوتها فيتواجَد اليقين بأنها قادِرةٌ على أن تتحرَّر من هذا العذاب إلى الأبد.

كل امرئ يعاني من أوجاع الشقيقة لابد أن لديه مشكلة جنسية وسواسية، ولكن دون علاقة مع النشاط الجنسي في حد ذاته. فقد تعرَّفتُ على كثير من المرضى الذين كانوا يعانون من أوجاع الشقيقة، ومع ذلك كان نشاطهم الجنسي طبيعيًا. فوجع الرأس يتأصَّل بانحصار مركَّب شبقي (إيروسي)، ورقة الجنسانية. ويصعَدُ هذا الشعور إلى الرأس على عكس نزوله إلى الجهاز التناسلي حيث يستطيع مواجهته وتفريغه. ليس لدى نهاية الطرَف الرأسي الشروط لتوفير هذا المخرج. وبالتالي، فالبكاء، والصراخ يفرِّغان هذا التوتر المباشَر، ولكنهما لا يُشكِّلان حلاً للمشكلة. فالقدرة في الحصول على هزة جماع هي الاستجابة للحالة.

قال أحدُ مرضايَ بأن الشقيقة لديها التسمية الصحيحة لأنها الشعور الذي يجري بالاتجاه المعاكِس لما يمكِن أن يكون طبيعيًا. منذ وقتٍ طويل، وأنا أعتبِر هذه الملاحظَة صحيحةً. عند عكس اتجاه الشعور، فالمريض الذي يعاني من الشقيقة سوف ينتفِع. وهذا يمكن أن يتمَّ من خلال تمارين الاتصال بالأرض grounding. ورغم أنها لن تفيد شيئًا عندما تكون الهجمة بكامل قوتها، لكنني أدركتُ عظمة فائدتها عندما يحس الشخص بأن الهجمة في طريقها إليه، أو عندما تكون قد بدأت.

إن الخوف من ترك المرء لجسمه يسقط إلى الأرض وتركه لنفسه يؤخَذ من خلال الجنسانية نفسِها، يرتبط حميميًا بقلق السقوط. أذكر هذا الواقع لأن الشعور بالغثيان الذي يرافق آلام الشقيقة يكون قويًا، وينشأ من خلال انكماش الحجاب الحاجز الذي يشترك بالخوف من أن يدع المرء نفسه يسقط.

من خلال امتلاكِنا مقاربتِنا الجسمانية هذه، فعلى الرغم من كل فاعليتِها معي أنا أو مع أيِّ معالِج حيوي طاقي آخَر، فليس ممكنًا القيام بالمساعدة في حلِّ أية مشكلة شخصية أو أخرى على المستوى الانفعالي بدون توسيع في وعي المريض قبلاً إلى درجة تُحتوَى فيها مشاكله. ولكن الفهم ليس فقط عملية فكرية. فبالنسبة لي، إن الفهم يعني الشعور بما يحصل في حدٍّ أدنى، والاتصال الأكثر أساسية، والذي ينطوي على استعادة جذور الحالة وإدراك القوى التي تؤثِّر وتُقَوْلِب المشاعِر والسلوكيات.

ترجمة: نبيل سلامة

*** *** ***


 

horizontal rule

* الجزء الثاني من الفصل التاسع من كتاب المنهج الحيوي الطاقي، ألكسندر لوون، ترجمة نبيل سلامة، معابر للنشر، 2013.

[1]  يمكن للقارئ مراجعة كتاب القوى الروحية وعلم النفس التحليلي تحقيق وتأليف: ريتشارد فيلهلم، وكارل غوستاف يونغ. ترجمة: نهاد خياطة. الطبعة الثانية عام 2000 دار الحوار للنشر والتوزيع. ففي الصفحة (31) يشير المؤلِّف إلى أن "الجسد ينشطه تبادل التأثير بين بنيتين نفسيِّتين: الأولى، الأو، هون، وقد ترجمتُها بسبب من انتسابها إلى مبدأ (يانغ)، بالأنيم، الثانية، بؤو، والتي تُنسَب إلى مبدأ (ين)، وقد ترجمتها بالأنيمة... ترتيبًا الأنيم يسكن في العينين، والأنيمة في البطن. الأنيم ساطع ونشيط، والأنيمة مظلمة ومقيَّدَة إلى الأرض. كما كان يُعتقَد بأن الأنيمة ذات ارتباط وثيق بالسياقات الجسمانية، وعند الموت تغور في الأرض وتتحلل. أما الأنيم فهو الروح الأعلى، بعد الموت يعلو في الهواء.. ثم يتبخر في الفراغ الأثيري، أو ينكفئ إلى حيث مخزن الحياة العام. (لمزيد من المعلومات يُرجَى مراجعة الكتاب مع الشرح العلمي النفسي التحليلي لكارل يونغ) (المترجم)

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني