الصفحة التالية                  الصفحة السابقة

البلاغة والتأويل؛ بحث في حدود البلاغة وبلاغة الحدود 2

 

البشير النحلي

 

1. 2. 2. تَفْصيلُ القَوْلِ في تَفْضيلِ لِسانِ وَبَلاغة العَرب:

من المفارقات العصية على الفهم التي نحياها في إطارنا الثَّقافي أنَّنا قد نصدِّق ما يقوله العلم في مواضيعه الجزئية المختلفة ولا نبدي انزعاجنا البتَّة لما يقترحه علينا من فهم جديد لمظاهر الكون وقوانينه، مثل أن تكون الحركة وهذان مثالان كلاسيكيان في حقل العلم - هي الحالة الطبيعية للأجسام المادية وليس السُّكون، وأنْ لا يكون ثمَّ سبيل لتحديد أيِّ شيءٍ تحديدًا مطلقًا، لأنَّ التَّحديد لا يمكن أن يتمَّ إلاَّ بالنسبة إلى إطار مرجعي معين.. إلخ. لكن بمجرَّد ما يتعلَّق الأمر بالبلاغة فإنَّنا نشيح بوجوهنا عن كلِّ ذلك ونستأنف ابتناء أو تجويد مسلسل الأحكام المطلقة التي نُصِرُّ على أنها غير قابلة للتَّفاوض. ما من شيء يمكن أن يدفعنا لإعادة التّفكير في منطلقاتنا ومطلقاتنا. ليس هذا وحسب، بل إننا نَقْصِر وَكْدَنا على محاولات صقل وتجويد ما ترسَّب من طبقات تلك المنطلقات والمطلقات وصَوْغِها صوغًا منهجيًا ومنطقيًّا. الدَّليل؟ الدَّليل ماثل في تقديم طه عبد الرحمان المنهجي والمنطقي لطبقات رسوبية من الأحكام الجاهزة، المتعلِّقة بأفضلية اللِّسان العربي وبتفوِّق البلاغة العربية، المبثوثة في نصوص التُّراث.

1.2.2.1. تَراكمُ أَحْكام التَّفْضيل:

وقد سبق أنْ خالفنا في التَّذرع بما ورد في نصوص التَّراث من تفضيلِ لسان العرب وبلاغتهم للقول بوجوب رفع ذلك التَّفضيل إلى مستوى المبدإ التَّداولي العام الذي ينبغي أنْ يستمرَّ في توجيه التَّفكير والسُّلوك في إطارنا الحضاري حتى بحجَّة الرَّغبة في تحريك همَّة المنتسب إلى الممارسة التُّراثية لينهض بأسباب الإنتاج المبثوثة في تراثه فينفع نفسه وينفع غيره؛ وأعلنا، حينها، عزمنا على مناقشة بعض ما ورد في نصوص التُّراث بخصوص أفضلية لسان العرب وتفوق بلاغتهم. ونحن نرى الآن أنَّ الأوان قد حان لتلك المناقشة، ونُقَدِّر أن الإطار الذي يرسمه العنوان الذي وضعناه لهذه الفقرات مناسب لذلك. وإذا كان الاطِّلاع على الدَّرجة التي بلغها تراكمُ وترسُّب الأحكام التي تشكِّل قبليَّات البلاغة القديمة بهذا الصَّدد مما يحتاج إلى بيان، فإنَّنا نقدِّر أنَّ المقتطفات التي نرتِّبها تحت العنوانين التاليين كافية، وحدَها، لتقديم صورةٍ عنْها:

أ. الأَفْضَلية اللّسانية:

يقولُ ابن فارس في "باب القول في أنَّ لغة العرب أفضل اللُّغات وأوسعها" من كتاب "الصَّاحبي":

قال جلَّ ثناؤه: ﴿وإنَّه لتنزيل ربِّ العالمين، نزل به الرُّوح الأمين على قلبك، لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين فوصفه جلَّ ثناؤه بأبلغ ما يوصف به الكلام، وهو البيان.

وقال جل ثناؤه: ﴿خلقَ الإنسان، علَّمه البيان فقدَّم جل ثناؤه ذكر البيان على جميع ما توحَّد بخلقه وتفرَّد بإنشائه، من شمسٍ وقمر ونجم وشجر، وغير ذلك من الخلائق المحكمة والنشايا المتقنة. فلمَّا خصَّ جلَّ ثناؤه اللِّسان العربي بالبيان عُلم أنَّ سائر اللُّغات قاصرة عنه وواقعة دونه.[1]

ويقول صاحبُ "الوسيلة الأدبية" -وهذا مثال من القرن التَّاسع عشر-: إنَّ لسان العرب «قد دخل فيه الاستحسان، على أربعة مراتب»؛ أمَّا الأولى فعندما عمل "العاربة" على أخذ بعض الألفاظ من لغات أخرى فهذَّبوها إلى أن صارت خفيفة عذبة، وهذا صاحب المثل السائر يحكيأنَّه ورد في بعض سياحته مصرَ، فلقي رجلا من بني إسرائيل عالمًا، فجرى بينهما ذكر اللُّغة بالفصاحة والملاحة، فقال اليهودي: كيف لا تكون فصيحة مليحة، وهي منتخبة من اللُّغات؟ ومثل لذلك بلفظ الجمل، فقال: إنه كان بالعبرانية كوميلا، فَغُيِّر إلى ما سمعت، فصار عذبًا فصيحًا»؛ أما الثانية فهي «استحسان إسماعيل عليه السلام وأوائل أولاده؛ فقد كانت له لغة عربية فصيحة، تنسب إليه بشهادة قول النبي صلى الله عليه وسلم. وقد سأل مالك، يا رسول الله، أَفْصَحُنا ولم تخْرُج من بين أَظهرنا؟ قال: إِنَّ لغة إسماعيل كانت درست، فجاءني بها جبريل فحفظتها أما المرتبة الثّالثة فهي استحسان قريش بحجِّها وأسواقها وتعاقداتها وحكوماتها في المنافرات. فقد كانت خلال ذلك كلِّه لا تأخذ إلاَّ «ما حلى في الذَّوق، وخَفَّ على السمع»؛ وأمَّا رابعةُ أَثافي مَرْتَبات الاستحسان فقد كانت بعد مجيء الإسلام إذ هبَّ «فُطناء النَّاس من بقايا العرب وغيرهم» لضبط اللُّغة العربية «مفردات ومركبات، وتدوينها في كتب».[2]

ب. الأَفْضَلية البَلاغية:

يقول الجاحظ في "البيان والتبيين":

ونحن -أبقاك الله- إذا ادَّعَيْنا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يَزْدَوِج، فمعنا على أنَّ ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرَّونق العجيب، والسَّبْكِ والنَّحْتِ الذي لا يستطيع أشعرُ النَّاس اليومَ، ولا أَرْفَعُهُم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير، والنَّبْذ القليل.[3]

ويقول الجرجاني مستشهدًا ومؤيِّدًا:

ونحن أبقاك الله إذا ادَّعَيْنا للعرب الفضلَ على الأمم كلِّها في أصناف البلاغة، من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يَزْدَوِج، فمعنا على أن ذلك لهم شاهد صادق، من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسَّبْكِ والنَّحْتِ الذي لا يستطيع أشعرُ الناس اليومَ ولا أَرْفَعُهُم في البيان أن يقول مثل ذلك، إلاّ في اليسير والشّيء القليل.[4]

2.2.2.1. مُساءَلَةُ تَجْويد طه عبد الرحمان لأَحْكام التّفْضيل:

لا بدَّ من التَّشديد، هنا، على أنَّ هذه المقتطفات هي مجرَّد تمثيل، وإلاَّ فإنَّ ما يدلُّ على أفضلية لسان العرب وتفوُّق بلاغتهم مما هو متفرِّق ومجتمع في نصوصهم هو أكثر من أن يستقصى. لهذا فإن قول طه عبد الرحمان بأنَّه يستند في صياغة مذهبه في التَّفضيل إلى ما ورد في نصوص التُّراث هو قول نستصحِّه: فتلك النُّصوص تتضمَّن، فعلاً، الكثير مما يشهد لقوله ويدلُّ عليه. إلا أنَّ "فضل" فقيه الفلسفة في صوغ وتجويد وتسويغ مثل هذه الأحكام هو مما لا يُكْفَر أو يُنْكَر:

1) فحتى وهو ينتقي، شأنه شأن غيره، فإنَّه قادر على الإيهام بأنَّه يستقصي، لدرجة يمكن أن تحمل على الظَّن أن لا شيء يبقى خارج التَّصوُّر الذي يصدر عنه والنَّسق الذي يبتنيه،

2) وهو يجتهد لحمل المخاطب على الاعتقاد بأنَّ كلَّ ما جاء في نصوص التّرُاث إنما جاء فيها على وجه الحكمة: أقوالاً وكيفيات،

3) وهو، ثالثًا، يرتِّب ما سماه بأصول مجال التَّداول على الوجه الذي يقطع به الطَّريق على كل مراجعة أو مفاوضة،

4) وهو، رابعًا، يُجْري على غيره من الأحكام ما لا يجريه على نفسه عن وعي وسبق إصرار.

لنقف عند ذلك أوَّلاً بأَوَّل:

1. يُعْمِل طه عبد الرحمان فعل الاستبعاد وفعل الانتقاء في ما يُرَكِّبُه من نسق قولي يبتغي من خلاله أن يقنعنا بأنَّ نصوص التُّراث كلَّها أثبتت تفوُّق بلاغة العرب وأفضلية لسانهم. وقد أوردنا أربعة مقتطفات؛ يقرِّر الأوَّل والثَّاني تفوُّق لسان العرب، ويؤكِّد الثَّالث والرَّابع تفوُّق العرب البلاغي على غيرهم. وكُنَّا أوضحنا في بداية هذه الفقرة نفسها أنَّ إيراد هذه المقتطفات هو من باب التَّمثيل، وإلاَّ فإنَّ ما يدلُّ على أفضلية لسان العرب وتفوُّق بلاغتهم هو من قبيل ما لا يحصى ولا يستقصى. غير أنَّ هذا وإن كان يدلُّ على صحَّة أخذ طه عبد الرحمان ببعض ما في نصوص التُّراث واستناده إليه، فإنَّه يدلُّ بالأولى على ألاَّ مجال للحديث عن الاستقصاء والأخذ بكل ما في تلك النُّصوص، خاصَّة إذا ما تعلَّق الأمر بأجزائها التي لا تخدم مقاصده. الدَّليل؟ ليس لنا أنْ نلحَّ هنا على أنَّ تلك النُّصوص تتضمن، أيضًا، آراء مباينة أو، على الأقل، آراء فيها بعض النِّسبية من قبيل ما سبق أن اقتطفناه من "المقابسات" والذي يؤكد أنَّ المفاضلة بين اللُّغات مما «لا يبين إلا بأن نتكلم بجميع اللغات على مهارة وحذق، ثم نضع القسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها ثم نحكم حكمًا بريئًا من الهوى والتقليد والعصبية والمين، وهذا ما لا يطمع فيه إلا ذو عاهة»[5]؛ فدليلنا على إجراء فقيه الفلسفة للفعلين التَّأويليَّين المتمثِّلين في الإقصاء والإنتقاء نستمده من تاريخ البحث في اللغة عند العرب: فقد بدأ البحث في حقل فقه اللغة «وصفيًا استقرائيًّا، تقرِّر فيه الوقائع في ضوء النُّصوص، لا تفرض على أحد ولا يقصى بها أحد. ولكن هذا المنهج السليم سرعان ما اعتوره الضَّعف، منذ أن استبدل العرب القواعد بالحقائق، والمعايير بالوقائع، والإلزام المتسلِّط بالوصف الدَّقيق الأمين».[6] ومن البيِّن أنَّ صدى هذه البدايات التي تركَّزت فيها الجهود على جمع اللغة ووصفها واستقراء قوانينها مما لا وجود له في نسق طه عبد الرحمان: فالنَّسق المؤسَّس على خلفية مذهبية ينزع لمحو ما لا يقبل اندراجه فيه. لذا فإنَّ ما نعثر عليه عند فقيه الفلسفة لا يعدو أن يكون تعميمًا لأحكام غير مؤسَّسة نشأت وتمكنت حين قطع الباحثون هذا يخص الحكم بتفوق اللسان - «ما بين العربية وأخواتها السَّامية من صلات، فرأوا خصائص العربية من خلال الزَّاوية التي أعجبتهم، لأنها أوسع اللُّغات وأشرفها وأفضلها؛ لا من خلال مقارنتها باللُّغات التي تربطها بها أواصر القربى»،[7] وحين أنكروا - وهذا يخصُّ تفوُّق العرب البلاغي - «أن يكون لغير العرب من البيان أو الشِّعر أو الاستعارة ما للعرب».[8]

2. يَعْمَل طه عبد الرحمان على أن يقنعنا بأنَّ كلَّ ما جاء في نصوص التُّراث إنما جاء فيها على وجه الحكمة: أقوالا وكيفيَّات. فإذا وَجَدَ في نصوص التُّراث أنَّ لسان العرب أفضل من لسان غيرهم وأن بلاغتهم أفضل من بلاغات الآخرين أخذ تلك الآراء مسلَّمات ثم صاغ أصلاً وفرَّع عنه القواعد ووضع القيود والحدود وأورد الاعتراضات ورد الاعتراضات ثم انتهى إلى استخلاصات. إنَّه، على مستوى الاستدلال، يسير على نفس النَّهج الذي سار عليه ابن فارس في المقتطف الذي أوردناه له: فقد انطلق من الآيات 192، 193، 194، 195 من سورة الشُّعراء التي ورد فيها أنَّ القرآن نزل بلسان عربي مبين، ومن الآيتين 3 و4 من سورة الرَّحمان اللَّتين ورد فيهما أنَّ الله خلق الإنسان وعلَّمه البيان ليبني استدلاله على تفوُّق اللِّسان العربي على هذا النَّحو: (1) في قوله - عز وعلا في آيتي "الرحمان"- بأنه خلق الإنسان وعلَّمه البيان تقديم للبيان وإعلاء من قيمته وشأنه وإلا لما وضعه تعالى في هذا المكان دون غيره مما أتقن خلقه وإنشاءه من شمس وقمر ونجم وشجر!، (2) في وصفه تعالى للِّسان العربي بـ"البيان" - المفضَّل على سائر مخلوقاته تعالى - في آيات "الشعراء" تخصيص له بالتشريف والتفضيل. النتيجة بيِّنة: كلُّ اللُّغات قاصرة وواقعة دون اللِّسان الذي وصف بوصف هو أشرف الأوصاف، بل هو أشرف المخلوقات! إلاَّ أنَّ هناك، مع ذلك، فرقًا بين ابن فارس وطه عبد الرحمان؛ يتمثل في أنَّ الأوَّل اعتمد على فهمه للآيات، وأنَّ الثاني اعتمد التَّسليم بفهم الأوَّل وفهم أمثاله ممن نقل عنهم أو نقلوا عنه. أين المشكلة؟ المشكلة أنَّنا لسنا بصدد تمرينات لغوية-منطقية حيث يكون المنهج أن تضع المسلَّمات فتستدل بأن تحرص على أن تكون الخطوات محسوبة ودقيقة على النَّحو الذي لا يمكن لمن سلَّم بما سلَّمتَ به إلاَّ أن يصل إلى نفس النتائج، فيتركَّز جهدك، كلُّ جهدك، على سلامة الانتقال من المسلَّمات إلى المستخلصات! فليس منهج التَّدليل اللغوي-المنطقي نافعًا على أيِّ وجه جاء؛ بل هو نافع أو ضارٌّ: إن وظفناه فيما ينفع وعلى وجه سليم فهو نافع، وإلاَّ فهو ضارٌّ. وعليه فإنَّ الانطلاق من التَّسليم بما جاء في نصوص التُّراث لمجرد أنَّه جاء فيها مما يمكن أن يكون بالغ الخطورة على وجود النَّاس وتعايشهم في العالم: أليس القول بأفضلية لسان قوم على غيره من الأقوام أو القول بتفوُّق بلاغتهم على غيرها هو من «أمَّهات ما تدارأ النَّاس عليه وتدافعوا فيه»؟[9] لهذا، ولغيره، فإنَّ الحكم فيما يتعلَّق بالأقوال- بأنَّ لسان العرب وبلاغتهم أفضل من لسان غيرهم وبلاغته هو مما لا يصحُّ حمله محمل الجدِّ حتى وإنْ لم يرد في نصوص التُّراث حكمٌ غيرَه. وليس معيبًا أنْ نبتدئ من مساءلة منطلقاتنا وأحكامنا القبلية، بل المعيب أن ننطلق منها دون مساءلة ونتَّخذ منها مسلَّمات ومبادئ موجَّهة!؛ فـ «لعلَّ للعصبية العمياء دخلاً في هذه النَّظرة العجلى إلى الحقائق والأشياء»،[10] ولعلَّ علماءنا القدامى لم يرغبوا في مقارنة «لغة القرآن بأية لغة أتيح لهم أن يلمُّوا بها، لأنَّ اللغة العربية بزعمهم أشرف اللُّغات»؛[11] ولعلَّ تلك المقارنة مما لم يتيسَّر لهم، فما تيسَّر للباحثين في العصور الوسطى، يقول صبحي الصَّالح، «أن يتناولوا اللُّغات بالدِّراسة التَّاريخية المقارنة، وإنما ظهرت تلك الدِّراسات بعد عشرة قرون أو أكثر».[12] أمَّا ما يخصُّ كيفيَّات القول فإنَّ الاستدلال بانشغال القدامى بتدبُّر النُّصوص الدِّينية على وعيهم بأهمية الوسيلة، وعلى وعيهم بـ«دور الوسائل والمناهج في تشكيل المضامين المعرفية»،[13] هو مما يمكن أن يخالف فيه. أولاً، لأنَّ النُّصوص الدِّينية حتى وإن كانت منفتحة وبالغة الثَّراء فإنها ليست كلَّ النُّصوص، فيترتَّب على ذلك قيام الحاجة إلى الاشتغال بغيرها طلبًا لكيفيَّات انبنائه واستعماله وتداوله؛ وثانيًا لأنَّ وسائل المعرفة ليست مقصورة على الوسائل اللُّغوية ولا محصورة فيها، فيتعيَّن الانفتاح على تلك الوسائل غير اللُّغوية حتى لا يبقى العقل أسير قبليَّاته ومفاهيمه وإجراءاته؛ وثالثًا، لأن فقيه الفلسفة نفسه إذا صدَّقناه - يستفرغ الوسع لا من أجل تشكيل أو حتى الإسهام في تشكيل دلالات النُّصوص، بل من أجل "استخراج" الدَّلالات الأصلية التي يقول إنها معطاة فيها بشكلٍ قَبْلي! الدَّليل هو ما يقوله بفصيح اللفظ وصريح العبارة في كتابه "العمل الديني وتجديد العقل" أما المتسلِّف العملي، فيعتقد أن كل نظر عقلي نازل في مراتب العمل، أو قل كل نظر عملي حي (التشديد منه)، لما كان قادرًا على طي الطبقات التجريبية والمعرفية المتراكمة، هو وسيلة كافية لتحصيل القدرة على استخراج مضامين النصوص الأصلية».[14] وبيِّنٌ أنَّ الاستخراج غير التَّشكيل.

3. يبتدئ، في صوغه المنهجي، بالأصل العقدي ويدمج فيه الأصل اللُّغوي ليبني على الأصلين أصلاً ثالثًا هو الأصل العقلي؛ على نحو يحمل على الظَّن أنَّ أصل تلك الأصول واحد لا يتجزَّأ ويقين لا يقبل الشَّكَّ: الدِّين. ونحن نرى أنَّ طه عبد الرحمان إنْ كان يستند في ما يقول إلى الدِّين فإنَّ استناده خاضع لا محالة، شأنه شأن غيره، لأفعال تأويلية ثلاثة: الإقصاء والانتقاء والتركيب. بمعنى أنه حتى وهو يستقصي فإنَّه بالضَّرورة يُقْصي بعضَ أوجُهِ أو دلالاتِ النص أو النُّصوص الدِّينية التي تتمتع بتعدُّدية غير قابلة للمحو، وينتقي بعض الأوجه والدَّلالات الأخرى، ثم إنَّه يركِّب ما ينتقي ويُصَنِّعه فيكون الناتج قولاً خاصًّا مختلفًا. وجملة القول أن فقيه الفلسفة يستند إلى الدِّين إلاَّ أنَّ قوله ليس دينًا. وهذا يعني، في السِّياق الذي نحن فيه، أنَّ الأجدى والأعدل أن نسلك مسلك من لا يفاضل لغة على لغة ولا بلاغة على بلاغة، وأن نسلِّم أنَّ الله تبارك وتعالى إن كان قد أقدرنا على أن نُنَمِّي لساننا وبلاغتنا فقد أقدر على ذلك غيرنا. ألم يَرِدْ ذلك في نصوص التراث؟ بلى، لقد وَرَد. ولو لم يَرِد لكان يتوجَّب علينا أن نُنْشِئه إنشاءً. لِنَقْتَطِفْ، حتى نختم هذه الفقرة، مما ورد في "الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم:

وقد توهَّم قومٌ في لغتهم أنها أفضل اللُّغات. وهذا لا معنى له لأنَّ وجوه الفضل معروفة، وإنما هي بعمل أو اختصاص ولا عمل للُّغة؛ ولا جاء نصٌّ في تفضيل لغة على لغة، وقد قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قوم ليبين لهم) [إبراهيم:4]، وقال تعالى: (فإنما يسَّرناه بلسانك لعلَّهم يتذكرون) [الدخان:58]، فأخبر تعالى أنَّه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه - عليه السلام - لا لغير ذلك، وقد غلط في ذلك جالينوس فقال: إنَّ لغة اليونانيين أفضل اللُّغات لأنَّ سائر اللُّغات إنما هي تشبه إمَّا نباح الكلب أو نقيق الضَّفادع.

قال علي: وهذا جهلٌ شديد لأنَّ كلَّ سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها، فهي عنده في النِّصاب الذي ذكره جالينوس ولا فرق.

وقد قال قوم: العربية أفضل اللُّغات لأنّه بها نزل كلام الله تعالى.

قال علي: وهذا لا معنى له، لأنَّ الله - عز وجل - قد أخبرنا أنَّه لم يرسل رسولاً إلاَّ بلسان قومه. وقال تعالى: (وإن من أمَّة إلا خلا فيها نذير) [فاطر:24]، وقال تعالى: (وإنَّه لفي زبر الأولين) [الشعراء:196]، فبكلِّ لغة قد نزل كلام الله ووحيه. وقد أنزل التَّوراة والإنجيل والزّبور، وكلَّم موسى -عليه السَّلام - بالعبرانية، وأنزل الصُّحف على إبراهيم عليه السلام بالسِّريانية، فتساوت اللُّغات في هذا تساويًا واحدًا.[15]

4. ينكر على غيره ما يبيحه لنفسه. فعلى الرُّغم من تأكيده في "الفلسفة والترجمة" على أنَّ الدِّراسات اللِّسانية والإناسية الحديثة عملت من أجل أن تزيل من النُّفوس الاعتقاد بدونية لغات الآخرين «وتثبت مكانه الاعتقاد بأنَّ اللُّغات، وإن تفاضلت في منجزاتها الثَّقافية والحضارية، فإنها لا تتفاضل من حيث إمكاناتها التَّعبيرية والتَّبليغية، فلكلٍّ منها قدرات في الأداء والإفهام تضاهي قدرات غيرها»، وعلى الرُّغم من أنَّه يقول إنه «لا يجوز البتة»؛[16] لا لـ«ليبنيز»ولا لـ«هيغل» ولا لـ«هيدغر» ولا لـ«دريدا» أن يرسلوا تفضيلاتهم للُّغة اليونانية والألمانية إرسالاً ويوردوها على وجه الإطلاق،[17] فإنَّ ذلك لا يمنعه من أن: 1) يستثني ويفتح الباب لسلطة فوق طور العقل هي التي تتولى الفصل في هذه التَّفضيلات المطلقة،[18] 2) ويحكم بتفوُّق لسان العرب وتفضيله الإلهي،[19] 3) ويتخذ ذلك الحكم المطلق مسلَّمة وأصلاً يفرِّع عنه قواعد يقول إنها لازمة لمجال التداول.

3.2.2.1. تَنْسيبُ مُنْطَلَقاتِ أَحْكام التّفْضيل:

نحتاج قبل كلِّ شيء إلى أن ندقِّق في ما سماه طه عبد الرحمان في مبدئه التَّداولي العامِّ بـ"بلاغة اللِّسان". فما المقصود بـ«بلاغة اللسان»؟ نحن نرى أنَّ هذا التَّركيب تركيبٌ سيِّئ في إطار الخطاب الذي يُغَلِّب العبارة على الإشارة ما دام قابلاً لأن يُحْشى بما لا يُحْصى من المعاني. وقد آثرنا أن نقدِّم، أعلاه، مثالين لما يمكن أن يدلَّ عليه ما يقوله فقيه الفلسفة من أنَّ العرب أوتوا بلاغةَ لسانٍ لم يؤتها غيرهم. المثال الأول يشمل مقتطفين يستدلاَّن على أفضلية لسان العرب على غيره من الألسنة؛ والمثال الثَّاني يشمل هو الآخر مقتطفين يقرِّر كلاهما التَّفوق البلاغي للعربي. وقد أردفنا كلَّ مقتطفٍ بمقتطفٍ مماثلٍ لنمثِّل بذلك لكيفية ترسُّب الأحكام عبر التَّرديد والتَّوكيد. في ما يلي مساءلة للحكمين: الحكم بتفوُّق لسان على غيره من الألسنة، والحكم ببلاغة قوم على بلاغة غيرهم.

4.2.2.1. مَوانِعُ الحُكْمِ بِتَفوُّقِ لِسان عَلى غَيْرِه:

نختزلُ بعض ما يمنع من إرسال الحكم بتفوُّق لسان على غيره من منظور علمي في هذه النقاط التي نؤكِّد أنها إن كانت من قبيل المألوف المعروف في اللِّسانيات وفي خارجها فإنها لا تؤخذ في الحسبان، أو لا تُقَدِّر على الأقلِّ - التَّقدير اللاَّزم في حقل البلاغة العربية:

حين نستعمل لفظ اللّسان فإنّنا (أ.) إمّا أن نطلقه إطلاقًا ساذجًا نحشر فيه وقائع لا حصر لها وغير قابلة للضّبط؛ (ب.) وإما أن نُقَيِّد استعمالنا له فنجعله دالاً على 1)موضوع علمي مجرَّد، 2) مستقلٍّ عن الجوانب الخارجية الملازمة لتحقُّقاته الفعلية، 3) ولا تتمتع فيه الوقائع الكلامية الجزئية والفردية الخاصِّة بأيِّ دور راجح.[20]

أ. فإنْ كان الأوَّل امتنع علينا حصر ما يشكِّل هذا اللِّسان من أوجه ومكونات وعلاقات بين العناصر وعلاقات مجموع النَّسق بجوانب خارجية عنه لا يتقوَّم بدونها على نحو ما هو مُفَصَّلٌ في كتاب دي سوسير الذي حصل الاتفاق عند المشتغلين بتاريخ الدرس اللغوي على «جعل نشأة اللسانيات مطابقة لظهوره»؛[21] وإذا امتنع علينا حصر الخليط غير المتجانس من الأوجه والمكوِّنات والعلاقات الذي أطلقنا عليه لفظ اللِّسان انسدَّ طريق الحكم الجزم بأفضلية لسانٍ على لسان انسدادًا تامًا: إذ ما الذي سنفضِّله على غيره؟ أهو المكوِّنات المادية الفيزيائية من قبيل حدوث أصوات اللغة وتموجاتها وتأثيراتها أم هو الوقائع الفيزيولوجية المرتبطة بجهازي التَّصويت والسَّمع أم هو الوقائع النَّفسية المتعلقة بكيفيَّات الارتباط الذِّهني بين الصُّوَّر الصَّوتية والصُّوَّر الدَّلالية أم هو الوقائع الثَّقافية الرَّاجعة لأشكال تقطيع الواقع وتسميته؟؛ وهل سنلاحق وجه اللُّغة الاجتماعي أم وجهها الفردي، وجهها الذي تنجَّز واسْتَقَر بالاستعمال أم وجهها المتغيِّر المتقلِّب المتفلِّت؟.. إلخ، وحتى على فرض أنَّنا أَحَطْنا بذلك عَدًّا رصْدًا فإلى أيِّ إطارٍ سَنَسْتَنِد حتَّى نُقَرِّر أن هذا اللِّسان هو أفضل من هذا؛ إذ لا بد أن يستند الحكم إلى إطار مرجعي معيَّن. وما من إطار؛ إلا أن يكون لسانُنا هو الإطار والمدار فنقيسه على نفسه ونقيس غيره عليه. وتلك هي الطريق السَّالكة لكلِّ الأحكام العامَّة والسَّائبة.

ب. وإنْ كان الثاني، أي إذا عمدنا إلى تقييد اللِّسان على النَّحو الذي يجعله يُفيد موضوعًا علميًّا مشيَّدًا مُتَّسِمًا بقدر كافٍ من التَّجريد والاستقلالية والانسجام انْسَدَّ علينا طريق الحكم الجزم بأفضلية لسانٍ على لسان انسدادًا تامًا هنا أيضًا مادام الموضوع العلمي الذي أشرنا هنا إلى بعض سماته وصفاته هو غير الموضوع الواقعي، فيتعيَّن إمَّا أن نفاضل بين المجرَّدات، وإمَّا أن نغيِّر المسار فنغوص من جديد في الخليط غير المتجانس لاستعمال لفظ اللِّسان استعمالاً ساذجًا. وليس لنا أن نستغرب أنْ يكون العلم مانعًا من إرسال الأحكام التَّفضيلية ما دام أنَّ أنساق الوصف والتَّحليل التي تصطنعها النَّظريات اللِّسانية  قد ترصد تفاوتات في درجات تعقيد بنيات الألسنة من غير أن تسمح بتفضيل البنيات الأعقد على الأقل تعقيدًا لظهور ارتباط ذلك بالضَّرورات الوظيفية الخاصَّة بكلِّ بنية وكلِّ نسق: فوظائف البنيات الأكثر تعقيدًا لا تلائم البنيات الأقل تعقيدًا والعكس؛ هذا فوق أنَّ التَّعقيد يمكن أن تكون له في بعض الحالات جوانب غير ذات نفع مما قد يعرقل إمكانيات النُّمو والتَّطور؛ وليس لنا أن نستغرب أيضًا صُدوف اللِّسانيين عن أمر هذه المفاضلات - التي ملأت الدُّنيا وشغلت المؤوِّلين قديمًا وحديثًا الناتج عن اصطناعهم زاوية النَّظر العلمي الذي جعلهم يدركون، منذ البدء، أنَّ إرادة استقصاء مكوِّنات وأوجه وعلاقات اللِّسان في طبيعتها الفردية المتعيَّنة تؤدي لا محالة - إلى الضَّياع في تفاصيل لا تنتهي عند حد، فعمدوا إلى بناء موضوعهم عن طريق تجريد وتجميع وترتيب وتنسيق خصائص وصفات الخليط الواقعي غير المتجانس وتنظيمه بالسَّبك والحبك في نماذج فرضية-تفسيرية مع ربط نجاعة كُلٍّ منها بمدى قابليَّته لمطابقة معطيات التَّجربة. فكان لا بدَّ لهم أنْ يدركوا إدراكًا تامًّا دورهم في تصنيع موضوعهم العلمي.

5.2.2.1. مَوانِعُ الْحُكْمِ بِتَفَوُّقِ بَلاغَةِ قَوْمٍ عَلى غَيْرِها:

فيما يخصُّ ادِّعاء الأفضلية البلاغية لقوم على غيره، فإنِّنا نرتِّب الجواب عنه مختصرًا على النَّحو التَّالي:

البلاغة بهذا الاستعمال لفظ يدل على كيفيَّات بناء النَّاس للُّغة في أجناس وأصناف القول عندهم؛ مما يعني أنَّ البلاغَة هنا موضوع للعلم وليست علمًا. والكلام عن البلاغة باعتبارها "موضوعًا" غير ممكنٍ من دونِ اصطناع زاوية للنَّظر. ولا أنسب من اصطناع زاوية علم البلاغة المتخصِّصِ بالنَّظر في "بلاغية القول". وَمَنِ اصطنع زاويةً غيرَ هذه فقد أخطأ نقطة الانطلاق الصَّحيحة، وبنى على غير أساس. وهذا لا يعني البتَّة - عدم مشروعية اصطناع زوايا العلوم والقطاعات المعرفية المجاورة الأخرى في تناول جوانب جزئية من موضوع "الخطاب" المعقَّد والشَّاسع.

إلاَّ أنَّ اختيار زاوية البلاغة لا ينبغي أن يحمل على الظَّن أنَّه كافٍ وحده لمجانبة الأحكام السَّائبة، بل، لا بد أن يُرافَق ذلك باختيار المنطلقاتلا المطلقات- حتى لا نحيد عن سبيل العلم. ومما نراه منطلقًا سديدًا صَدَدَ هذا الذي نحن فيه أن نُقِرَّ بأن البلاغة (أ.) لم تكن أبدًا ماهية ثابتة، وإلا لما كانت علماً؛ (ب.) وأنها، شأنها شأن كل علم، لا يمكنها إلا أن تشيِّد موضوعها وتبتنيه حتى لا تضيع في عدِّ ورصْدِ تشعُّبات الواقع في تفاصيله التي لا تنتهي عند حدٍّ، (ج.) وأنها أنتجت في كلِّ إبدالاتها الحديثة ومجالاتها القطاعية أشكالاً من التَّنسيب للمطلقات يصعب دحضها ولا يجوز إغفالها بالنسبة لكلِّ من يشتغل بالخطاب، إن لم نقل بالنسبة لكلِّ من يستعمله.

فَلْنقِفْ عند ما يفرض هذا الإقرار، ولنبين كيف يمتنع الاستناد إلى البلاغة للاستمرار في التشبث بما لا يقبله العلم من أحكام التَّفضيل.

أ. ما الذي نعنيه بأنَّ علم البلاغة لم يكن أبدًا ماهية ثابتة؟ نعني به ما يمكن أن يلحظه فيها كلُّ من ينظر في تاريخها الممتدِّ: فقد عرفت مخاضات كثيرة وعسيرة حتى تشكَّلت في إطار إبدلات بملامح علمية لا تخطئها العين في الثَّقافات المختلفة، وعرفت بعد ذلك فترات من المدِّ والصعود ومن الجزر والجمود. ثم إنها كانت خلال كل ذلك، وفي إطارات ثقافية متباية، مجالا لتنازع التَّصورات وتباين المفهومات والإجراءات التي تصدر عنها وتصطنعها في التَّوصيف والتَّصنيف والتَّحليل؛ وهو ما يشهد لها بدينامية جديرة بأن تحفظ لها مكانها المميَّز بين العلوم المختلفة. وإذا كان هذا هكذا فَلِم نجترئ عليها الآنفي مجالنا العربي- بقطع صلاتها بما يحيط بها من علوم، وبقتلها بالوقوف عند ترديد بعض آراء القدماء المرتبطة بخطاباتهم وبسياقاتهم الثَّقافية والاجتماعية، بل وبتأبيد بعض ما ارتكبوه من أغلاط جرَّاء سهوهم، أحيانًا، عن طبيعة حقل اشتغالهم وانسياقهم وراء الأحكام العامَّة للتَّأويل؟ وهل مما يفيد بلاغتنا القديمة نفسها أن نسكت عن جوانب القصور فيها أم هو مما يؤدي بها رأسًا إلى متحف التاريخ؟ ونحن لا نعلم، بعدُ، كيف يمكن ألاَّ نسائل اعتقادَ قدمائنا بتطابق، أو إمكان تطابق ما في اللِّسان وما في الأذهان وما في الأعيان؛ ونزوعَهم لاعتبار الخبر أصلاً في الخطاب، فتصير كل أنواع القول، بمقتضى ذلك، متتاليات من القضايا تصدَّق أو تكذَّب؛[22] وإيمانَهم بقدرة البلاغي على قياس درجة نقل الواقع ومدى جودة ذلك النَّقل، وقولَهم بوجود رتبة مخصوصة في نظم الكلام تبدأ معها البلاغة، وربطَهم البلاغة بالخطاب "الموسوم" أو الأدبي وقصرهم لها عليه؛.. ثم، وهذا أهم، كيف لا نناقش أقوالهم التي يُفهم منها أن قيمة الخطاب وبلاغته قد تتعاليان عن سيَّاقه ومقامه لحد إمكان فصله عن وظيفته التي أدَّاها ضمن شروط مخصوصة ويبقى مع ذلك محتفظًا بنفس القيمة ونفس البلاغة! أو لا تشكِّل هذه الاعتقادات، رغم أنها مما يتصل اتصالاً صميمًا بمشكلات الخطاب والبلاغة، الخلفية الملائمة للحُكم، مثلاً، بأنَّ لغة من اللغات يمكن أن تكون أصحَّ وأفصحَ حتَّى عند مَن لم يتكلَّمْها ولم يعرفْها، وبأن تحقُّقًا من تحققات نوع خِطابي يمكن أن يَفْضُل، بشكل مطلق، كلَّ التَّحقُّقات ليس فقط داخل نفس النوع ونفس الجنس، بل وفي كلِّ الأجناس الأخرى المباينة؟

ولا شكَّ، قبل هذا وبعده، أنَّ نصوص التُّراث مسكونة بالتَّعدد: ففيها بعض ما يخالف ما قدَّمنا ويُبايِنُه، على الأقلِّ من بعض الوجوه. لذا فإن استمرار تلك النصوص فينا يقتضينا أن نستفرغ الوسع في سبيل فحصها ومساءلتها واستثمار عناصرها بالتعديل والإنماء والسَّبك حتى يستعيدَ حقلُ البلاغةِ حيويتَه، ويصيرَ عندنا كما صار عند غيرنا، فضاءً لتوليد النَّماذج والنَّظريات المتنافسة بقصد تحصيل القدر اللاَّزم من الكفاية العلمية في وصف وتحليل بنيات واستعمالات وتداولات الخطاب. ولاشكَّ، أيضًا، في أنَّ تحصيل المرونة العلمية والكفاية الوصفية والتحليلية يمرُّ عبر البحث الواجب والضروري عن تأسيس الأحكام وتنسيبها.

ب. بيَّنا في الفقرة أعلاه أنَّ الانتماء لمجال الثَّقافة العربية الإسلامية لا يفرض أن نرفع آراء قدمائنا إلى مستوى المطلق فنحترف البحث المستحيل عن طرق استعادتها وترديدها على نحو متطابق حتى لا نخرم قاعدة من قواعد "مجالٍ تداوليٍّ" نحن من ابتناه وشيَّده! وإذا كان من الواجب فحصُ آرائهم الثَّمينة المرتبطة ارتباطًا صميمًا بالخطاب والبلاغة، فإنَّ من الواجب، أيضًا، فحصُ ونقد ما جاء في نصوصهم من أحكام عامَّة غير قائمة على أساس. ونحن نَصِلُ هذا الذي بيَّناه في الفقرة أعلاه بأَوْلى ما يعزِّزه ويدعِّمه؛ فنقول: إنَّ البلاغة باعتبارها علمًا للخطاب لا يمكنها إلاَّ أن تشيِّد، شأنها شأن لسانيَّات الجملة، موضوعها وتبتنيه حتى لا تضيع في عدِّ ورصْدِ تشعُّبات الواقع في تفاصيله التي لا تنتهي عند حدٍّ. والبلاغة القديمة شأنها في هذا شأن البلاغة الحديثة. والفرق لا يكمن إلاَّ في درجة الوعي بهذا الدَّور التَّشييدي-البنائي للعلم. وإلا فإنَّ البلاغة القديمة، شأنها شأن كل علم، خطابٌ تفسيري و«كل خطاب تفسيري بناء عقلي في كل مستوى من مستوياته، لا مجال فيه للمطلق، ولا لمعرفة يقينية. بل إنَّ كلَّ شيء فيه نسبي، ويتماشى هذا الكلام مع قولة معروفة لكارل پوپر تستخلص النتائج التي ترتَّبت عن الثَّورة النِّسبية التي رادها أينشتين: «أظن أنَّنا يجب أن نتعود على فكرة أن العلم ليس«جسمًا من المعرفة» ولكنَّه نسق افتراضات، أي نسق من التخمينات والتَّوقُّعات التي لا يمكن تبريرها مبدئيًا، ومع ذلك نعمل بها طالما أنها تتماشى مع الرَّوائز. وهذه الافتراضات لا يمكن أبدًا أن نقول عنها إنها «صادقة» أو«يقينية إلى حد» أو«حتى محتملة»».[23]

فإذا صَحَّ أن انتماء البلاغة العربية القديمة لحقل العلم قد فرض عليها أن تبني موضوعها نوعًا من البناء حتى تُفْلِت من الضياع في تشعُّبات الواقع وتفاصيله، وأن تعيد صياغة الوقائع الخِطابية في ضوء خلفيَّات مُظْهَرة وأخرى مُضْمَرة، وأن تُرَتِّبها في نسقٍ مفهومي خاص، صَحَّ أن تلك البلاغة لا تَصْلُح، بفضل علميتها، أن تكون متَّكأً لمن يريد إرسال مطلقات الأحكام على الكلام حتى لو كان هذا الذي يريد ذلك من علماء البلاغة القدامى أنفسهم: ذلك أنَّ ذاته الاعتبارية العالمة هي غير ذاته الاعتبارية المؤوِّلة.

ج. لا حاجة إلى التَّأكيد على أنَّ البناء والتَّشييد خاصية مميِّزةٌ لكلِّ النَّماذج المتنافسة في إطار البلاغة الحديثة باعتبارها علمًا كليًّا للخطاب. ولا حاجة إلى التأكيد، أيضًا، على أن انشغال البلاغيين بتجويد تلك الخاصية، سَكًّا وسَبْكًا، لِيُوَفِّروا لنماذجهم أعلى كفاية تفسيرية ممكنة لوقائع الخطاب هو مما يجعل تفضيل بلاغة شعب على آخر أو بلاغة شخص على غيره، بل بلاغة نوع خِطابي على نوع خِطابي مباين من المشكلات الفارغة والخالية من المعنى. بيد أننا نضيف، مع أن في ما قلنا كفاية، أنَّ ما تَقَرَّر في إطار تلك النَّماذج مما يمكن أن يجلي واقع أنَّ البلاغة لا تتيح إمكان الاستناد إليها في إرسال التَّفضيلات على وجه الإطلاق هو مما "نعدُّ منه ولا نعدِّده". وعلى هذا فنحن لا نزيد، لضرورات مقامية، على أن نقول بأنَّ في عموم قطاعات البلاغة تَشْديدٌ على أن بنية الخطاب

1) تتنوع بحسب أجناسه وأنواعه: فلكل جنس خِطابي بنية تخصه وتلائم وظائفه: وعلى هذا فلا معنى لادعاء إمكان حفاظ الخطاب الأدبي القائم على «اللاتحديد» على نفس قيمته حتى في مجال العلم، أو ادعاء إمكان حفاظ الخطاب العلمي القائم على «التَّحديد» على نفس قيمته حتى في مجال الأدب. ومن المفيد هنا أن نشير-إذا اقتصرنا على حقل الأدب- أنَّ العديد من الباحثين وجدوا في بلاغة "الرِّواية" المنفتحة على تعدد الأصوات والأساليب فضاء تَتَنَسَّب فيه أصوات وأساليب الأفراد والفئات والطبقات في "مجتمع النص"، وتَتَنَسَّب من خلاله اللغة الأدبية "الصَّافية" ذات "البلاغة العالية" في العرف الأدبي السائد والمتوارث،[24]

2) وتتنوع بحسب متغيّرات كثيرة راجعة للمستعملين: من قبيل بنياتهم الذِّهنية وتركيباتهم النَّفسية، وحالاتهم الصحية، وأوضاعهم الاجتماعية. فما كان دالاًّ وذا قيمة بالإضافة إلى صاحب معتقد مخصوصٍ في حالة صحية ونفسية ووضعية اجتماعية لن يبقى بنفس الدلالة والقيمة عنده في غيرها، فكيف يبقى بنفس الدَّلالة والقيمة عند غيره؟

3) وتتنوَّع بحسب الشُّروط التي يؤدي فيها ذلك الخطاب وظائفه المتعينة فنقلُ خطابٍ بقطعه عن شروطه التي أدى فيها وظائفه الأولى إلى شروط سياقية ومقامية مباينة يُغَيِّر ذلك الخطاب ويحوِّله حتى لو كان النَّقل حرفيًّا؛ لأنَّ ذلك يُصَيِّرُه، ببساطة، إلى تأدية وظائف جديدة مرتبطة بمجمل الشُّروط السياقية والمقامية التي تمَّ نقله إليها وترديده فيها. فكيف يجوز أن ندَّعي حفاظه على نفس المرتبة البلاغية في كل أطوار تداولاته التي لا يقر لها قرار؟

6.2.2.1. إِمْكانُ تَأْويل التَّفْضيل:

ما الذي يمكن أنْ يدلَّ عليه الإصرار على استعمال الدِّين وإقحامه في مشكلات لا تقوم على أساس؟ من الممكن أن يقال إنَّ البلاغة في حقل الثَّقافة العربية انساقت في الكثير من الأحيان لممارسة التَّأويل دفاعًا عن الدِّين واستدلالاً على إعجاز النَّص القرآني. إلا أنَّ دفاعها عن الدِّين واستدلالها على الإعجاز لا يشكِّل ملمحها التَّأويلي الوحيد. فالخطابُ البلاغي ليس انْبِساطًا بسيطًا وبَحْتًا لفكرةٍ ذات طبيعة جوهرانية. ففهم الخطاب البلاغي على هذا النَّحو يمكن أن يسقط في تصوُّرٌ سكوني وغيرُ دينامي لا يضعُ نصبَ عينيه تعقُّد أشكال تَوالدِ الخطاب وتشعُّبِه في علاقةٍ بذات فردية أو جماعية بما هي نسقٌ من التَّناقضات وإراداتِ الهيمنة. لذا فإن من الممكن القول إنَّ من الملامح التي تُنافسُ الملمح الإعجازي المهيمن في تأويلات البلاغيِّين سعيُهم إلى إثبات عربية البلاغةِ. ولا نقصد بهذه الصَّيغة أنهم قالوا بأنَّ هناك بلاغةً عربيةً، بل أن ننبِّه إلى أنهم قالوا جِهارًا إِنَّ البلاغة، حصريًّا، عربية.[25] وهو ما يسمح بالقول بأنَّ للمقصد الإعجازي وجهٌ عرقي أكيد بالإضافة إلى وجهه