english arabic
الروح في الإنسان - الجزء الثاني

الروح في الإنسان (1 من 2)

 

س. رادهاكرشنان

 

1. الفلسفة والدين في الهند

تُقارَب مشكلة الفلسفة في تاريخ الفكر بطريقتين مختلفتين. فثمة بعضهم ممَّن يتناول بالتحري مجموعات خاصة من الظواهر ويدع الصلات تهتم بأمر نفسها، فيما ينظر بعضهم الآخر إلى العالم ككل ويسعون إلى تقديم تراكيب عامة تضم التنوع الواسع للكون. وليس بالوسع الفصل بين طريقتي الرصد هاتين فصلاً قاطعاً. فالكون سيرورة متغيرة متواصلة الأجزاء. عندما ندرس أجزاءه بأن نعزل بالفكر مظاهر معينة منه لا يسعنا إلا أن نطرح مسألة طبيعة الكون ككل وموضع الإنسان فيه. في الهند أُوِّلت الفلسفة بوصفها بحثاً في طبيعة الإنسان وأصله ومآله. وهي ليست مجرد تجميع أو توليفة للنتائج المحصول عليها باستقصاء مشكلات اختصاصية مختلفة، وليست مجرد تعميم منطقي يرمي إلى تلبية الحاجة إلى الاشتمال على كل شيء. فلئن كان لمثل هذه النظرات المجردة تماسك شكلاني، إنْ أمكن، ليس له إلا القليل من العلاقة العضوية بمشكلات الحياة العيانيَّة. فالفلسفة عند الذهن الهندي فلسفة عملية من حيث الجوهر، تتعامل مع هموم الكائنات الإنسانية الأساسية الأكثر إلحاحاً من التخرُّصات المجردة: نحن لا نشاهد العالم من الخارج بل نحن فيه.

لقد أصبح المتات العملي الذي للفلسفة إلى الحياة محور اهتمامي منذ أن باشرتُ دراسة الموضوع. ولقد أدى تأهيلي الفلسفي الذي بدأ من عام 1905 إلى عام 1909 في معهد مَدْراس المسيحي، بجوِّه المسيحي الفكر والمطمح والمسعى، إلى أن استهوتني المنطويات الدينية للميتافيزياء. كنت شديد الاقتناع بعدم اقتدار الدين الهندوكي الذي عزوتُ إليه الانحطاط السياسي للهند. كانت الانتقادات المرفوعة ضد الدين الهندوكي مزدوجة الصفة. فهو غير متماسك عقلياً وغير مكين أخلاقياً. فكان التحدي يطال الأسس النظرية للدين بمثل ما يطال ثماره العملية. وإني لأذكر حسَّ الواقع البارد والشعور الممضَّ بالانهزام الذي دبَّ فيَّ فيما كانت علاقة سببية بين الدين الهندوكي الغثّ وفشلنا السياسي تفرض نفسها على ذهني إبان تلك السنوات. ماذا دها الدين الهندوكي؟ كيف يمكننا أن نجعله أوثق صلة بالمناخ العقلي والبيئة الاجتماعية لزماننا؟ تلكم كانت المسائل التي أثارت اهتمامي.

يعبِّر الدين عن نفسه ويفصح عن نوعيَّته بالمناقبيَّة التي يطالب بها. ففي حين يوجد الكثير في الدين والممارسة الهندوكيين مما يستحق نقداً عادلاً، من مظاهر وحشية مظلمة وبطش وعنف وتجاهل للطبيعة وتطيُّر وخوف، بدا لي الدين في جوهره متماسكاً تماماً. فأتباعه يستخف بهم حنينٌ إلى رؤيا الله وَصَلَ ببعضهم إلى شفا كمال مقدَّس يُقهَر فيه الانشقاق القائم بين الجسد والروح الذي يشعر به البشر دوماً لكنهم لا يفهمونه. الثقافة الهندوكية موجَّهة نحو ما هو مُستَعْلٍ ومتجاوز. وإنجازاتها في الأزمنة الغابرة تعود إلى اشتداد عالٍ للروح ليس لعصرنا ما يوازيه. فغاية الدين هي الصحوة الروحية والمستيقظون منعتقون من أضاليل الطبقة والمعتقد، الغنى والسلطان. على أن ثمة افتراق مأساوي بين هذا المثال السامي والحياة الفعلية. فباهتمامنا، بدايةً، بعدم اقتناء ممتلكات وقتية وبصرف أيامنا في وصال مع الروح، أهملْنا واجب خدمة الإنسان الأساسي. قد يبدأ الدين بالفرد لكنه يجب أن ينتهي في صحبة. إن التأويل الجوهري لله والعالم، للمثل والواقع، هو المبدأ العمدة للهندوكية، وهو يتطلب منا أن نجيء بالخلاص إلى العالم. ففي الأيام المجيدة عبَّرت الروح الدينية المتَّقدة عن نفسها في ثقافة دنيوية وحضارة وطيدة. وعادت الروح الدينية من مشاهدة الحق الأقصى إلى العناية بالحياة العملية. وهذه الحقيقة تشهد لها حياة المعلِّمين العظام من نحو بوذا وشنكرا اللذين شاركا في الوظيفة الاجتماعية والممدِّنة. لقد جاهدت الهندوكية مظفَّرة ضد فساد العالم القديم، وحضَّرت المتخلِّفين من الناس وحوَّلت العناصر الجديدة وطهَّرتها وصانت منقول العلوم الروحية والبرَّانية. والهندوكية، بانطلاقها من الافتراض بأن الجميع من الجوهر الإلهي نفسه وبالتالي متساوون من حيث القيمة ومخوَّلون الحقوق الأساسية نفسها، تردَّدت في اتخاذ الخطوات الجريئة الضرورية لتحقيق هذه الغاية. فالمُثُل التي يتقدم بها مؤسِّسو دين من الأديان تواجه عقبات تفرضها العطالة الاجتماعية والأثرة الجماعية، وعلى أولئك المتشربين روحه الحق أن يعودوا إلى المُثُل وبالجهد والمثال أن يقوِّضوا العقبات. وملكوت الروح، ثانياً، شيء لوَّاص ينخدع فيه المرء بالزيف والأوهام. فثمة في كل بلد قوم خبثاء يمارسون ضرباً من الشعوذة ويأخذون بألباب الانفعاليين غير المتعلِّمين في نوع من النُوام السحري. والكثير من الأذى يُنزَل من جراء الممارسات الأرواحية واستحضار نفوس الموتى مما يختلط فيه الروح والحس، الدين والغوايات القوية للحياة. ليس من الجوهري تحرير الأجسام من التضوُّر جوعاً وحسب، بل الأذهان من العبودية. فالقداسة، متى كانت خالصة، تتسم بالتواضع والمحبة الصادقين. إنما الدين بحث عن الحقيقة والسلام، لاعن السلطان وسعة العيش. وإننا، ثالثاً، باسم الدين كثيراً ما نُلقَّن بأن الشروط السائدة قضى بها الله. كذا كان وهو كائن وسيكون أبداً. الدين، متى فُسِّر تفسيراً صحيحاً، يعني الشجاعة والإقدام، وليس الاستسلام والجبرية. وإن عوائد ومؤسسات أمَّة تتأصل فيها تكاليف مناقبية لتتطلبُ أن يعاد صوغها في نظام اجتماعي ديناميٍّ. وبينما تمنح هذه تربيتَها المناقبية للأعضاء المؤلِّفين لأمة من الأمم عليها ألا تتخلف بعيداً وراء وعي الأمة. فإن تحلل الأفكار المقبولة أمر موجود، والعديد منها يُفرَض عليه الاستمرار صنعياً حتى بعد أن تغادرها الحياة. المفكرون المتأمِّلون الذين يبلِّغون جيلهم رهافة الأشكال القديمة وإجلال الماضي ونفَس التاريخ والقدرة على الشعور بالآمِن والقائم بذاته وفهمهما، كما ورؤى الأشياء الجديدة وأعنان عصر، العالمون من بني الإنسان كيف ينظرون إلى المنقول نظرتهم إلى شيء سائل ومتحرك، يتعدل ويتغير على الدوام بمتطلبات الحياة، ليسوا بين المنتمين إلى المِراسة الكهنوتية. فإن طبقة الكهنة الحالية، ماعدا استثناءات نادرة، خسرت حسن تربيتها ورفقها وتهذيبها ولم تكسب صفو بالٍ أو علماً أو قدرة على التكيُّف. إنهم يعرفون فقط أن نهج المنقول يشيد حاجزاً في وجه الغلوِّ والفردية المفرطة وهم يظنون أنهم يدفعون عن الأمة التغير الثوري، لكنهم بذلك لا يفعلون سوى الحض عليه. فلو نزعنا عنهم أقنعتهم لانْكَشَف لنا شكَّاكون في العديد من الحالات. إنهم ليسوا على يقين مما يعظون به وهم مجرد انتهازيين من جراء قنوطٍ نهَّاشٍ أبكم ليسوا يفهمون طبيعته. وهم مسؤولون إلى حد ما عن الفتور الروحي السائد. إنهم يحشون رؤوسنا بدساتير نكررها آلياً بدون أية معرفة حقة بما تعنيه، وبعض الشعائر يقام اعتباراً لسمعتنا أو لأهلنا أو بحكم العادة أكثر مما يقام بدافع أي حافز جَوَّاني أو حس بالجماعة. نحن هندوك بسبب الإطار الشرعي للحياة والشعور الفردي بالأمان الذي نحيا ضمنه ونوجد به ليس إلا. والعديد منا ليس عنده أدنى فكرة عن طبيعة الدين الحقة، تلك الشعلة الخفية، التي هي أنشط بين الشباب الذين تتمخض أذهانهم. وبوسعنا أن نسمع نداء الشباب وتحديهم من أجل نبرة جديدة في الدين، وإنسانية جديدة. فمن روح الشباب أنه لا يقنط كل القنوط أبداً من الطبيعة البشرية. ولأن يحط من نفسه خير من أن يكف عن الإيمان برؤاه الأحلامية. فهو موقن أن البلاء الذي حل بنا لهو نتيجة فشلنا المشترك.

إنما ظرفنا السياسي الحالي علامة أزمة جَوَّانية، فقدان للإيمان، وهن في نسيجنا المناقبي. فالأحداث تقع في ذهن الإنسان قبل أن تعتلن في سياق التاريخ. ومن الجوهري لنا أن نعود إلى الروح القديمة التي تتطلب منا قهر أهواء الجشع والبخل، تحرير أنفسنا من طغيان ماضٍ قاتم، من ضيم الأهوال والأشباح، من سلطان الزيف والغش. فإذا لم ننهض لهذه المهمة كانت أوصاب يومنا هذا بلا معنى ولا طائل.

2. الحاجة إلى تجدُّد روحي

التجدُّد الحقيقي هو ما يحتاج إليه العالم قاطبة وليس الهند وحدها. فعند الذين فقدوا مرساهم، وعند عصرنا نفسه الذي يجتاز مرحلة تحول عظيم، طريق الروح هو الأمل الأوحد.

إن الشواش الراهن في العالم يمكن اقتفاؤه مباشرة حتى الشواش في أذهاننا. فثَمَّ انقسام في نفس الإنسان. نحن نفترض أن العقلي والمناقبي يستنفدان طبيعة الإنسان وأن العالم يمكن أن يعاد بناؤه على أساس الإنسانويَّة العلمية أو الدهرية. فالإنسان ينتزع نفسه من المركز الديني ويكتشف قدراته وإمكاناته ويحاول من خلال لعبتها الطحوم أن يخلق مجتمعاً جديداً. والمفكر الحديث الذي تَقَوْلَب ذهنه إلى درجة قلما يعترف بها منهجُ العلم الحديث ومفاهيمُه، يؤمن إيماناً عظيماً بالوقائع التي يمكن التحقق من صحتها وبالنتائج الملموسة. وكل ما لا يمكن قياسه وحسابه غير واقعي، والهمسات القادمة من الأعماق السرية للنفس تُنبَذ بوصفها توهُّمات غير علمية. فمنذ بدأ الإنسان يفكر وُجِد دوماً شكاكون: "على الحكيم – على حد قول أركِسيلاوس [Arcesilaus] – أن يمسك موافقته عن كل الآراء وأن يعلِّق حكمه." وهذا الموقف المعجب للمستقصي العلمي تحول الآن إلى موقف إنكار عَقَدي لا يقدم إلا مرشداً غير وافٍ إلى الحياة والعمل.

فما هذه الوقائع التي لا مرية فيها من حيث الظاهر والتي سوف يبنى عليها العالم الجديد؟ إنِ الحياة إلا هباءة متناهية في الصغر على كوكب ضئيل، في منظومة من الكواكب تدور حول نجم لا يُعتَد به، ضائع هو نفسه في قفر من النجوم الأخرى. الحياة حادث ينبثق على نحو مجهول من المادة الصماء. وهي قابلة للتفسير كل القبول مع أنها لم تفسَّر بعد بالقوانين الآلية. ولقد اتخذت أشكالاً متنوعة عبر عمليات حظ (التغير والبيئة). بل إن ذهن الإنسان هو الآخر محصول عَرَضي تَطَوَّر ليساعد صاحبه على الغلبة في الصراع من أجل البقاء. وعالم الطبيعة غير مبالٍ بأحلام الإنسان ورغباته. والعديد من المخلوقات الغريبة، نتاج ملايين السنين من التطور، قضت وليس للإنسان أن يتمادى به الغرور إلى حد الاعتقاد أنه وحده مقدَّر له أن يستمر للأبد. فإنْ هو إلا فصلٌ من فصول التطور الأرضي ولابد أن يؤول وجوده على الأرض إلى الانتهاء.

تخبرنا الأنثروبولوجيا بمبلغ نسبية كل المنظومات المناقبية، ولاسيما المتعلِّقة منها بالحياة الجنسية. ففي نظر المفكرين الذين كانوا على كل حال ينفضون عن أنفسهم القيود المناقبية المنقولة ويردُّون إلى حقوق الجسد منزلتها، جعل فرويد الإباحية لائقة من حيث لم ينتوِ نتيجةً كهذه على الإطلاق. ويقال إن علم التحليل النفسي يبرِّر تكريس كل الرغبات وتحرراً تاماً من كل القيود.*

تتشكل الجماعات الاجتماعية حرصاً على البقاء. وما من غاية أخرى لها سوى تعزيز خيرها المادي، بالقوة والخديعة، اضطراراً. والرفاه الاقتصادي هو هدف كل وجود. إن مبادئ التطور تقدم أساساً علمياً للإمبريالية العسكرانية. عندما تستغل جماعات قديرة شعوب الأرض الأضعف فهي ليست إلا أدوات لتعزيز تطور أشكال بيولوجية عليا، تطور جاء بنا من المتحوِّلات إلى الإنسان وسيُتمِّم الرحلة الآن من إنسان نياندرتال إلى البرابرة العلميين للعالم الحديث. والقوى العظمى تنصِّب نفسها شرطة الله لصون القانون والنظام في كل أرجاء الكرة الأرضية، مبشِّرة مرسَلة لتحضير الشعوب الأضعف التي تعامَل معاملة مخلوقات من مرتبة أدنى تزعج الدخلاء بنسق ذهني وتكوين مناقبي مختلفين. فاليهود ليسوا الشعب الأوحد الذي دعوا أنفسهم الشعب المختار. فغيرهم أيضاً يؤمنون ببعثتهم، مع أن هذا الإيمان ليس قائماً على الوحي بل على قدر تاريخي أو خرافي. وحتى تتمِّم مصائرها تُحوَّل الأمم إلى آلات عسكرية ويُجعَل البشر أدوات. فالزعماء غير مكتفين بحكم أجسام البشر، إذ عليهم أن يطوِّعوا أذهانهم. عليهم أن يبلِّغوا الإيمان ببعثتهم المشيحائية إلى الجماعة بعامة. وهم بدون كثير جهد يكسبون صدق مودة من دَبَّ فيهم الانحلال والسخط، الفقراء والعاطلين عن العمل، المغامرين والانتهازيين والشباب وأصحاب الطموح ممَّن لا مثال لديهم ولا نجمة هادية بل أذهان ضالَّة وقلوب رعديدة. وإن بذور القومية الزاحفة لتجد تربة خصبة في الولاء غير الذمِّي للأذهان المتحررة. ذلك أن حالة غير سوية من التوتر المناقبي والذهني تنجم حيثما تُستبدَل الطاعةُ البليدة بالتفكير الحر، السكونية المناقبية بالتفتُّح المناقبي، الصلف وادِّعاء الصلاح بالشعور بالإنسانية.

إنما الدين بحاجة إلى اليقين، إلى الثقة التامة. بيد أن هذه بالضبط هي الخاصية التي كذَّبتها الطبيعانيَّة العلمية بدقة وإحكام. إن حاجتنا إلى الاعتقاد، كما يقال لنا، لا يسعها أن تكفي أساساً للإيمان. فالدين، من حيث هو شأن تاريخي، قد أوهن الطيران الحر للذكاء وخَنَق التوفر المسرور على القيم الإنسانية. فقد احتضن التطيُّر وسَنَّ الجريمة. وقد هدهد الملايينَ من البشر المعذَّبين بأوهام عن عزاء خارج الأرض للتعويض عن بوار حياتهم الأرضية. ليس الدين إلا ضرباً من الشعر (سنتايانا)، والأساطيريات (كروتشي)، وظاهرة اجتماعياتيَّة (دوركهَيم)، أو عقار مخدِّر لمجتمع متداعٍ (لينين). الحياة الروحية خيبة وحلم. وفي أحسن الأحوال يمكننا استخدام الدين كسُنَن أخلاقية. وبالوسع اختزاله إلى بضع قواعد مناقبيَّة. فعندما عرَّف كنط بالدين بوصفه معرفة واجباتنا بما هي أوامر إلهية، ولم يجعل الله حاضراً بل قاضياً مستقبلياً يثيب الأخيار ويعاقب الأشرار، أوشك أن يزيح الله من الحياة الإنسانية. ففي كتابه الدين ضمن حدود العقل، يرى كنط الحياة المناقبية كحياة تقرير مصير فردي لا يستطيع فيها لا الله ولا الإنسان أن يقدم عوناً، بل على كل فرد فيها أن يواصل جهاده المنفصل بقوَّته التي لا معين لها. إن مثل هذه النظرة لا تترك إلا مجالاً قليلاً لشيء كالعبادة الدينية الحقة أو لخلع المغزى على الحياة. وأصحاب الموهبة، بدون أي رباط يشدُّهم أو تجانس حق، معزولون عزلة مفجعة، متروكون بالكلِّية لمواردهم الخاصة – أنيَّاتهم الخاصة المتوحِّدة – بلا موطئ قدم، لا في السماء ولا على الأرض، مجتثُّون تماماً من جذورهم، هم الأحرار الذين خرجوا من الأُطُر الضيقة للمعتقدات والنِحَل، من الخوف من الباباوات والكهنة؛ وهؤلاء هم الأبطال المثاليون، والمنارات لكل العصور. كل إنسان فهو نبي، والنتيجة هي برج بابل بكل معنى الكلمة حيث لا يفهم واحدهم الآخر. فكل منهم يفهم بطريقته مثالَه للعالم. وبلبلة الألسنة في البرج لابد أن تنتهي بكارثة.

"هذا العصر يصح أن يدعى عصر النقد – قال كنط –، نقد لا يأملنَّ شيء في النجاة منه. فعندما يسعى الدين إلى الاحتماء بقدسيَّتِه، والقانونُ بجلاله، فإنهما يستحقان تنبُّه الارتيابِ فيهما ويخسران كل ادعاء بالاحترام المخلص الذي لا يوفيه العقل إلا لما استطاع أن يجتاز امتحان تمعُّنه الحر المفتوح." ولكن ماذا حقق النقد؟ لقد نفى الحقيقة المطلقة من الفكر والحياة. ففي الجماليات يُعتبَر الجمال ذاتياً. وفي فقه التشريع يعلَن القانون تعبيراً عن التواضع الاجتماعي وليس عن العدل. وفي المناقبيات يقال إن حياة مترعة ومنوَّعة متناقضة مع سُنَّة مناقبية جامدة. وحتى اللاهوتيون عزفوا عن الإله المطلق وعمدوا إلى آلهة منتهية "ذاتية التعليم".

فما حصيلة هذا النقد الوضعي الجديد للحياة؟ لدينا عالم من الأنبياء العقلانيين، والفردانيين الأنانيين، ومنظومة اقتصادية فظيعة مركَّبة من التصنيعية والرأسمالية، من الإنجازات التقنية الواسعة والفتوح الخارجية، من التشوُّق المتواصل إلى المَنَاعِم وحب الرَغَد، ومن التسهِّي الجامح غير المنتهي في الحياة العامة، ومن دكتاتوريات الدم والبطش، الحريصة على جعل العالم مجزرة يقطر منها الدم البشري، من الإلحاد وازدراء الروح، عالم ليس فيه شيء مؤكد ضاعت فيه الثقة من البشر. ففي المدن الكبرى، في الشرق كما في الغرب، نصادف شباناً، باردين متهكِّمين، يتيهون كبراً وعليهم هيئة الجنود، حيويين وعازمين على المضي قدماً، يتحيَّنون فرصة للاستيلاء على مكان في الصدارة، رجالاً يقدِّرون أنفسهم سادةً للحياة وصانعين للمستقبل، يظنون، كما قال بايرون، أنهم يقودون العالم لأنهم يأوون إلى فراشهم متأخرين. إن مسلكهم الفظ، المصرَّ على إثبات موجوديَّته، وجلافتهم وعنفهم، وقاحتهم الواثقة وصلفهم، حطَّهم من منزلة القانون واستهانتَهم الساخرة بالعدالة، ليشي بالفساد الأخلاقي الجسيم الذي يجتازه العالم. فهم ليسوا مجرد القشرة الرقيقة للهرم الاجتماعي. إنهم يقودون الجماهير ويتحكَّمون بها، الجماهير الموهوبة في الديمقراطيات الجديدة المقدرة على قراءة ما لا يتناسب مطلقاً مع مقدرتها على التفكير. لقد أصبحت الحياة عيد مَرافِع أو سِركاً واسعاً يتقدم، بلا بنيان، بلا قانون، بلا إيقاع.

فلنمعن في التفتيش عن الوجه الآخر للَّوحة. لقد أدى التنكُّر للإلهي في الإنسان إلى داء في النفس. إن تعليق إرادتنا وتفكيرنا والتطوُّح إلى حيث لا ندري ليس فيه مرضاتنا. فالإنسان لا يستطيع أن يهدأ له بال، حتى إذا لُبِّيت حاجاته الجسدانية جزيل التلبية، والمرارة سوف تستمر في إقلاق ذهنه وإفساد سلامه. إن الطبيعة لا يمكن أن تروَّض كل الترويض لتلبية متطلبات الإنسان. فنزواتها، زوابعها وعواصفها، أعاصيرها وزلازلها، لن تني تحطم عمله وتقضي على آماله. العلاقات الإنسانية العظيمة لا يمكن أن تتحرر بسهولة من أن تتخلَّلها الكبرياء والغيرة والأثرة والخيانة. فشطحات الطالع وتقلُّب الطبيعة البشرية سوف تواصل عملها. فحتى تكون لنا رؤية للكمال، لمحة من الأبدية تتغلب على منظور الزمن، وما لم تكن لنا هذه الرؤية وتلك اللمحة، سيبقى سلام الذهن أملاً قصياً. فالطمأنينة التي بدونها لا تكون أية سعادة ممكنة لا تتأتى من السيادة على الأشياء. فالسيادة على النفس هي المستلزم الأولي الذي لا مندوحة عنه لذلك.

إن العالم يجتاز فترة من الارتياب، من الحنين الصامت. فهو يريد أن يخرج من مزاجه الحالي من الشواش الروحي والعبثية المناقبية والتسكُّع الفكري. الإنسان المثقَل والمتعَب حتى الموت من جراء وحدته بات مستعداً للاتكاء على أي نوع من المرجعية شريطة أن تحميه من العزلة الميئوس منها والتفتيش الطائش عن السلام. إن مهالك التساؤل الروحي تأخذنا إلى الطرف المقابل للنهضات والأصولية في الدين. الارتياب بين الإيمان العَقَدي والإلحاد الجعجاع يعود إلى عدم وجود منقول أو تقليد ذهني فلسفيين. فالمعاناة الذهنية للتفكير، عندما ينحجب ميراث الإنساني العظيم بأولى نظرات العلم، المعاناة التي تعود إلى النزاع بين القيم القديمة والقيم الجديدة، المقبولة جميعاً، وإنْ بدون توفيق، لهي علامة على أنه ما من تزعزع، ما من هوى فجٍّ بوسعه أن يخمد نور الروح في الإنسان. مهما تكاثفت الظلمات التي تطوِّقه فإن النور سوف يشرق مع أن الظلمة قد لا تدركه. فقط عندما تجعل حياةُ الروح حياةَ الإنسان في هيئة جديدة وتُشعِّها من الداخل يكون بإمكانه أن يجدد وجه البسيطة. حاجة العالم اليوم هي إلى دين الروح يعطي الحياة غاية، ولا يتطلب أي تهرب أو لبس، يوفق بين المثال والواقع، بين شعر الحياة ونثرها، يخاطب الحقائق العميقة لطبيعتنا ويرضي كلية كياننا، ذكاءنا النقدي ورغبتنا الفاعلة.

3. الحدس والفكر

إن محاولتي الإجابة على السؤال المطروح في المقطع السابق متأثرة إلى حد بعيد بفكر أفلاطون وشنكرا. فهما ليسا مهتمين بعقائد معينة بقدر اهتمامهما بقضية الدين المركزية. واليوم، ليست مشكلتنا عصمة البابا من الزلل أو الكتاب من الخطأ، ولا حتى كون المسيح أو كرشنا هو الله، أو وجود وحي أصلاً. فكل هذه المشكلات غيرت معناها، وتتوقف على المشكلة الواحدة الوحيدة، ألا وهي إن كان أو لم يكن ثمة خلف ظواهر الطبيعة ومسرحية التاريخ قدرة روحية غير منظورة، إن كان الكون ذا معنى أو عديمه – أكان الله أو الاتفاق. إن أفلاطون وشنكرا يروقان لي لسبب آخر هو أنهما سيِّدان في فن تلطيف إحكام حجتهما بذلك البيان الأوسع الذي هو روح الأدب الحق. فالكتَّاب في الفلسفة ينبغي أن يذكَّروا أحياناً بتحذير لاندُر: "الكتَّاب العِذاب كالينابيع لا يبدون على ما هم عليه من العمق، أما العَكِرون فيبدون جدَّ عميقين."

تعتقد منظومات الفكر الهندوكية بقدرة العقل الإنساني على قيادتنا إلى الحقيقة كلها. أما ذهننا العادي فليس أعلى نسق ممكن من أنساق العقل الإنساني. إذ إن بوسعه أن يعلو إلى مستوى يكاد لا يُتصوَّر. وكل منظومة توصي بمسلك أو طريقة عملية لبلوغ وعي أعلى. والإيمان بالقيم السامية التي يتصف بها الفيلسوف الكاذب أو السفسطائي الشكاك، ليس قضية جدل أو سفسطة بل قضية استيعاء روحي.

المنقول المثالي في الشرق والغرب كلاهما أكد على أعلوية الروح في الإنسان. فالرغبة الجسدانية والهوى وحدهما، الدافع والغريزة، وحتى الفكر والإرادة لا تستنفد طبيعته. إن المقام الروحي هو الكرامة الجوهرية للإنسان وأصل حريته. إنه الحالة المتقدِّمة على التقسيمات بين الفكر والشعور والإرادة، حيث يشكل الوعي وحدة لا يمكن تحليلها. إنه الاقتضاء الأولي، حدُّ وهدف وعينا المنقسم. عندما ينشط الروح، وهو العقل في تتامِّه، ينال الإنسان الحدس الفوري بوحدته مع الأبدي، مع أن الوعي الفكري المشتق يبقى منفصلاً ويعمل في أسس كينونته ويميز صلته بالحضور المستتر وراء حجاب الظواهر المرتعش وتوقُّفه عليه.

هذه الحقيقة الجوهرية معبَّر عنها بلغة الدين كبطون الكلمة. هناك صورة الله في الإنسان، توق يكاد يكون خالداً إلى كل ما هو عظيم وإلهي. إن قيم الروح الإنسانية ليست مشدودة إلى الأرض بل تنتمي للعالم الأبدي الذي يستطيع الإنسان أن يرقى إليه عبر الرياضة والزهد. إنه يستطيع أن يتخطى القانون القديم للخليقة الفجَّة الذي يمنح قصب السبق للسريع ويعقد النصر للقوي، ويقبل بالمبدأ القائل بأن من ضنَّ بحياته يخسرها. فعندما يعزف، استجابةً لصوت الضمير الآمر، عن كل شيء ويموت فإنه يلامس اللاتناهي ويضع يده على النظام الأبدي ويشترك مع الألوهة في القرابة. ففي مركز الروح ثمة شيء، شرارة "هي من الشبه بالله بحيث إنها واحدة مع الله، وليست متَّحدة به وحسب." (إكْهَرْت)

إن الفاهمة الروحية أو نوع الإدراك للقيم الحقة التي ليست لا موضوعات في المكان ولا كلِّيات الفكر تدعى الحدس. ثمة القدرة الضابطة للواقع في الفهم الحدسي تماماً بمقدار ما توجد في الأفعال الإدراكية للفكر المنعكس. وموضوعات الحدس نتعرَّفها ولا نوجِدها. فهي ليست نتاجاً لفعل الفهم نفسه.

عصرنا عصر فخور حقاً بعقلانيته وتنوُّره. بيد أن أية عقلانية متماسكة ستقرُّ بالحاجة إلى الحدس. إن القديس توما [في خلاصته اللاهوتية] يلاحظ: "أركان الإيمان لا يمكن أن يقام الدليل عليها بالبرهان. فالحقيقة القصوى التي هي المعيار الذي نقيس عليه كل الحقائق الأخرى النسبية لا يصح إلا اختباره وليس البرهان عليه."[1] وديكارت، على كونه عقلانياً في غاية الإحكام ومن أنصار المنهج الهندسي، يستعمل المبدأ الحدسي. فبينما يستعمل سيرورة الشك لتحرير الذهن من الغلط والأحكام الاعتباطية ويصر على أننا يجب ألا نقبل إلا بما يقدِّم نفسه للذهن بصورة هي من الوضوح والجلاء بما يستبعد كل أسباب الشك، يجد ما هو واضح وجليٍّ في معرفته بنفسه ككائن مفكر. فهذا وحده يتعدى كل شك وهو بائن بنفسه وغير متوقف على أي شيء آخر. ويميز ديكارت الإدراك والخيال والقياس المنطقي عن الحدس الذي يعرِّف به بوصفه "التصور الذي لا يخامره ريب لذهن مجلوٍّ ومنتبه، وينبجس من نور الصواب وحده. وهو أوثق من الاستنتاج نفسه من حيث إنه أبسط." ففي حين أن الحقائق التي يحيط بها الحدس بائنة بنفسها فإن الدربة، أو ما يدعوه ديكارت الطريقة، ضرورية لتوجيه رؤيتنا الذهنية إلى الموضوعات الصحيحة بحيث يستطيع ذهنياً أن "يعاين" الموضوعات. فمادامت أذهاننا ليست خلاقة للواقع بل مستقبلة له وحسب، يجب أن نتصل بالواقع، الخارجي إدراكاً، الداخلي حدساً، وبواسطة العقل أن نؤوِّله ونفهمه. البرهان المنطقي ليس تاماً بذاته. فبعض المبادئ البَدَرية تشكل حدوداً له. إننا لا نشير هنا إلى البَدَرية النفسانية. فالأولوية الزمنية في ذهن فردي قد تقتفى حتى التقليد الاجتماعي والذاكرة العرقية، لكن ثمة قضايا تُفترَض سلفاً في التجربة لا يمكن لا البرهان عليها ولا دحضها. وهذه المبادئ الأولى غير المبرهن عليها تُعرَف حدساً. وبهذا يكون لدينا حس بالكلِّية العفوية للأشياء، بينما المعرفة الفكرية مجردة ورمزية. وههنا أيضاً، كلما سما الواقع قلَّت كفاية معرفتنا به. فالفكر التحليلي لا يستطيع أن يعطينا فهماً كاملاً بوجد المحبة أو جمال القداسة.

من سوء الطالع أن الإصرار على الحدس كثيراً ما يلتبس بمعاداة الفكر. الحدس الذي يتجاهل العقل لا جدوى منه. فالاثنان ليسا غير مؤتلفين وحسب بل متحدان اتحاداً حيوياً. وأفلاطون هو من الفحول في هذه المسألة. فهو يقول في المائدة[2] إننا نعرف جوهر الجمال في رؤيا غبطوية عليا هي، إذا جاز القول، تمام البحث المنقِّب للفيلسوف. كذا في الجمهورية[3] يبلِّغنا أن عالم الصور نحيط به علماً عبر إعمال الصواب، مع أن أفلاطون على بيِّنة تامة أن الأمر لا يتم بالصواب وحده.[4] الحدس يتخطى الفكر، وإن لم يكن ضده. وهو، بما هو جواب الإنسان بكلِّيته على الواقع، يشتمل على نشاط الفكر أيضاً. وحقائق الحدس يُتوصَّل إليها بعمل الفهم، مع أنها ليست مفهومة فهماً واضحاً إلا عند الذين لديهم إلى حد ما سابق إحاطة مباشرة بهذه الحقائق. الحدس ليس مستقلاً لكنه يتوقف بصورة مؤكدة على الفكر ومحايثٌ لطبيعة تفكيرنا نفسها. وهو ديناميٌّ التواصل مع الفكر ويخترق السياق المفهومي للمعرفة إلى الواقع الحي المبطن لها. إنه نتاج سيرورة طويلة وشاقة من الدراسة والتحليل، لذا فهو أسمى من السيرورة الخطابية التي يحصل عنها ويطرأ عليها.

ليس يُستعمَل الحدس اعتذاراً عن عقائد لا يمكن أو لا تذعن للتبرير على أسس فكرية. إنه ليس شعوراً ضبابياً أو توهُّماً مَرَضياً يليق بغرباء الأطوار والدراويش الراقصين. إنه يحتل من العقل موقع الكل من الجزء، موقع المصدر الخلاق للفكر من المقولات المخلوقة التي تعمل عملاً آلياً نوعاً ما. إن الافتكار المنطقي وظيفة خاصة ضمن حياة الذهن العيانية وهو بالضرورة حصة طفيفة من التجربة الأوسع. وهو إذا نَصَّب نفسه مكوِّناً لحياة الذهن بكلِّيتها أمسى، على حد تعبير كنط، "ملكة وهم". الطاقات المختلفة للنفس البشرية ليست منقطعة بعضها عن بعض بحواجز عسيرة. فهي يتدفق بعضها في بعض وتعدِّل وتؤيد ويتحكم بعضها في بعض. والتعبير السنسكريتي "سَمْياكْدرشَنا" [samyagdaršana] أو الكشف المتكامل يبرز إلى أي حد هو بعيد عن الرؤى الغيبية وحالات الغشية والتواجد.

إن مجرد كون بيانات الحدس تظهر للرائي غير قابلة للدحض أو يتفق أنها يشترك فيها الكثيرون لا يترتب عنه أنها صحيحة. فالإيقان الذاتي الذي صحَّته كناية عن مجرد عدم القدرة على الشك يختلف عن اليقين المنطقي. فحس الاستيقان موجود حتى عندما يكون الموضوع خيالياً. وحتى مثل هذه الموضوعات، مادام يُعتقَد أنها فعلية، تستحضر مشاعرَ ومواقفَ هي من الشدة والتأثير بمثل ما هي عليه المشاعر والمواقف التي تحرضها موضوعات حقيقية. ففي حين قد يرتضي الدين بحس الاقتناع الذي يكفي لتغذية الحياة الروحية، تهتم الفلسفة بمعرفة ما إذا كان الموضوع المعتقَد قائماً على أساس سليم أم لم يكن.

يتطلب الحدس التنمية بمقدار ما تتطلبها قدرات الملاحظة والفكر. وإنه ليس بوسعنا تحقيق كمونات الروح إلا بسيرورة مجاهَدةٍ أخلاقية تهذب النفس تدريجياً بما يجعلها تتناغم مع الحقائق غير المرئية. ويخبرنا أفلوطين بأن الدرب إلى الهدف طويل وشاق، يجتاز أولاً حقل الفضائل المدنية، ثم رياضة التصفِّي، ومن بعدُ المشاهدة التي تقود إلى الإشراق. أما الفكر الهندي فيتطلب منا أن نتجرد عن حياة الحسِّ والتفكير الخطابي لكي نستسلم للذات الأعمق، حيث نصبح على صلة مباشرة بالحق. فحتى نحسن المعرفة علينا أن نصبح مختلفين، وعلى خواطرنا ومشاعرنا أن تتناغم بعمق. فالحدس ليس المعرفة الكاملة وحسب بل الحياة الكاملة أيضاً. ذلك أن تكريس الذات ومعرفة الحق ينموان سوية. والحقيقي بالكلِّية لا يعرفه إلا من كان هو نفسه حقيقياً بالكلِّية.

4. الفن والمناقبية

إن ما نحن بحاجة إليه اليوم في حياتنا هو نسمة من روح عالم آخر أكثر ديمومة. علينا أن نسترجع القدرات الحدسية التي سُمِح لها بأن تضل في معمعة الحياة. إن مدنيتنا المعاصرة، باختصاصاتها وانتصاراتها الآلية، تعرف عدداً كبيراً من الوقائع، ولكنْ ليس سرَّ العالم الذي توجد فيه هذه الوقائع. وإن مناهج غير العلوم الدقيقة – الفن والأدب، الفلسفة والدين – مطالَبة بتسريع إدراكات الدهشة والتحيُّر، الغرابة والجمال، لسرِّ العالم المحيق بنا وإعجازِه – على أن نرى بعينين ليستا كليلتين من جراء الاستعمال والعادة. بوسع العلم أن يحلل العالم المادي إلى إلكترونات ويقصف الذرة لكنه لا يستطيع أن يفسر العبقرية التي تستطيع أن تقوم بكل هذه الأمور، السيماء الإنساني النبيل، تعبير عينيه والعواطف التي تشع من خلالهما. الإنسان يضرب بجذوره عميقاً في طبية الحق. وعلى هذه الراسية تتأسس نشاطاته الخلاقة كافة.

يعتبر ثيودور لِبْس، أحد أكابر الكتَّاب في الجماليات، الحدس الفني فعل Einfühlung الذي تُرجِم بكلمة empathy [الانعطاف] على وزن sympathy [تعاطف]. فإذا كان التعاطف يعني العطف مع، فالانعطاف يعني العطف في. عندما نشاهد موضوعاً فإننا نخلع أنفسنا عليه ونشعر بإيقاعه الجَوَّاني. وكل إنتاج إنما هو محاولة استنساخ في مقترب للأشياء المرئية والمسموعة والمشعور بها. إذا أخفق عمل فني فذلك مردّه في الأعم إلى افتقاره إلى الانعطاف. ففي الدراما السنسكريتية مالَفِكاكنِمِترا،[5] حيث الصورة تخفق في إبراز جمال الأصل، يُرَدّ الإخفاق إلى التركيز الناقص [šithasamâdhi] للرسام. إن الفكر يركِّز على المادة، حتى تستحوذ عليه تمام الاستحواذ، فيصبح كأنَّما هو مندغم فيها، ويمتصها، ثم يعيد قَوْلَبَتَها بحسب مُثُلِه هو وبذلك يبدع عملاً فنياً. إن فعل المشاهدة الصرفة هذا ممكنٌ فقط للعقول الحرة كل الحرية التي تنظر إلى الموضوعات بكل تواضع وخشوع. وهذه الحرية نادرة ندرة طهارة القلب التي هي شرط رؤية الله. إنها حالٌ ترتفع فيها كل طاقاتنا وتشتد وتتسامى. إننا نرسم أو نصور لا بأدمغتنا بل بدمنا وكياننا كله.

إنما الفن هو بيان الحياة. إنه الإفصاح عن رؤيا الروح وليس عقلانياً بالكلِّية. إنه يتخطى حدود العقلاني وهو، على حد عبارة بيكون، ذو شيء عجيب في نسبته. إن موقف الفنان من الكون موقف قبول أكثر منه موقف تفهّم. إنه يرى عبء السر في كل الأشياء، مع أنه لا يرتعد فَرَقاً منه. إنه يحاول قطف السرِّ من الشيء وتقديمه لنا. وهذا بمقدوره أن يفعله لا عن طريق عقله إنما بعقل أنضج، قوته الحدسية التي هي الوصلة، صلة الوصل، بين المظهر والجوهر، الجسد والروح. فحتى يكون لنا الاندغام المحتَّم بين الإلهي والزمني، التداخل الحاذق للروح من خلال كلِّية الإنسان، لن تكون لنا النار الهادئة التي تحرق، ومضة برق الرؤيا التي تنير ظلمة الأرض والإلماعات العذراء التي تودي باللسعة من أوجاع الميتوتية. كل الفنانين العظام، ممن لديهم الجاذبية الروحية الحاذقة، ينقلون سجواً، قصاوةً، حساً بالماوراء، بالنائي.

في محاضرات هيبرت التي ألقيتها بعنوان نظرة مثالي إلى الحياة،[6] تذمرت من كون العديد من خيرة كتَّابنا يطغى عليهم الفكر إلى حد يحول بينهم وبين بلوغ قمم العظمة الحقة. إنهم يلامسون الذهن لكنهم لا يدخلون الروح. فما يحتاجه الفن العظيم هو الإلهام وليس القدرة الفكرية، أي ما أسماه الشاعر الهندي دَنْدِن العبقرية الطبيعية [naisargikî pratibhâ]. الفن العظيم ممكن فقط في تلك اللحظات النادرة التي ينغرس فيها الفنان خارج نفسه ويفعل خيراً ممَّا بوسعه امتثالاً لما يملي عليه شيطان [daimon] كالذي كان، على حد قول سقراط، يهمس بالحكمة في أذنيه. في تلك اللحظات العليا، يشعر سادة التعبير البشري في دخيلة نفوسهم بشرارة من النار الإلهية ويبدو أنهم يفكرون ويشعرون وكأن الله فيهم وهم يكشفون عن بِضَع من سر خطة الكون. قال ماثيو أرنولد إن ووردزوورث وبايرون، عندما كانا ملهَمَيْن حقاً، كانت الطبيعة تأخذ القلم من يدهما وتكتب عنهما. بكلمات أخرى، هذه من أنشطة الروح المحض، من تجلِّيات الوعي الإنساني، في أسمى أحواله، وقد تطهر بالزهد والخلو من الغرض. بعض خيرة كتَّابنا يسحجون السطح، ينظرون إليه، يفحصونه، لكنهم لا يغامرون بالغوص. لذا فهم لا يطعِمون الروح ولا ينعشونه ولا يجددونه. إن أعمالهم ليست أعمالاً فنية بل تمارين في الابتكار. لديهم القدرة الفكرية والمهارة الفنية إنما ليس مناسبة الذهن النادرة تلك التي تولد قيماً غريبة من عالم آخر، عبر تنسيق بضعة ألوان على اللوحة أو بضعة سطور من الشعر.

ولكن لا ننسينَّ أن العمل الفني الحق مشحون بالفكر، وليس مجرد تعبير عن الانفعال. فإن قدراً كبيراً من الانتظام والتناظر، من التحديد التأمُّلي منطوٍ في تفتح خبرة الفنان. إن سمفونية لبتهوفن أو مسرحية لشكسبير ذات إلهام واحد غير منقسم، لكن تعبيرها ينطوي على عمل مفصل على الصعيد الفكري. وهذا العمل هو جهد الإنسان لإبداع تجسيمه.

كما أن التفكير المتماسك ليس بالتفكير المبدع، وكما أن النظم الفكري ليس بالشعر الملهم، كذلك المحترمية في المسلك ليست الصلاح. إن مجرد استقامة السلوك ليست الكلمة الفصل في المناقبية. إنها قد تكون صورة صالحة متعارَفاً عليها لكنها ليست بالحياة الصالحة المبدعة. إن البطل الأخلاقي لا يكتفي بأن يكون مجرد أخلاقي. عندما رفض سقراط الفرار من السجن لم يتصرف مثل الرجل الصالح المتعارف عليه في زمانه الذي كان سوف يتملص لدى أول فرصة متاحة. وسلوك المسيح أمام بلاطس ليس بدافع المناقبية الاحتراسية. إن الحس العام والحكمة الدنيوية يقولان لنا إنه إذا انفتح باب أمام إنسان في السجن فمن الحمق ألا يستفيد من هذه الفرصة. بيد أن القداسة هي غير الاحتراس الشائع. إنه جمال في الطبيعة جَوَّاني تتطهر به النفس من الأهواء والشهوات الدنيوية وتسكن إلى وصال صبور واثق مع الروح الكلِّية. إن المتحلِّين بعفة الفكر والنفس هذه التي تقع في القلب من كل خير آخر وتولِّده يرون على الفور ما هو خير ويستمسكون به ويتَّضعون من أجله حتى الموت. إنهم لا يحفلون بحسن الحال والراحة والرفاهية، كل هذه الأشياء التي تعني الكثير في نظر البشر العاديين، إن لم نقل إنهم يحسون بها عوائقَ تعرقل الحياة البطولية للمحبة المبدعة. وهذا لا يصح على حكماء الهند واليونان المعروفين، وعلى أنبياء إسرائيل وقديسي المسيحية وحسب، بل وعلى الأبطال المغمورين العديدين للحياة الأخلاقية ممن يستخفون بالصيغ المحددة ويحملون على الأشواق الاجتماعية التي ينبتون منها ويقودون الإنسانية قدماً إلى الأمام.

إن غالبيتنا مستعبدة للبواعث والانفعالات، للعادة والآلية، ولسنا واعين عادة للتأثير الكبير للتفكير الآلي، للعادة الذهنية وللسلطان العظيم الذي لتجربتنا الماضية على نظرتنا الحالية وقراراتنا. تنطوي الطبيعة البشرية على ميل إلى الاستقرار على ثوابت العادة أو التصلُّب فيها. إذ ليس وحده الجسم يستأثر بالعادات، بل هناك عادات من الفكر ومن المشاعر أيضاً. كل شيء غريب أو غير مألوف يبدو مُنْكَراً، من حيث إنه منافٍ لعادات الرتابة الراسخة – ما يمكن أن نسميه الوعي الاجتماعي. إننا نعيش أو نحاول أن نعيش وفقاً لقواعد لم نفحص عنها إنما قبلناها بدون أي نظر فيها مناسب. إننا نأكل ونشرب، نلعب ونعمل، نهتم لأعمالنا ونتبنَّى هواياتٍ ليس لأننا اخترنا لنفسنا هذه النشاطات بل لأن البيئة التي نشأنا فيها تشير علينا بها. إننا نؤدي للمجتمع ما يتوقَّع منَّا، ونقوم بالواجبات التي تكلِّفنا بها منزلتنا. إن هذا امتثال منفعل وليس خَلقاً فاعلاً. إننا لا نحيا حياتنا، بل نعاش بشروطنا بمعنى ما. بيد أن هذا لا يمكن أن يستمر طويلاً، إلا إذا سلَّمنا فكرنا وإرادتنا واختزلنا أنفسنا إلى مستوى الآليات. نوازعُنا الداخلية التي لم نُؤْتَ من فهمها إلا قليلاً، مرغوباتُنا ومكروهاتُنا، أهواءُ جشعنا وطموحنا سرعان ما تَنْسِل النزاع. المجتمع يتطلب من حياتنا الكثير والتكيُّف معها ليس دوماً بالأمر السهل. قد نشعر، أحياناً، بأننا نخون الإنسانية إذ نمتثل للقواعد التي تفرضها علينا جماعتنا الصغيرة. أحياناً، يتفق للعلاقات الشخصية ألا تُقضى. والحياة – ذلك السفنكس ذو الوجه الإنساني والجسم البهيمي – تطرح علينا كل ساعة أحاجيَ جديدة. والمتخلِّفون، الذين مازالوا أطفالاً في لعبة الحياة، يجيزون لنشاطاتهم أن تحكمها الجواذب والنوابذ الآلية، لكن نشاطاتهم ليست نشاطات حرة ولا بوجه من الوجوه. إن الحفاظ على التوازن بين الرغبات والشهوات الغريزية وبين والالتزامات الاجتماعية هو مهمة الحياة المناقبية. وفقط عندما يبلغ الإنسان الوحدة، عندما يكتشف طبيعته كلَّها وينظِّمها، يحق له أن يقول: "أريد." فتبدو قراراته الحرة عندئذٍ وكأنها صادرة عفواً وناشئة من تلقاء ذاتها، مع أنها قد تكون مضادة لمصالحه ولميوله. إنها تنتهك رتابة الحياة العادية وتضفي عليها نمطاً جديداً من القدرة. هذه القرارات الخلاقة لا يمكن التنبُّؤ بها، وإنْ يكن بالإمكان تعليلها لدى إعادة النظر في الماضي. ومع أنها تتحدى الاستشراف فإنها عقلانية تماماً. هناك بون شاسع التكرار الميكانيِّ والخلق الحرِّ، بين مناقبية القواعد وحياة الروح.

***


* هذا ينطبق بالدرجة الأولى على المدرسة الفرويدية للتحليل النفسي. [م]

[1] Summa Theol., q. 46, n. 2.

[2] Symposium, 211.

[3] Republic, vii & viii.

 [4]راجع بورنِت: "عند كل من حاول أن يحيا مشايعاً فلاسفة الإغريق، لابد للرأي بأنهم كانوا عقلانيين أن يبدو باعثاً على السخرية. فعلى النقيض تقوم الفلسفة اليونانية على الإيمان بأن الحق إلهي وبأن الشيء الأوحد الضروري للنفس مما هو من جنس الألوهة إنما هو دخولها في وصال معها." وهذا يصح قطعاً في أفلاطون.

[Burnet, Greek Philosophy, vol. I, Thales to Plato, p. 12.]

[5] Mâlavikâgnimittra, ii. 2.

[6] An Idealist View of Life.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود